; نظرات في تفجيرات لندن من مدريد | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في تفجيرات لندن من مدريد

الكاتب نوال السباعي

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2005

مشاهدات 61

نشر في العدد 1662

نشر في الصفحة 37

السبت 30-يوليو-2005

مدريد: 

لعل أحدا لم يشعر بتفجيرات لندن كشعور سكان مدريد بهذا الحدث بسبب قرب الزمان والمكان وتطابق المعطيات والحيثيات والملابسات، وذلك على الرغم من الفروق البادية حتى ساعة كتابة هذه الكلمات بين حجم الضربة وتصرفات الحكومتين في كل من إسبانيا وبريطانية.

كذلك فإن أحدًا لا يمكنه أن يدرك مشاعر الجالية العربية والمسلمة في بريطانية في هذه الأيام كالجالية العربية والمسلمة في مدريد. 

الخوف والتوجس والترقب وانتظار المجهول، مشاعر رئيسة تزلزل هذه الجاليات كلما حدث شيء من هذه الأعمال التي تتضارب الأقوال والتكهنات بشأنها، على الرغم من أنه لا يكاد يختلف اثنان على هوية منفذيها، ولكن هذه الهوية نفسها أصبحت مع الوقت مكان تشكك كبير من قبل المحللين السياسيين خاصة العرب منهم والمهووس معظمهم بنظرية المؤامرة وهي في واقع الأمر ليست نظرية مستثناة البتة من مجريات الأحداث.

إسبانيا جندت تفجيرات لندن لفتح ملف قضية الهجرة في البلاد المتاخمة للمغرب العربي الذي يقض بضعفه وفقره وتخلفه مضاجع أوروبا الاتحادية العملاقة اقتصاديًا وسياسيًا وعلميًا ومدنيًا! لقد انتهز اليمين الإسباني هذه التفجيرات في لندن ليعلن الحرب على الجاليات العربية المقيمة في إسبانيا أكثر مما فعلت بريطانيا نفسها. استيقظ «أثنار المغوار» من هجعته في «جورج تاون» وراح يذكر الشعب الإسباني بأنه طالما نبه إلى خطورة هؤلاء المسلمين في البلاد وبأنهم «جميعًا» ليسوا إلا مجرد «خلايا نائمة» لا أحد يعرف متى تستيقظ للضرب والتفجير، تمامًا كما يفعل هو وحزبه في النفخ في قربة الحقد والكراهية، هذه الكراهية التي يجب أن تتجه للمسلمين وللمسلمين فقط، وأنهم قوم لا دين لهم، لأن دينهم الكراهية، وقرآنهم لا شيء فيه إلا ترديدًا لا نهائيًا لأوامر قتل أصحاب الحضارة الغربية وقيمها الراقية الرفيعة التي لا ينام المسلمون إلا وهم يحلمون جميعًا- المليار وثلاثمائة مليون إنسان- بتدميرها والقضاء عليها، حتى يحلوا مكانها قيمهم من قهر المرأة وسحقها ورجم الناس وقطع أيديهم!! هذه هي الصورة التي تنفخ فيها معظم الصحف الإسبانية والإذاعات والتلفزيونات دون انقطاع ولا هوادة ولا هدنة.

حكومة الحرب «الأثنارية» التي لم تستطع تفجيرات مدريد القضاء عليها ولا تغيير قناعاتها ولا تبديل الأصوات الأحد عشر مليونًا التي تدعمها في صناديق الاقتراع، هذه «الحكومة النائمة» استيقظت مع تفجيرات لندن: جيش من الكتاب والصحفيين والمعلقين والمحللين السياسيين ينفخ في نيران حرب أهلية ضد المسلمين آتية لامحالة في هذه البلاد ما لم يقدر الله بلطفه أمرًا آخر.

كبرياء البريطانيين يمنعهم دائمًا من الإتيان بتلك الأفعال التهريجية التي تقوم بها شعوب أخرى كلما ألمت بها نازلة، الحكومة البريطانية تمنع كاميرات أجهزة الإعلام من تصوير الآلام البريطانية والدموع البريطانية والقهر البريطاني، منعت تصوير الجثث والجراح والأيدي والأرجل المبعثرة في كل مكان. الهدف من ذلك بالدرجة الأولى حفظ ماء وجه الأمة البريطانية واحتفاظها بمكانتها المرموقة بين شعوب العالم. لكن إسبانيا في حينه لم تحسن التصرف في هذه القضية، فلقد بالغت وسائل الإعلام في الندب والعويل، شعب حلبات المصارعة والمشاعر المتوهجة دائمًا لم يستطع أن يضبط مشاعره كما فعل البريطانيون أثناء هذه التفجيرات.

كلتا الحكومتين الإسبانية والبريطانية حاولتا الكذب على شعوبهما وعلى العالم، الحكومة الإسبانية كذبت صراحًا وادعت أن الجهة التي تقف وراء تفجيرات قطارات مدريد هي منظمة «إيتا» وذلك كسبًا للوقت في معركتها الانتخابية، ويجب أن نسجل للتاريخ أن تفجيرات قطارات مدريد لم تسقط حكومة «أثنار» ولكن أسقطها كذبه على شعبه. 

«بلير» لم يكن أكثر صدقًا من «أثنار» وما زالت المعلومات- وعلى الرغم من مرور أيام على تفجيرات لندن- تعطى بالقطارة، أراد أن يربح المعركة مع الإرهاب أمام ناظري العالم في اجتماع الثمانية، وقد فعل. 

كلا الرجلين «أثنار» و«بلير» ادعيا أن هذه الهجمات الإرهابية إنما تستهدف الحضارة والقيم والحياة الغربية، وقد كذبا كلاهما كما كذب من قبل ذلك القابع في البيت الأبيض، لقد بلغ الأمر بهؤلاء القوم أن انتدب أثنار المطرود من حكم إسبانيا- وليس من الحياة السياسية ولا الاجتماعية فيها- إلى جامعة «جورج تاون» الأمريكية ليعمل محاضرًا فيها، مكافأة له على خدماته الجليلة في حق الإدارة الأمريكية حينما كان يحكم إسبانيا، وقد بلغ به الحال أن يقول في إحدى محاضراته: إن تفجيرات مدريد لا علاقة لها بحرب العراق ولا بما يجري في منطقة الشرق الأوسط، وأن هؤلاء الارهابيين كانوا قد خططوا لها لأنهم يريدون أن يستعيدوا ما يسمى بالأندلس.

الأندلس قطعة من تاريخنا الذي ضاع وانتهى بسبب حماقاتنا وتشرذمنا وتفرق كلمتنا في ذلك التاريخ كما هو الحال عليه الآن. 

هذه الأندلس لا تكاد تذكر في بقية أنحاء إسبانيا لا من قريب ولا من بعيد، إلا في بعض من كتب التاريخ والجغرافيا القديمة أو في الجامعات وحلقات العلم الخاصة   المغلقة على عدد يناهز أصابع اليد الواحدة من المشتغلين في التاريخ واللغة.

يجب أن نعرف أن الأبرياء في كل من مدريد ولندن وبغداد وتورا بورا وغزة يدفعون وحدهم ثمن كل الأعمال الإرهابية سواء جاءت من قبل دول عظمى إرهابية لا تتردد في إلقاء أمهات القنابل على رؤوس الأبرياء لتعاقب رجلًا واحدًا، أو جاءت من قبل جماعات تريد أن تنتقم من هذه الدول فلا تتردد في هذا القتل الجماعي مع فارق جوهري في حذق مهارات حروب القرن العشرين والواحد والعشرين. إن تلك الدول تحسن قتل مائة ألف بعيدًا عن أعين العالم وهي تدعي التحضر والمدنية والإنسانية، أما هؤلاء القوم فهم يقتلون عامدًا متعمدًا حفنة من الناس أمام سمع وبصر العالم مشيعين فيه الرعب.

الرابط المختصر :