العنوان نظرات في سورة البراءة محمد الغزالي
الكاتب الشيخ محمد الغزالى
تاريخ النشر الثلاثاء 09-نوفمبر-1971
مشاهدات 264
نشر في العدد 85
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 09-نوفمبر-1971
الاجتماعي في رمضان
نظرات في.. سورة براءة
للأستاذ محمد الغزالي
قدم فضيلة الشيخ محمد الغزالي لمحاضرته عن سورة «براءة» بأنها حلقة من منهج في التفسير طويل حبس نفسه عليه لاعتقاده بضرورة وجود لون آخر من التفسير ينبغي أن يكون مع التفسيرات الشائعة بيننا والتي استنفدت أغراضها، وقد أسماه «التفسير الموضوعي للقرآن» وغرضه فيه هو إلقاء نظرة على السورة من القرآن تستبينها من أولها إلى آخرها وتلتقط لها ما يشبه الصورة الشمسية للإنسان التي تعطي فكرة عن ملامحه الظاهرة.
وقد أوضح المحاضر بعد ذلك في كلامه عن سورة «براءة» أنها نزلت في السنة التاسعة للهجرة قبل موت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بسنة وجاء ثلثها الأول لتصفية الوثنية والشرك من الجزيرة العربية. وثلثاها الأخيران تعليق على الحرب التي نشبت بين المسلمين والرومان.
والسورة ترينا كيف أمكن للمسلمين أن يجهزوا على الشرك وما الأسلوب الذي اتخذ في محو الوثنية من الجزيرة العربية، والأسلوب الذي فضح فيه النفاق خلال الاشتباك بين المسلمين والروم، ثم فصل الكلام عن موقف الدعوة الإسلامية من الآخرين.
موقف الدعوة من الآخرين:
قال المحاضر بأنه لا يجوز لنا أن نصدر أحكامًا ومفهومات اعتمادًا على آية واحدة ننتزعها من سورة كما يفعل بعض الناس فنكون كمن ينتزع عضوًا من جسم ويريد أن يظهر حماله منفردًا عن هذا الجسم.
وقد أكد المؤلف أن الاعتماد على الإقناع الهادف والبرهان الواضح ينبغي
أن يعنو الفكر الإسلامي له ويتطامن عند نتائجه.
وقال: لا تقصر الآخرين على الإسلام بل اطلب منهم أن يكونوا أصحاب فكر مفتوح وعقل مدرك. فإن مهمة الداعية الإسلامي أن يعرض الحقائق، وتوفيقه أن يكون عرضه للحقيقة جيدًا. مهمته أن يعرض الإسلام نقيًا من أهواء الناس فمن نكل عنه فقد أخطأ فهل يقال للمخطئ بعد ذلك: «إما أن تعرف الصواب وإما أن أقطع عنقك» لا.. لا..
- فالدعوة الإسلامية دعوة تطمئن إلى قوة أدلتها ودقة براهينها وتطمئن إلى أن الفطرة الإسلامية تتجاوب معها وتلتقي على دربها مع تعاليم الإسلام إذا عرضت عرضًا سليمًا.
فعلى المسلم أن يعرض على الناس الإسلام فمن دخل فيه فهو أخ له ومن رفضه قال له: لیكن.. أنت حر.. كل ما أطلبه منك أن تدعني أدعو غيرك وألا تعترض طريقي إذا دعوت. وألا تصد الناس عني وتمنعهم عن المجيء إلي.. أنت كفرت بي فلك ذلك ولن أتعرض لك ولكن دعني والناس، ودع الناس لي ولا تحاول أن تتدخل بسلطانك لتمنعني أو تمنعهم. فإذا قال: ما لي بك صلة، ولا أصد الناس عنك ولا أمنعك.
مثل هذا لا يجوز أن نسيء إليه ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾
أما إذا قال: لا.. فقد كفرت بك وسأمنعك من الكلام وسأعترض الناس عندما يجيئون إليك هنا أقول له: أنت خصمي وأنا مضطر أن أعاملك بإحدى ثلاث: «الإسلام أو الجزية أو الحرب».. فهذه تأتي إذن في المرحلة الثانية لا في المرحلة الأولى.
وأضاف المحاضر: إن قومي ما أدوا أمانة الله التي القاها إليهم، ولا أحسنوا فهم وظيفة الرسالة التي شرفوا بها.. بل إن هم بعض الناس أن يفتعلوا المعارك حول الشكليات ويشغلوا المسلمين بها، وهو عمل حقير، وتنفيس عن خداع نفسي كبير يكمن في بعض الأفئدة التي تفر من ميدان الحق لتجد لها مهربًا في ميدان العناوين والصور.
فالأمة الإسلامية ما أحسنت لكتابها ولا لنبيها وكان عليها لو أرادت ذلك أن تقوم بثلاثة أمور متماسكة.
أولها: التعصب للغة العربية، والاستماتة في تعليمها، فالعرب لم يفلحوا إلى الآن في وضع خطة لتعليم العربية للعرب فضلًا عن أن يضعوا خطة لتعليم غيرهم. فاليهود أحيوا لغة ميتة، أما العرب فهناك جهد دؤوب لإماتة لغة حية ولا أدري أقومي نيام أم غافلون.
ثانيها: إن الإسلام دين عالمي وليس دينًا محليًا للعرب فهم قنطرة تعبر عليها تعاليم السماء إلى سائر الناس. وكان يجب على المسلمين أن يقدموا رجلهم الأول وصانع تاريخهم محمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- في اللغات العالمية في دراسات سريعة تعطي فكرة الإسلام عن أي قضية إنسانية تشغل العالم.
لو فعلوا ذلك لحموا دينهم وتعاليم نبيهم من الافتراء المنظم الذي تدبره مؤسسات صهيونية قدمت الإسلام للناس مزريًا وفي ثوب مهلهل.
ثالثها: إن حملة الدعوة ينبغي أن تكون صورة إن لم تكن وسيمة للرسالة التي يحملون فعلى الأقل لا تكون منفرة؛ لأن الحالة العملية في أمة ما منطق يستمع إليه.
مع شرح صدر السورة
يرى فضيلة الشيخ المحاضر أن سورة براءة تتحدث عن قوم مخصوصين، وأن الحرب المعلنة فيها إنما أعلنت على قوم بينت صفاتهم فيها. فالبراءة التي أعلنت إنما هي من قوم كانوا يعبثون بالمعاهدات ويتلاعبون بالعهود، وأما الذين لم يعبثوا بعهودهم، ولم يحاولوا الخلاص من اتفاقاتهم مع المسلمين، فهؤلاء ليسوا داخلين في البراءة، وموقفنا منهم أن نسمعهم كلام الله ونبلغهم مأمنهم، فإن هم استجابوا فيها، وإلا فهم أحرار.
فالإسلام لم يعلن الحرب على الوثنية في الجزيرة لأنه يريد أن تخلو الأرض من دين مسالم معقول، لا، لو أنها أعطت المسلمين حق الحياة كما أعطوها ما كان بينهم وبينها كذلك.
ولكن الوثنيين أبوا إلا قتال المسلمين في الوقت الذي أعطاهم المسلمون حق الحياة بجوارهم.
إن دعوة الإسلام لا تعتمد على الإرهاب والتخويف ولكنها تعتمد على الفكر الحر والإقناع الهادف، وإن السيف لا يلجأ إليه إلا عندما نرى إنسانًا أسكرته خمرة القوة فهو يعربد بها هنا وهناك والأمر يحتاج إلى تقويم عوجه، حينئذ ينتضي الإسلام السيف لتقويم هذا العوج وإلانة هذا الكبر فيكون في السيف رحمة للناس.
فالذين تحدثت عنهم صدر سورة براءة
والذين أمر الله انتضاء السيف في وجوههم هم مشركو الجزيرة الذين ناصبوا الإسلام العداء ووقفوا في وجهه.
وفي بقية السورة والتي تعالج الموقف من دولة الرومان: قال المحاضر:
إن النصرانية إذا سالمت المسلمين فالمسلمون يسالمونها كما حدث بالنسبة لنصاري الحبشة الذين سالمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بالنسبة لدولة الروم فقد كان لها إحساس الدولة المستعمرة، إذ قتلوا الدعاة المسلمين في شمال الجزيرة، فلم يكن بد من أن يعلن الإسلام الحرب عليهم حربًا طويلة الأمد، فهم يمثلون العدو الذي بقي وسيبقى إلى قيام الساعة حجر العثرة أمام الإسلام وقوته، وستبقى الصليبية العالمية وريثة الرومان المتعاونة مع الصهيونية العدو الأول للإسلام.
إذ أن واقع الحال بالنسبة لهؤلاء الرومان ينطبق عليه قول من قال: «إن الرومان لم ينتصروا ولكن النصارى تروموا».
ثم انتقل المحاضر ليتحدث عن إعلان هذه الحرب على الرومان واستنفار الناس لها ولومهم على بطئهم وما كان للرومان من عملاء يبثونهم للتآمر على المسلمين وإثارة الفتن في وجههم وحين وصل إلى دور المنافقين وموقف السورة... أنهى محاضرته ليرد على أسئلة المستمعين.