; نظرات في فقه الحركة الإسلامية (الحلقة الثالثة) | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في فقه الحركة الإسلامية (الحلقة الثالثة)

الكاتب عبد الكريم مطيع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1977

مشاهدات 77

نشر في العدد 341

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 15-مارس-1977

تعيش البشرية في هذا العصر تغيرات سريعة ومتوالية ومضطربة في أوضاعها النفسية والاجتماعية، الاقتصادية والسياسية. كما أن الشعوب الإسلامية بدورها- وهي جزء في هذه البشرية- تعاني من اضطراب أشد، وتناقض أخطر يكاد يعصف بمقوماتها الإنسانية في كافة الميادين:

• میدان الاجتماع، حيث التناقض بين تخلف موروث نتج بانحراف عن منهج العقيدة السمحة التي أسيء فهمها، وبين تشبث أبله بنظم ومناهج غربية تعرض بكافة الوسائل التلقينية المتوافرة «التمدرس، الكلمة المرئية والمسموعة، السياحة.. إلخ». 

• وميدان الاقتصاد حيث التناقض الأشد بين التوجيهين اللبرالي والاشتراكي لسياسات حكومات المسلمين، وبين واقع الظلم بكل ضروبه، والمسغبة بكل أبعادها، والاستغلال بسائر تبريراته، سواء منها الاشتراكية المبررة بمصلحة الجماعة، أو الرأسمالية المحتجة بمصلحة الفرد، أو الانتهازية التي تلوي عنق الأحكام الإسلامية كي توافق هوى النفوس ومصالحها،

• وميدان الحكم، حيث التناقض بين الحاجة إلى الحفاظ على الانضباط والسلطة، وضرورة تبرير الوسائل المعتمدة لهذه الغاية وإسباغ صفة المشروعية عليها، وبين واقع الإنسان المحكوم والمظلوم الذي يتوق إلى العدل، وما جعل الله العدل إلا وفقًا لسنن وقوانين وتشريعات يعرض عنها وهو أشد حاجة إليها. 

هذه التناقضات بكل أبعادها وضروبها، وهذه الأوضاع المضطربة الحافلة بالتغييرات والتقلبات، تذكيها نار الصراع على السلطة بين مختلف الفرقاء يمينهم الرأسمالي، ويساريهم الاشتراكي، وانتهازيهم المصلحي. 

وما الصراع على السلطة في العالم الإسلامي إلا تعبير مكثف عن الصراع السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والفكري. وبالتالي فهو تعبير عن الصراع العقائدي الذي يوجه مختلف التيارات ويمنحها قسماتها الرئيسية، وتبريراتها الأيديولوجية.

والذين يحاولون الخلط بين طبيعة النظم القائمة بشكلياتها وادعاءاتها الاشتراكية أو الرأسمالية أو غيرهما، وبين طبيعة الدعوة الإسلامية في تميز منطلقها وأساليبها ووضوح أهدافها وغاياتها، إنما يفعلون ذلك عن غفلة منهم وقصور نظر، أو لتبرير خطهم الانهزامي ومنهجيتهم القاصرة في التفكير والتحليل والتخطيط، وميلهم إلى الحلول السهلة المبتسرة المعتمدة على دراسة كل قضية على حدة، في إيجابياتها وسلبياتها، وبمعزل عن طبيعة الخصم وظروف المواجهة، وبمنأى عن سياق الأحداث ومكانها من التطورات السياسية والعقائدية التي تواجهها الدعوة الإسلامية.

على ضوء هذه الظروف، يبدو أننا- کإسلاميين- مطالبون بتطوير أساليبنا وطرائق عملنا بما يكافئ هذه الأوضاع، ويعالج هذه الانحرافات على كل المستويات، الروحية منها والفكرية.. وفي كل التجمعات البشرية السياسية منها والطلابية والعمالية والفلاحية، بحيث نوفر لهذه الفئات مناهج تلبي حاجياتها إلى الإيمان والعلم والعمل، وافتقارها إلى الحوافز الجهادية التي تصدر بها في كل حركاتها وأعمالها من منطلق أصيل، يكشف زيف الواقع الإنساني الحالي، وديماغوجية الحلول البشرية المقترحة، ويقدم البدائل الإسلامية المدروسة الكفيلة بإنقاذ البشرية وإسعادها في الدارين.

إن غياب قيادات الدعوة الإسلامية عن مجال الصراع العقائدي الحالي، لم يكن اختيارًا منهم ولا إهمالًا، وإنما هو نتيجة منطقية لظروف القمع والإرهاب والمطاردة التي خيمت على المسلمين طيلة عقود من السنين. وقد تراكمت بهذا الغياب صعوبات كثيرة وعراقيل جمة في وجه الدعوة الإسلامية:- فمن جهة، تخلفت الدعوة الإسلامية في كثير من الأقطار عن قيادة الشعوب المسلمة في معاركها ضد الانحراف العقائدي، والظلم الاجتماعي، والاستعمار الاستيطاني وما تبني الشيوعية لشعارات الإصلاح الاجتماعي، والاقتصادي، ومقاومة الانحراف الخلقي- الذي تعتبره من سمات النظام الرأسمالي- إلا تعبيرًا عن غياب الدعوة الإسلامية عن ريادة المسلمين وقيادتهم.

 ومن جهة أخرى، ابتعدت الدعوة الإسلامية- في كثير من الأقطار- عن مجالها البشري الطبيعي بين الشباب ببروز أجيال جديدة في مختلف أوجه النشاط الاجتماعي، مما يفسح المجال للتمزق والانقسام بتباين الاجتهادات الشخصية الناشئة عن اختلاف المذاهب أو مستويات التعليم أو افتقاد المنهج التربوي الموحد، أو نتيجة طبيعية للتخطيط المضاد الذي لم يواجه بمنهج عمل أمضى، وصف متراص أقوى..

هذه الأوضاع أتاحت لأعداء الإسلام- في كثير من المناطق- أن ينفذوا إلى صميم أجهزة التوجيه في الأمة، سواء منها التربوية، أو السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية. وعلى صعيد جميع السلطات، التشريعية منها والتنفيذية والقضائية.. بل وحتى في مجال سلطة الرقابة الشعبية المتمثلة في منظمات المعارضة.

وبذلك وضعت الشعوب الإسلامية- وضمنها دعوة الإسلام- بين فكي كماشة- أجهزة متنفذة تخطط لهدم الإسلام واستعباد شعوبه، ومؤسسات معارضة لها نفس الهدف، ولكنها تنحو لذلك مناحي أخرى.. وإذا ما حاولت أي جماعة إسلامية أن تتحرك ووجهت من الطرفين، وكل منهما يعتبرها عدوه الأول.

هذا الوضع، وما له من مقدمات وأسباب، وما ينشأ عنه من نتائج هو حال جميع الشعوب الإسلامية، ولكن الشعور به يختلف من نظام إلى نظام.

ولئن كان مستوى الوعي به لا يكاد يتبين في بعض المناطق فإنما ذلك في النظم التي يكتفي فيها بالوسائل السلطانية لمقاومة العقائد المعادية للإسلام.. لا لأنها معادية له، وإنما لأنها تهدد أوضاعًا قائمة. وهذه حال بعض الدول التي تحارب الشيوعية، ولكنها تفتح أحضانها لحركات التغريب ومؤسسات الخلاعة والرقيق الأبيض والتبعية الشاملة للمعسكر الرأسمالي. 

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. 

إن الظلم والشقاء الحاليين اللذين تعاني منهما البشرية بما كسبت وتكسب أيديها، جعلاها في أشد الحاجة إلى الهداية، وعلى أتم الاستعداد لتقديم كل التضحيات من أجل الحصول على السعادة والاطمئنان.

وإذا كانت هناك أرواح تزهق، وأنفس تقتل في سبيل مختلف المذاهب المنحرفة الاشتراكية منها والرأسمالية، الصهيونية والوثنية.. فإنما ذلك لأنها لم تعرف غير هذه المذاهب- في كثير من الأحيان- ونحن لا نستطيع أن نتهم أحدًا بعدم الإخلاص لمذهب مات من أجله. 

والعكس هو الصحيح.. أنهم ظنوا أن ما يموتون من أجله هو الحق، وإن السعادة فيما يدافعون عنه ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. لذلك كان واجبًا على الحركات الإسلامية أن تضاعف الجهود من أجل تقديم مبادئ الإسلام الكفيلة بإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة، سواء عاشت بها أو ماتت في سبيلها.

لكن تقديم الإسلام معزولًا عن نظمه ومناهجه وكفاحاته وجهاده، في مختلف أوجه النشاط البشري غير كاف لإقامة أمره وسلطانه. ولئن أجدى هذا الأسلوب في مرحلة من مراحل الدعوة فإنه لن يصل بنا إلى المبتغى.. لا سيما والمعركة بین الإسلام وخصومه لن تحسم إلا بمواجهة الحجة بالحجة، والمنهاج بالمنهاج، والشمولية بالشمولية، في كل مجالات الحياة المدرسة والجامعة، والمعمل والمنجم والحقل والمتجر وعلى صعيد السياسة والاقتصاد والاجتماع والفن والأدب والتصورات.

وهذه المجالات لا يكفي لتغطيتها التنديد بانحراف واقعها الحالي والتشهير بمخاطر هيمنة أعداء الإسلام عليها، كما لا يجدي اقتصار الدعاة على الدراسة واستظهار النظريات فالربط بين العلم والعمل شرط أساسي في منهج العمل الإسلامي.

لذلك كان لزامًا علينا أن نعد- لهذه الغاية- الدعاة الصادقين المخلصين، إعدادًا تربويًا وفكريًا وسياسيًا متكاملًا ونقحمهم في ميدان الصراع العقائدي، في المصنع والمعمل والحقل والمنجم والمدرسة والشارع ونتابع نشاطاتهم في الدعوة، ومواجهاتهم الفكرية والسلوكية لخصوم الإسلام، متخذين من اتصالاتهم اليومية في هذه المؤسسات مصدرًا لرفع مستوى فعاليتهم، ومجالًا لمناقشة عملهم الإسلامي واستيعابه في ضوء الحياة العملية، والواقع المهني بمشاكله وتعقيداته ومظالمه. ومنطلقًا لتنفيذ مبادرات الحركة الإسلامية في مواجهة مختلف التنظيمات الهدامة. وبهذا تشكل كل جماعة للدعاة عنصرًا رائدًا يساهم في تغيير العلاقات داخل المؤسسة وفق منهاج الإسلام، وأداة لجميع ضروب النشاط وفي كل الظروف والحالات.

وقد يعترض على هذا بكون طبيعة عمل الدعاة في المؤسسات لا تسمح لهم بالاتصال الوثيق الذي يركز تربيتهم ويقوم سلوكهم، ولكن هذا النقص.. يتلافى إذا ما توفر للدعوة برامج تستوعب أوقات فراغ الدعاة وأنصارهم في الأحياء، وما نشاط مسجد الحي، وضرورة تزاور الدعاة المتجاورين، وتعاونهم لرفع المظالم عن سكان الحي وتوعيتهم وتجنيدهم في مجالات النفع العام إلا وسائط لتعميق تربيتهم وتوثيق أواصر المحبة بينهم، وتعريفهم بمناهج الإسلام وأسلوب عملها في النفوس والمجتمعات.

والحركة الإسلامية الواعية هي التي تستطيع أن تستوعب أعضاءها استيعابًا كاملًا وتجندهم في سبيل الإسلام داخل مؤسسات عملهم، وفي أحياء سكنهم، وفي بيوتهم بين أزواجهم وبنيهم. وأعتقد أنه ليس من المجدي في شيء أن يكتفي من الداعية بساعات من ليلة أو نهار من أسبوع، فما قامت دعوة قط بالفاضل من أوقات أبنائها، والفاضل من أموالهم، والفاضل من اهتماماتهم، والفاضل من عواطفهم.

الرابط المختصر :