العنوان نظام التعليم في الإسلام
الكاتب الدكتور علي رسلان
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1982
مشاهدات 76
نشر في العدد 556
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-يناير-1982
إن نظام التعليم في الإسلام يجب أن يقوم على أساس من التصور الخاص المتميز النابع من الدين الإسلامي الحنيف. أما الوسائل والطرق فلا ضير من الاستفادة منها في التجارب البشرية الناجحة مادامت لا تصادم هذا التصور ولا تناقضه. ومصادر المعرفة في التصور الإسلامي نوعان:
أولهما: الوحي في الجوانب التي يعلم الله سبحانه وتعالى أن الإنسان لا يهتدي فيها إلى الحق من تلقاء نفسه، والتي لا تستقيم فيها الحياة على وجهها السليم إلا بمقررات ثابتة من عند الله المحيط بكل شيء علمًا.
ثانيهما: العقل البشري وأدواته في تفاعله مع الكون المادي نظرا وتأملًا وتجربةً وتطبيقًا في الأمور التي تركها الله العلي الحكيم لأجلها، وهذا العقل وتجاربه بشرطٍ واحدٍ هو الالتزام التام فيها بالأصول العامة الواردة في شريعة الله المنزلة بحيث لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا ولا تؤدي إلى الشر والضرر والفساد في الأرض.
وانطلاقًا من هذه التصورات، فإن التربية الإسلامية هي رعاية نمو الإنسان في جميع جوانبه الجسمية والعقلية والعلمية واللغوية والوجدانية والاجتماعية وقبل كل هذه الجوانب الدينية.. وتوجيهها نحو الصلاح والوصول بها إلى الكمال، وغاية التربية الإسلامية هي تحقيق العبودية الخالصة لله في الإنسان وفي حياته على مستوى الفرد والجماعة والإنسانية، وقيام الإنسان بمهامه ومسؤولياته المختلفة في عمارة الكون وفق الشريعة الإلهية؛ ولهذا يجب الاهتمام والعناية عند وضع المناهج الدينية، وتأليف كتبها بالعقيدة الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة، ومراعاة اشتمال هذه الكتب على إبراز آيات الله في مخلوقاته ومعجزات رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ورد الشبهات التي يروجها أعداء الإسلام.
ومن أجل أن تحقق التربية غايتها وأهدافها يمكن تصنيف العلوم إلى نوعين:
النوع الأول: العلوم القائمة على الوحي المتمثلة في علوم القرآن والسنة، وما يستنبط منها مع ملاحظة اللغة العربية التي هي مفتاح فهم القرآن والسنة والاهتمام بها.
النوع الثاني: العلوم الأخرى كالعلوم الكونية القائمة على التجريب، وعلوم الآداب والاجتماع والتربية وما إلى ذلك من المعارف المكتسبة.
إن الضرورة تقتضي العناية التامة بالقرآن الكريم حفظًا وتلاوةً وفهمًا باعتبار ذلك اللبنة الأولى في تكوين عقيدة المسلم وأخلاقه وأفكاره وتصوراته، نحن نعلم اليوم ضألة ما يحفظ الطلاب المعاصرون من كتاب الله الكريم في جميع مراحل الدراسة، حتى إنهم ليتخرجوا في المرحلة الجامعية -وخاصة في الكليات العلمية والعملية- وهم لا يكادون يحسنون تلاوة سورة من القرآن أو حفظها أو قراءتها.
ولكل هذا نرى ضرورة التوسع في قراءة القرآن وحفظه ابتداءً من المراحل الابتدائية على التوسع التدريجي في التفسير والشرح والفهم في المراحل المتأخرة، بحيث يخرج الطالب من دراسته بالمرحلة الثانوية وقد حفظ بضعة أجزاء من القرآن على الأقل وفهم معانيها العامة، وكذلك ضرورة الإكثار من مدارس تحفيظ القرآن الكريم للصبية والشبان والفتيان في العالم الإسلامي، كما ينبغي توجيه العناية بالحديث النبوي الشريف في جميع مراحل التعليم حفظًا وفهمًا ومعنىً وعبرةً.
ومعنى هذا علينا نحن المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها الاهتمام والعناية بالعلوم الإسلامية وزيادة دروسها والعناية بها، وكيفية تدريسها بما يضفى عليها طابع الترغيب والتشويق... وإن دراسة الفقه الإسلامي يجب أن تكون موصولة ومتصلة بالواقع الحي الحالي والحاضر بمشكلاته وقضاياه، مع التوكيد على حقيقة أساسية هامة هي أن الحلول الإسلامية واجبة التطبيق بشكل متكامل في المجتمع الإسلامي. وقد أوصت المؤتمرات التعليمية التي عقدت عن التعليم الإسلامي بذلك. كما أوصت بأن تكون دارسة الشريعة الإسلامية بكل فروعها وتخصصاتها هي الدراسة الأساسية في كليات الحقوق مع دراسة مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية عند الحاجة، وعلى أيدي نخبة من المتخصصين الذي يجمعون بين الإيمان العميق والتخصص الدقيق، والقدرة على إبراز ما في الشريعة من شمول وتكامل وسمو وقدرة على تحقيق مصالح الأمة وغاياتها وتلبية حاجات الجماعة دون الوقوع في الانحرافات والنتائج الضارة التي نشأت عن تطبيق القوانين الوضعية بشهادة المجتمعات المعاصرة الرأسمالية والشيوعية على حد السواء.
إن نظام التعليم الإسلامي يجب أن يقوم على أساس المثل العليا التي جاء بها الإسلام لقيام حضارة إنسانية رشيدة بنَّاءة تهتدي برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لتحقيق العزة والمتعة في الدنيا والسعادة في الآخرة، وهذا يستلزم توجيه العلوم والمعارف على اختلاف أنواعها وموادها وجهة إسلامية في معالجة القضايا والحكم على النظريات والطرق، وعلى كيفية استثمارها حتى تكون متناسقة مع التفكير الإسلامي الصحيح والسديد. وعلينا استثمارها حتى تكون متناسقة مع التفكير الإسلامي الصحيح والسديد. وعلينا أن نثق الثقة الكاملة بمقوبات الأمة الإسلامية وأنها خير أمة أخرجت للناس، والإيمان بوحدتها على اختلاف أجناسها وألوانها وتباين ديارها. وإذا رجعنا إلى التاريخ القديم والحديث وجدنا ولاحظنا الارتباط الوثيق بتاريخ الأمة الإسلامية وحضارة دينها الإسلامي، والإفادة من سير أسلاف الأمة ليكون ذلك هاديًا ومرشدًا ونبراسًا للشباب المتعلم في حاضرهم ومستقبلهم، وعليهم كأفراد وجماعات حراسة مقدسات الإسلام، والحفاظ على مهبط الوحي ومهد الديانات، واتخاذ الدين الإسلامي عقيدةً وعبادةً وشريعةً ودستورًا للحياة.. لحياة كل فرد منا.. وبذلك تكون البداية الحقيقية للنهضة العلمية المباركة التي قادها العرب المسلمون في فجر التاريخ الإسلامي، فكانت انتفاضة علمية عقلية جديدة بعثت روح العلم والبحث في كل مكان، وأزالت عن العلم احتكار المحتكرين، وجعلته حقًا مشاعًا وثروة مشتركة للعالمين.
إن نظام التربية ونظام التعليم يجب أن يبدأ من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف مسترشدين بما جاء فيه من قيم ومبادئ إسلامية، وتوجيه العمل داخل مؤسساتنا التربوية والتعليمية وجهة إسلامية على النحو الذي يؤكد على هذا القيم ويعمل على تقويتها وتحقيقها في نفوس النشء والشباب.