; نظرات في فقه الأولويات | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في فقه الأولويات

الكاتب خالد بن محمد العرفج

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998

مشاهدات 81

نشر في العدد 1300

نشر في الصفحة 59

الثلاثاء 19-مايو-1998

عن أبي هريرة – رضي عنه قال: مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب فيه عيينة «عين صغيرة» من ماء عذبة فأعجبته فقال لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب «أي للعبادة» فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة. اغزوا في سبيل الله من قاتل في سبيل الله فواق ناقة، وجبت له الجنة» رواه الترمذي والفواق هو ما بين الحلبتين.. انطوى هذا الموقف على أصل أصيل ومقصد عظيم من مقاصد الإسلام أراد النبي ﷺ أن يعلمه ذلك الصحابي وأن يعلمه أمته من بعده، لقد علمه كيف يوازن بين أولويات الحياة وكيف يفرق بين الفاضل والمفضول... كيف تكون عنده المقاييس الصحيحة والمعايير الحقيقية التي يمكنه أن يحكم من خلالها على أهمية عمل شيء ما في وقت محدد وبجهد معلوم.

 لا شك في أن العبادة هدف عظيم لا غبار عليه جاءت به الشريعة إذ يقول الله عز وجل في سورة الذاريات ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

ولكن حينما تكون الأمة ككل مهددة في وجودها محرومة من حقوقها، تتغير الأولويات حينئذ ويبرز الجهاد كحل يقي الأمة من هذه الشرور ويرجع لها حقوقها المسلوبة.

إن اعتزال الساحة في ظروف وأجواء كالتي نعيشها الآن لا يمكن أن يفسر بأنه اتقاء للفتنة ونأي بالنفس عن موطن الشر.. ذلك أن الوضع لا يسمح بالتأخر والتباطؤ والانشغال بالمقدمات . فمتى ما أدرك المسلم وجوب العمل تحتم عليه أن يسعى للتنفيذ الفوري الذي يضمن به أن يكون جهده في محله.

 مفهوم آخر كذلك تغير في واقعنا بينما كان واضحًا جليًا في عهد القرون المفضلة يرجع أحدهم من غزوة غزاها، فيقول رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس.. حينما كان مفهوم الجهاد شاملًا يعم كل نواحي الحياة ويحيط بكل ما تحتاجه الأمة فيترتب على ذلك كل ذلك الأجر العظيم الذي وردت به الأحاديث الشريفة تحجم ذلك المفهوم في عصرنا وصار لا يطلق إلا على منافذ ضيقة وحدود أضيق والحق أن يطلق الجهاد على كل ما يصلح الأمة وينفعها.. فهناك الجهاد الاجتماعي، وهناك الجهاد الفكري والثقافي والإعلامي والسياسي.. إلخ، قال النبي ﷺ «الساعي على .. الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» متفق عليه. في هذا الحديث إشارة عظيمة لذلك المعنى الذي يقدر كل جهد يبذل في الإصلاح وكل إضافة تكتب في رصيد الدعوة ونصر الأمة ..

الرابط المختصر :