; نظرات اقتصادية في سورة البقرة (2) ومما رزقناهم ينفقون | مجلة المجتمع

العنوان نظرات اقتصادية في سورة البقرة (2) ومما رزقناهم ينفقون

الكاتب د. أشرف دوابه

تاريخ النشر الأربعاء 01-يونيو-2022

مشاهدات 51

نشر في العدد 2168

نشر في الصفحة 44

الأربعاء 01-يونيو-2022

الإنفاق معنى واسع يستوعب جميع حركة الحياة فيشمل ما ينفقه الشخص على نفسه وأهله وأبواب الصدقات

الإنفاق المشروع هو الذي يحث صاحبه على الالتزام بالمسؤولية الاستخلافية تجاه المحتاجين والمجتمع

الإنفاق خير محرك للاقتصاد بقدرته على زيادة الميل الحدي للاستهلاك ومن ثم الطلب الفعال فيزيد الإنتاج

أعداء الإسلام عمدوا لإقرار بعض المذاهب الفاسدة وجعلها نظاماً اقتصادياً للمسلمين ليحاربوا منهج الله باسم الله

د. أشرف دوابه

تناولنا في الحلقة السابقة بدايات سورة «البقرة» إلى أن وصلنا إلى قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة: 3)، وذكرنا أن الصلاة قوة دافعة للعمل والإنتاج وتحقيق الدخل وتوزيعه وإنفاقه، فمن صفات المتقين أنهم من رزق الله ينفقون. 

والرزق في اللغة يعني النصيب والعطاء، والمعنى الأوسع للرزق أنه يطلق على الحسي والمعنوي؛ كالمال والولد والعلم والتقوى، وكل ما فيه حركة للحياة وأمور المعاش، ويرى علماء أهل السُّنة أن الرزق ما انتفع به حلالاً أو حراماً، وخصه المعتزلة بالحلال؛ فالحرام عندهم ليس برزق، لأنه لا يصح تملكه، وأن الله تعالى لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال، وهذا كلام مردود عليه، فالأمة مجمعة على أن الطفل والعبيد والإماء والبهائم مرزوقون مع كونهم غير مالكين، كما أنه لا رازق سوى الله وحده؛ (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر: 3)، (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات: 58)، (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا) (هود: 6)؛ فالله تعالى رازق حقيقة، وابن آدم رازق تجاوزاً لأن ملكيته مجازية، وخصوصية اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقاً أيضاً، والحلال والحرام يرتبطان بالشيء نفسه، فإذا كان مأذوناً شرعاً في تناوله فهو حلال حكماً، وإن كان مأذوناً في غير تناوله فهو حرام حكماً، وكل ذلك رزق من الله تعالى.

ومن نعم الله تعالى أن الرزق منه وحده بنص الآية الكريمة: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، وهو حق خوله سبحانه لصاحبه ليصبح خاصاً به وفق أحكام الشريعة لأسباب ووسائل ملك الناس لهذا الرزق، سواء تعلق الأمر بجهد يبذله الإنسان ويستحق أجراً عليه مقابل منفعة (خدمة أو عمل)، أو ربحاً نظير بيع سلعة أو خدمة أو حصل على ميراث، أو هبة أو هدية أو وصية، ونحو ذلك. 

مفهوم الإنفاق

إن المسلم يعترف بأن ما تحت يده من مال هو من رزق الله تعالى له، ومن هذا الاعتراف بفضل الله عليه يتجه بجزء من هذا الفضل تجاه خلقه؛ فيطهر نفسه من الشح، ويزكيها بالبر، وترتفع بذلك راية الأخوة والتضامن والتكافل في المجتمع، وتنتكس الأثرة والنفعية والطبقية. 

والإنفاق معنى واسع عام يستوعب جميع حركة الحياة ويشمل ما ينفقه الشخص على نفسه وأهله يعفهم ويغنيهم، وكذلك ما ينفقه على ذوي القربى وفي أبواب الصدقات وكل ما ينفع الناس، وقد روى مسلم عن جابر قال: «أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألك مال غيره؟»، فقال: لا، فقال: «من يشتريه مني»، فاشتراه نعيم بن عبدالله العدوي بثمانمائة درهم، فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه ثم قال: «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك». 

ورى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك»، وفي هذا روى ابن ماجه عن سلمان بن عامر الضبي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القرابة اثنتان: صدقة وصلة».

والله تعالى يقول: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، وهذا يعني أن النفقة المشروعة تمثل بعض ما يملكه المسلم وليس كل ما يملك، وهذا درس بليغ في معنى الاقتصاد، ودرس بليغ في ارتباط الإنفاق بالإيمان بالغيب فلا شهرة فيه ولا تعالٍ، بل هو الإنفاق الذي يستشعر صاحبه رزق الله وفضله وإنعامه عليه، وهو الإنفاق الذي يجعل من صاحبه حامداً لربه حينما يجد ما فيه من سعة، وغيره من الفقراء المحرومين -وهم عباد لله مثله- حرموا من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب الموصلة للرزق، وهو الإنفاق الذي يحث صاحبه على الالتزام بالمسؤولية الاستخلافية تجاه المحتاجين والمجتمع الذي يعيش فيه فيمد يده إليهم ابتغاء مرضاة الله وقياماً بشكره، ورحمة لأهل العوز والحاجة من خلقه، ويعي أن الرزق عظيم التأثير هو ما استخرجه من صدقة يعم نفعها عليه -عند الله تعالى- في حياته وبعد مماته؛ ففي الحديث الذي رواه مسلم عن عبدالله بن الشخير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟».

وكم من أناس يأتون بضروب العبادات البدنية كالصلاة والصيام، ومتى عرض عليهم بذل شيء من أموالهم للمحتاجين يمسكون عن ذلك ويختارون الشح طريقاً لهم، وهو طريق للهلاك لا للهداية.

والإنفاق بهذه الصورة الرشيدة بلا إسراف أو تبذير يمثل تنظيماً ربانياً لحركة الاقتصاد، فهذا الإنفاق هو خير محرك للاقتصاد بقدرته على زيادة الميل الحدي للاستهلاك ومن ثم الطلب الفعال، فيزيد الإنتاج، ويبرز أثره نفعا للمنتج والمستهلك والمجتمع على السواء.   

صفات المنافقين

وبعد هذه الآيات الأربع في نعت المؤمنين تنتقل السورة إلى نعت الكافرين في آيتين، والمنافقين في ثلاث عشرة آية، وصفات المنافقين تمتد لكل منافق في كل عصر، وقد جاء بصفاتهم قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة).

والفساد خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعاً به ونقيضه الإصلاح، وقد عمد أعداء الإسلام سواء من خلال مذاهبهم بما فيها مذاهبهم الاقتصادية وأذنابهم من برعوا في النفاق من بني جلدتنا لتقليد تلك المذاهب وإقرارها وجعلها نظاماً اقتصادياً للمسلمين، سواء تحت المذهب الرأسمالي تارة أو الاشتراكي تارة أخرى، أو المختلط تارة ثالثة، حتى غلف البعض تلك المذاهب بغلاف إسلامي فسمعنا عن الرأسمالية الإسلامية، وعن الاشتراكية الإسلامية، ليفسدوا في الأرض ويحاربوا منهج الله باسم الله!

الرابط المختصر :