; نصف قرن على ثورة التحرير الجزائرية | مجلة المجتمع

العنوان نصف قرن على ثورة التحرير الجزائرية

الكاتب فاروق أبو سراج الذهب

تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004

مشاهدات 80

نشر في العدد 1626

نشر في الصفحة 28

الجمعة 05-نوفمبر-2004

الجزائر: فاروق سراج أبو الذهب

ماذا تحقق من «مشروع أول نوفمبر »؟!

نصف قرن على ثورة التحرير الجزائرية

بحلول أول نوفمبر 2004، تكون الجزائر قد مر عليها نصف قرن منذ اندلاع ثورة التحرير الكبرى في أول نوفمبر 1954م، تلك الثورة التي كانت بمثابة الفيصل بين زمنين: زمن الاستعمار، وزمن التحرر والانعتاق.

خمسة عقود مرت على الشعب الجزائري عرف فيها الحلو والمر وتذوق فيها لذة الشهادة وعلقم الفتنة والاستبداد، والسؤال الذي كان مطروحًا أيام بدايات الاستعمار ونهاياته ثم فجر الاستقلال إلى اليوم هو: ما إنجازاتنا وما إخفاقاتنا؟ وإلى أين؟

جيل الثورة

الخلفية التاريخية التي عاشها جيل الثورة ومختلف نقاط الظل في السياسات المعتمدة آنذاك، والصراع على البقاء سواء بشرعية ثورية أو بشرعية شعبية دستورية تجسدت من خلال العديد من نقاط الانعطاف في التاريخ الجزائري المعاصر، وكانت في كل مرة تطرح أسئلة عميقة الجذور وتبقى دائمًا بدون جواب.

عمومًا لقد وضعت الثورة عدة أهداف وقيم سعت لتحقيقها، أهمها تحقيق الاستقلال الوطني والسيادة الكاملة واتخاذ الإسلام كإطار حضاري للهوية الوطنية.

والتساؤلات التي تثور اليوم تدور حول: ماذا تحقق من مشروع أول نوفمبر؟ وهل فعلًا أجهضت أهداف الثورة، واختطفت منها الثمرة بعد أن حددت أهدافها ومبادئها وهوية الدولة والمجتمع في بيانها الأول المسمى بيان أول نوفمبر 1954م، نداء إلى الشعب الجزائري؟ وهل أخفق الجيل الثوري الأول في صيانة أهداف الثورة؟ أم أنه لا يزال يناضل إلى اليوم من أجل أن تتحقق هذه الأهداف؟

الحديث عن الإنجازات بعد نصف قرن من الزمن هو حديث نكتبه بمداد أحمر مرتين، مرة بمداد المجاهدين والشهداء والأرامل واليتامي والمفقودين الذين سقوا ويسروا الطريق نحو الاستقلال، ومرة بمداد المرابطين خلف الستار في المؤسسات ينافحون عن مشروع أول نوفمبر وهوية هذا الشعب.

نوفمبر المشروع والإنجازات

انطلاق الثورة لم يكن صدفة أو جاءت به الطفرة أو زفة عابرة استهوت بعض الأشخاص فاستنفروا لأحداثها، بل هو تطور تاريخي وتراكم تجربة وانبعاث وعي في كيان الشعب يتجسد مشروعًا حضاريًّا أراد أن يؤسس له، وتكون بدايته استرجاع السيادة المسلوبة وإعادة الحرية والاستقلال للوطن بأكمله، ولما كان نوفمبر 1954 بهذا الوضوح وبهذه البساطة حقق الاستقلال للجزائر وأصبحت أدبيات الثورة الجزائرية جزءًا لا يتجزأ من منظومة القيم الوطنية التي اخترقت الحجب إلى باقي الدول العربية وأضحت الجزائر عندما تقود منظومة القيم الثورية في العالم العربي، وهي فلسطين اليوم تقتفي أثر الجزائر رغبة في الانعتاق وتحقيق السيادة والاستقلال.

لقد كان أكبر إنجاز لثورة أول نوفمبر 1954 هو الحسم في هوية الشعب الجزائري ودولته، فقد كان أول أهداف بيان ثورة التحرير هو إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية... هي هوية إذن محسومة منذ البداية، وأصبحت هذه الهوية تتأكد مع كل استحقاق انتخابي، ولكن التيار العلماني لم يأخذ الدرس بعد.

وبعيدًا عن المعاجلة التاريخية لخمسة عقود من تاريخ الجزائر فإننا نستطيع حصر الإنجازات في تحقيق هدف.. الحرية والاستقلال.. وليست الحرية سلعة تقاس بثمن أو بوزن وإنما قياس حجم الاستقلال والحرية يقاس أولًا باندحار المستعمر الفرنسي وخروجه من الجزائر وصحرائها الواسعة، ثم يأتي بعد ذلك تحرير العقل والهوية بعد تحرير الأرض، فبعد استقلال الوطن، واستقلال الذات المجتمعية من كل أشكال الإكراه وطبائع الاستبداد والدكتاتوريات وصل الشعب الجزائري بعد خمسين سنة من انطلاق الثورة إلى تحقيق نموذج ديمقراطي.. رغم كل الملاحظات التي تبدو في سياق الحديث عن التطوير والتحديث السياسي، ومنها: 

- بدايات الانتقال من الأحادية الحزبية إلى التعددية السياسية والوصول إلى مشاركة سياسية واسعة وتعددية حزبية مقبولة لميلاد نظام ديمقراطي حقيقي يوفر فرص العمل السياسي وفق نظرية الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع.

- العودة إلى الشرعية الشعبية: فقد ظلت الشرعية الشعبية مطلبًا للقوى السياسية من بداية الثورة إلى ما بعد الاستقلال، وقدم المجتمع الجزائري أبناءه ثمنًا لهذا المطلب، فمنهم من وهن عظمه في السجون ومنهم من قضى نحبه في المهجر والمنفى، ومنهم من قُطع رأسه وذُبح في الأزمة الفتنة، ومنهم من اغتيل أمام الملأ الرسمي، ولم يكن جسر العودة إلى الشرعية الدستورية الشعبية جسرًا سهلا والمرور عليه يسير. 

- السمعة الطيبة للدبلوماسية الجزائرية وحضورها الواعي في كل القضايا ذات البال العربي والإسلامي. 

- السبق في التكيف المستمر مع التحولات الدولية وعدم إعطاء الفرصة للفاعل السياسي الدولي أن يفقد الجزائر سيادتها.

- مباشرة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والوعي بخطورة المرحلة سيما في اتجاه الانضمام إلى المنظمات الدولية، وعلى رأسها المنظمة العالمية للتجارة التي تفرض على الشعوب مفردات قيمية غازية ومشاريع اقتصادية سالبة للاستقلال مفسدة لأي رؤية مستقبلية.

- تصحيح الانحرافات التاريخية الخطيرة والتي كانت تؤسس باستمرار لاستراتيجيات فك عقد الوحدة الوطنية والتفاعل مع هذه الانحرافات بوعي تاريخي وإعادة الاعتبار لمن ظلم، بالرغم من أن الجزائر ما تزال تعاني من إشكالية كتابة التاريخ.

- التصالح بين التيار الوطني والإسلامي الديمقراطي وهو الحلقة المفقودة لجزائر ما بعد الاستقلال، بالرغم من أن للتيار الوطني الإسلامي الديمقراطي قصة في تحرير الجزائر وصناعة الاستقلال.

إخفاقات الثورة

في المقابل لقد أخفقت الثورة الجزائرية طيلة نصف قرن في تحقيق عدد من الطموحات والأهداف منها:

- تحرير المرجعية الدينية والحفاظ على البعد المرجعي الإسلامي الذي يحفظ على الأمة وحدتها واستقرارها.

- إنتاج مواطن جزائري وصياغة ثقافة مجتمعية نامية بعيدة عن الاهتزازات سيما ما تعلق بالمواطنة والحس الوطني والسياسي والتاريخي؛ الأمر الذي أنتج مجتمعًا مدنيًّا غير فاعل وغير مستقل، وبالتالي لم تتحقق الفعالية والنزاهة المطلوبة، إننا لم ننجح في صياغة مدارس سياسية حقيقية تحمل مشروعًا سياسيًّا وبرنامجًا واضحًا نناضل من أجله ونقوم بعملية التنشئة والتحديث السياسي.

ملفات عالقة

أيضًا لا تزال إلى اليوم العديد من الملفات عالقة وتتعرض لهزات عنيفة في مرات عديدة:

- فملف المنظومة التربوية بالرغم من الحسم في اللغة والمناهج والهوية إلا أنه يتعرض إلى حملات تغريبية تتنافى مع مضامين مشروع أول نوفمبر الذي استشهد من أجله مليون ونصف المليون جزائري.

- وملف منظومة الأسرة الذي يمثل قانون 1984م مرجعية أساسية له، يتعرض باستمرار إلى حملات التغريب والعولمة.

- ملف حقوق الإنسان وبالرغم من جدية المسعى في رعايته وترقيته إلا أن ملف المفقودين وحرية تأسيس الأحزاب السياسية والجمعيات الوطنية يبقى ثغرة يجب تجاوزها.

- ملف الإصلاحات الاقتصادية والقانونية على مستوى ملفات إصلاح الدولة والعدالة والانفتاح الاقتصادي والخصصة ما تزال ملفات مفتوحة تحتاج إلى لغة حسم تجسد نظرية التكيف مع الواقع الاقتصادي والحفاظ على الخصوصية الثقافية.

ملف العلاقات المغاربية (اتحاد المغرب العربي) الذي ناضلت الجزائر من أجل صياغته وتأسيسه، الإخفاق ليس إخفاقًا جزائريًّا في الحقيقة، ولكن في سياق التقييم لنصف قرن من الزمن تبقى الإشارة إلى أن اتحاد المغرب العربي سياق إقليمي من شأنه أن يحقق العديد من المكتسبات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية في مقابل ميلاد التكتلات الاقتصادية الدولية الكبرى التي أصبحت تؤثر تأثيرًا سلبيًّا على اقتصادات دول المنطقة.

وداخليًّا لا تزال كل الإحصاءات والمؤشرات الجزائرية التي توضح الوضعية الاقتصادية متناقضة وغير مضبوطة وتسمح بالدخول في تقنية الاقتصاد المضلل بما يشجع كل الآفات الاجتماعية من رشوة ومحسوبية وفساد.

كما أنه ما تزال جيوب الفقر والبطالة وهجرة الأدمغة والتسرب المدرسي وظاهرة الانتحار وتسريح العمال والتسول وغياب الطبقة الوسطى ملفات تهدد النسيج الاجتماعي للمجتمع الجزائري وتنذر بمستقبل فيه الأمل الكبير وفيه للحيرة منافذ.

تبقى تجربة الجزائر غنية وفريدة في الثورة والديمقراطية، وتبقى دائمًا المرجعية التاريخية التي تجسدت في بيان أول نوفمبر 1954م عنوانًا لفقه مرحلة واستقبال أخرى في سياق «الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل