; نظرة أخرى للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد كوسوفا (١ من ٢) | مجلة المجتمع

العنوان نظرة أخرى للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد كوسوفا (١ من ٢)

الكاتب جون اسبوزيتو

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-2000

مشاهدات 46

نشر في العدد 1387

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 08-فبراير-2000

نظرة أخرى للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بعد كوسوفا (١ من ٢)

في أعقاب أحداث كوسوفا أصبح الوقت مناسبًا لإعادة تقييم السياسة الأمريكية حول الإسلام وذلك بإعادة النظر في الافتراضات الأساسية القائمة عليها وتقييم مدى صحتها وصلاحيتها

الحكام المستبدون تلاعبوا بواشنطن عبر التلويح بورقة الخطر الإسلامي لتبرير بقائهم وانتهاكاتهم 

وقعت السياسة الأمريكية في مصيدة الدائرة المفرغة حيث تؤيد الحكام المستبدين لاحتواء الظاهرة الإسلامية لكن استمرار هؤلاء في سياساتهم يؤدي إلى وجود الظاهرة الإسلامية كتحد دائم

 في إندونيسيا تعرض حبيبي إلى ضغوط وتهديدات عندما حاول أسلمة نظام سوهارتو بالجمع بين القومية والإصلاح الإسلامي الأمر الذي أدى إلى إثارة قلق الأقلية النصرانية وخوفها على مصالحها ومصالح حماتها الغربيين

والي نصر

مثل الإسلام طيلة العقدين الأخيرين الاهتمام الأكثر إلحاحًا للولايات المتحدة، وليس هناك موضوع آخر شغل صناع السياسة الخارجية الأمريكية أكثر منه، أو أثار ردود فعل على المستوى نفسه من الاهتمام خلال هذه الحقبة، إن رد الفعل هذا يظهر إلى أي مدى تبدو أهمية المواقف المتخذة والتي تظهر مدى التمايز الحضاري فيما أصبح يعكس السياسة غير الرسمية المتبناة لإيقاف «الخطر الإسلامي» 

وعلى كل حال، فإن المواقف المعلنة في واشنطن تظهر مرونة أكبر وعلى الخصوص لتأكيد أن الولايات المتحدة لا تتخذ مواقف معادية للإسلام، وإنما هناك قلق من الحركات الإسلامية أو من «الإسلام السياسي»، وقد رسخ إدوارد جورجيان - مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا في عهد الرئيس بوش - هذه السياسة لأول مرة عام ۱۹۹۲م، وأعاد خليفته في المنصب روبرت باليترو تأكيد هذه السياسة وطورها خلال إدارة الرئيس كلينتون.

 كان جورجيان قد أكد أن الولايات المتحدة لا تعتبر الإسلام أو الحركات الإسلامية عدوًا لها، وأنها تعترف بحق هذه الحركات في المشاركة في الحياة السياسية على ألا تستغل الانتخابات الديمقراطية للوصول إلى الحكم والسيطرة عليه، أي أن تصل الحكم عبر الإجراءات التي تتيحها الديمقراطية، ثم تطيح بها بعد ذلك إلى الأبد. 

وقد لاحظ روبرت باليترو أن «صورة الإسلام في مخيلة المواطن العادي والقارئ لوسائل الإعلام عادة ما تكون صورة نمطية للحركات الإسلامية باعتبارها معادية للغرب وجاهزة لاستعمال وسائل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافها» وعلى خلاف ذلك فقد لاحظ «أن هناك مجموعات إسلامية مشروعة ومسؤولة اجتماعيًا تسعى لتحقيق أهداف سياسية، ولكن هناك أيضًا إسلاميون يعملون خارج دائرة القانون، هؤلاء الذين يعتنقون العنف التحقيق أهدافهم يطلق عليهم حقًا اسم المتطرفين والمتطرفون في الشرق الأوسط أو في أي مكان يمكن بالطبع أن يكونوا علمانيين أو دينيين» 

ويعترف باليترو أن بعض الجماعات في الشرق الأوسط تشارك في العملية السياسية في نطاق النظام السياسي القائم، كما أن هناك مجموعة تلجأ للعنف ضد حكوماتها ومواطنيها. 

إن هذه التصريحات المعبرة عن الاتجاه الرسمي للسياسة الخارجية الأمريكية تظهر أن الخطوط العامة لهذه السياسة في حالة تغير مستمر، حيث أصبح هناك قدر من التمييز بين الإسلام والحركية الإسلامية أو ظاهرة الإسلام السياسي، وبين المعتدلين والراديكاليين. 

وعلى كل حال، فإن السياسة الأمريكية الفعلية التي تتجلى في ردود الفعل التي تتخذها نحو الأزمات والقضايا الجارية، نادرًا ما تظهر هذا التمايز أو التمييز الذي يعلنه المسؤولون الرسميون.

فمثلًا منذ عام ١٩٩٢م، لم تحدد الولايات المتحدة أي مجموعة إسلامية معتدلة تستحق المشاركة في العملية السياسية، ولم تدافع عن حق أحزاب معتدلة، مثل الإخوان المسلمون بالمشاركة في العملية السياسية في مصر ودخول الانتخابات. 

ولم توافق الولايات المتحدة على منح تأشيرة دخول للقائد الإسلامي التونسي راشد الغنوشي الذي يقدم رؤية واضحة حول الإسلام والديمقراطية على نحو يتطابق مع المعايير التي قدمها كل من جورجيان وباليترو، والذي قال عنه باليترو نفسه إنه إسلامي مقبول.

وفي أعقاب أحداث كوسوفا، أصبح الوقت مناسبًا لإعادة تقييم السياسة الأمريكية حول الإسلام، وذلك بإعادة النظر في الافتراضات الأساسية القائمة عليها وتقييم مدى صحتها وصلاحيتها، والعمل على فتح منافذ وتوجهات جديدة.

إن كوسوفا تمثل تحولات مهمة في السياسات الداخلية والخارجية للمجتمعات الإسلامية، وعلى السياسيين التجاوب مع هذه التحديات وتلك التحولات بما لها من مكانة في السياسة الأمريكية وعلى نحو يلائم حقيقة الإسلام السياسي وحركيته سواء على المستوى الداخلي، أو الإقليمي أو العالمي.

وحيث إن الأهمية السياسية للإسلام في صعود دائم على المستوى الداخلي والإقليمي والعالمي من مينديناو في الفلبين بأقصى الشرق إلى مراكش في أقصى الغرب ومن السودان جنوبًا إلى سيموداريا شمالًا، إضافة إلى انتشار المسلمين الذين يعيشون في شتى بقاع الأرض، حيث تتقاطع مصالحهم مع المصالح الغربية والأمريكية، كل ذلك يعني أن إعادة النظر في السياسة الخارجية الأمريكية حول الإسلام باتت أمرًا مطلوبًا بإلحاح. وعلى الرغم من خصوصية هذه التطورات وكثافتها. فإنه يبدو من الغرابة ومن غير المألوف أن يكون للولايات المتحدة موقف سياسي نحو دين أو مجموعة دينية معينة.

ظل إيران الممتد

منذ بداية الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م، ظلت الراديكالية الإسلامية هي الشغل الشاغل للسياسة الخارجية الأمريكية ومصدر قلق لها، وقد تكرست هذه الحالة بفضل سلسلة طويلة من الأيديولوجيات والدعاوى الموجهة ضد المصالح الغربية، كما كرسها أيضًا عدد من الزعماء والناشطين من أمثال ايضاء آية الله خوميني، وحزب الله، والمنادين بالجهاد الإسلامي.

وقد جاء الرد على هذا النشاط الإسلامي في الدوائر الغربية متمثلًا فيما سماه صامويل هانتنجتون «صدام الحضارات»، وهي أطروحة تدعي أن هناك أبعادًا دامية للإسلام. 

لقد وجدت أطروحة هانتنجتون صدى لها في السياسة الخارجية الأمريكية، وهو موقف طرحه علي المزروعي في أسلمة السياسة الخارجية الأمريكية، مؤكدًا على أن فرضية  -الغرب - ضد الآخرين، كموقف تجاه الإسلام والإسلاميين الظاهرة الإسلامية تشبه إلى حد بعيد التقسيم القديم للعالم من قبل المسلمين إلى «دار الإسلام» ودار «الحرب».

إن هذا المنحى وصل إلى قمته في المرحلة الأولى من إدارة الرئيس «ريجان» كرد فعل الموجات العنف ضد الولايات المتحدة وبصورة خاصة حادثة تفجير مقر رجال البحرية الأمريكية في لبنان التي أفرزت اتجاه «نحن» و«هم»، وأصبح العدو الجديد الأصولية الإسلامية - إلى جانب الإمبراطورية الشريرة - نموذجًا وهدفًا، لسياسة الحرب الباردة. فنائب الرئيس دانيال كويل ساوى بين الأصولية الإسلامية والنازية والشيوعية وتهديداتها للولايات المتحدة، هذا إلى جانب عدد كبير من الصحافيين والمحليين السياسيين الذين أكدوا هذا الموقف خلال إدارة الرئيس بوش. ولم تثمر هذه النظرة المزدوجة مع وضوحها نتائج مرضية، فالإدراك الأمريكي كان مبنيًا على دعاوى الإسلاميين الراديكاليين الذين يدعون أنهم يتحدثون باسم الإسلام ويفترضون بذلك أن هناك موقفًا إسلاميًا موحدًا من الغرب لدى الإسلاميين، وقد أيدت الولايات المتحدة تقبلها - دون تمحيص - لهذه المواقف باعتبارها تمثل الموقف الإسلامي.

وظهر ذلك جليًا بصورة خاصة في أثناء فترة  آية الله الخميني في إيران إذ كرسه الغرب المتحدث الوحيد باسم الإسلام، ويرى ذلك واضحًا فيما عكسه عنوان «نيويورك تايمز» في أثناء قضية سلمان رشدي، والذي تحدث عن «الإسلام بقيادة الخميني» وقد أدت النظرة إلى الإسلام من منظور إيران - الخميني إلى اختزال كل التعابير الأخرى عن الإسلام في التهديد بالطابع الأصولي الإيراني.

بينما في البلاد الإسلامية السنية كمصر والجزائر، تم تصنيف الحركات الإسلامية على أنها تسعى إلى ثورات وحكومات كتلك التي جاءت بها الثورة الإيرانية، ففي الجزائر تعالت أصوات تحذر من أن يكون عباسي مدني خميني آخر، وأن حسن الترابي في السودان هو آية الله إفريقيا، وهكذا وبدون قصد ساهم السياسيون وأصحاب القرار ووسائل الإعلام في الغرب في تأصيل مفهوم الإسلام الراديكالي الموحد، وبذلك دعم الغرب دعاوى الإسلاميين الراديكاليين - وهم قلة بطبيعة الحال - يتحدثون باسم أغلبية المسلمين.

ولم يكن الإسلاميون الراديكاليون هم وحدهم المستفيدون من النظرة الأمريكية المستجدة للراديكالية، فالحكام المستبدون على طول العالم الإسلامي وعرضه احتضنوا فكرة أن التهديد الإسلامي، حقيقة كان أم خيالًا، سوف يترجم إلى دعم ومساعدات أمريكية وخفض في الضغوط الغربية المطالبة بالديمقراطية، ومرونة كبيرة في تقبل التجاوزات التي ينتهكون بها حقوق الإنسان.

 وبما أن الحكام المستبدين في البلاد الإسلامية حصلوا على مساعدات من الولايات المتحدة مستغلين شبح الخطر الشيوعي في حقبة السبعينيات، فقد علمتهم هذه التجربة كيف يمكنهم التلاعب بواشنطن فمن الجزائر إلى مصر وتركيا والضفة الغربية وغزة، وأوزبكستان أيقنت الدعاوى بأن التهديد الإسلامي وشيك، وذلك يبرر انتهاك حقوق الإنسان، وتعليق الحريات المدنية. وإضفاء قدر من المشروعية على استبداد الحكام وفي أغلب الأحوال، كما في انتخابات تونس ومصر فإن القوى الديمقراطية - وليس الإسلاميون فقط - قد استهدفتهم الأنظمة المستبدة.

وفي الجزائر سارعت الولايات المتحدة وفرنسا لتأييد النظام العسكري المستبد، وقد جر رد الفعل الآني تجاه الخطر الإسلامي مصائب للجزائر، ربما أصبحت معها تنمية البلاد واستقرارها مفقودة الجيل بكامله.

هذا في الوقت الذي توصل فيه بعض القيادات الإسلامية، مثل الملك حسين ملك الأردن والملك الحسن الثاني ملك المغرب إلى أن كلفة الرفض مرتفعة جدًا، وأن التجربة الجزائرية أثبتت أن حصاد الإقصاء التام للإسلاميين قد بلغ قمة مرارته، وحتى الرئيس بوتفليقة في الجزائر توصل إلى النتائج نفسها على ما يبدو حيث سمح بدرجة من المساهمة للقوى الإسلامية في العملية السياسية ومع ذلك فإن شبح التجربة الجزائرية لأ يزال يلوح في الأفق.

ويبدو كذلك أن تركيا تسير بإصرار في النهج نفسه، ولكن بخطوات محسوبة، ومن السخرية أن تكون الجزائر قد شهدت هجمة الإسلاميين المتصلبة ضد الدولة العلمانية، وأن هذه الهجمة لم تحقق أهدافهم، وكما قال راشد الغنوشي، «فإن النتائج التي توصل إليها الإسلاميون الجزائريون بأن الدولة العلمانية كما في إيران، سوف تسقط أمام تصميم الإسلاميين، كان خطأ كبيرًا»

وهكذا كان الحال في عدد كبير من البلاد مثل تركيا والأردن ومصر والمغرب والكويت، وحتى الجزائر، حيث إن الإسلاميين في هذه البلدان راغبون في المشاركة في النظام القائم، على الرغم من أن مشاركتهم لا تخلو من المخاطرة والجدال وتتطلب تفهمًا عميقًا لنظرة الغرب للظاهرة الإسلامية، فهذه المشاركة تجعل من الحركة الإسلامية ظاهرة أكثر تعقيدًا، يتقرر مصيرها في ساحات داخلية متنوعة، وبينما توجد حركات إسلامية من المتوقع لها أن تخل بالعملية السياسية هناك حركات إسلامية أخرى قد تحذو حذو الأحزاب الشيوعية الأوروبية في احترامها للنظم القائمة والقواعد العمل الديمقراطي بشرط أن تشهد البلدان الإسلامية تطورات تزيل العقبات الاجتماعية والسياسية، وتقود إلى تقوية المؤسسات التي تدعم التعددية السياسية، كما هو الحال في أوروبا. 

ولا يعتبر قبول الظاهرة الإسلامية كجزء من العملية السياسية تحديًا إلا حيث تكون المؤسسات السياسية من الضعف، بحيث تعجز عن مواجهة التحديات غير المشروعة التي تواجه سلطة الدولة وأمنها، ومع ذلك فإن ضعف مثل هذه المؤسسات مرده سوء استعمال السلطة من قبل الأنظمة المستبدة، والتي تحصل في الغالب على الدعم من واشنطن. ومن هنا، فإن السياسة الأمريكية تقع في مصيدة «الدائرة المفرغة» حيث تؤيد الحكام المستبدين لاحتواء الظاهرة الإسلامية، ويعمل الحكام المستبدون بدورهم لضمان استمرار الضعف المؤسس لسياساتهم من المنظور الإسلامي مما يؤدي إلى وجود الظاهرة الإسلامية كتحد دائم. 

إن المشكلة التي تواجه المجتمعات الإسلامية ليست الظاهرة الإسلامية، ولكنها الاستبداد، والحل الذي يجب أن تسعى إليه واشنطن ليس هو استمرار الاستبداد، ولكن العمل على بناء المؤسسات وترسيخ المجتمع المدني وهو الطريق نفسه الذي سلكته الولايات المتحدة في أوروبا والذي قاد إلى قبول الأحزاب الشيوعية الأوروبية في العملية السياسية.

لقد تأثرت سياسة الولايات المتحدة نحو الإسلام إلى حد كبير بالخطاب الإسلامي «المتطرف» لا بأصوات الاتجاه السائد، كما أن هذه السياسة تأثرت أكثر مما ينبغي بالمصالح الخاصة للمستبدين في الحكم بدلًا من أن تتجه أولًا وقبل كل شيء إلى دعم تلك العوامل التي تؤدي إلى الاستقرار إن ذلك سوف يؤدي إلى حماية أفضل للمصالح الأمريكية في الأجل الطويل ومصالح حلفائها الإقليميين وبصورة خاصة إسرائيل. 

إعادة النظر في سياسة الولايات المتحدة

لإعادة النظر في السياسة الأمريكية، فإنه يتوجب ألا تقتصر على منطقة الشرق الأوسط التي استحوذت على اهتمامات واشنطن وتركيزها على الإسلام، والظاهرة الإسلامية، ومن المفيد بهذا الصدد النظر إلى إندونيسيا وتجربة يوسف حبيبي وإلى ماليزيا وحالة أنور إبراهيم وفي جنوب شرق آسيا، وكذلك الحرب الأفغانية، فقد تمتعت الولايات المتحدة بعلاقات وثيقة مع قيادات الدول الإسلامية الأكثر ارتباطًا بالظاهرة الإسلامية، وقد وضعت هذه العلاقات على محك الاختبار عندما تولى حبيبي رئاسة إندونيسيا، وعندما راح أنور إبراهيم ضحية استبداد محاضير محمد، إذ تعرض حبيبي إلى ضغوط وتهديدات عندما حاول أسلمة نظام سوهارتو بالجمع بين القومية والإصلاح الإسلامي الأمر الذي أدى إلى إثارة قلق الأقلية النصرانية وخوفها على مصالحها ومصالح حماتها الغربيين. 

ومهما كانت هفوات يوسف حبيبي، فإنه يذكر له أنه أشرف على الانتخابات العامة، والاستفتاء في تيمور الشرقية، ولا يمكن الحديث عن مستقبل الديمقراطية في إندونيسيا بدون الحضور الإسلامي بشكل ما في العملية السياسية على النحو الذي أظهرته الانتخابات الوطنية الأخيرة فانتخاب عبد الرحمن وحيد رئيسًا للجمهورية وأمين رئيس كرئيس للبرلمان يعكس هذا التوجه الإسلامي، كما يظهر التحرك نحو نظام سياسي أكثر انفتاحًا، بل إن صعود هذه القيادات يفضح الفكرة السائدة في الغرب عن أن الإسلام لا يلتقي الديمقراطية.

ويمكن الحفاظ على المصالح الأمريكية في جنوب شرق أسيا بصورة أفضل عن طريق الاستمرار في دعم مثل هذه القوى، والتي تشمل التوجه الإسلامي، بدلًا من الاعتماد على جماعات من الجيش، أو استعمال العنف، حتى ولو كان علمانيًا.

وقد أصبح واضحًا مما جرى في تيمور الشرقية واتشيه أن الأندونيسيين سيكونون في وضع أفضل تحت قيادة وحيد - ميجاواتي - رئيس - بعيدًا عن سيطرة العسكريين. وفي ماليزيا ساندت الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي القائد الإسلامي السابق أنور إبراهيم وهي حالة مثلى في تطبيق مقولة: إن إشراك الإسلاميين في الحكم أكثر جدوى من إقصائهم وبخاصة جدوى مشاركتهم في الحد من الخطاب المتطرف الموجه ضد الغرب والسياسات المرفوضة شعبيًا التي ينفذها محاضير محمد، لقد سقط أنور إبراهيم من السلطة لا لأنه إسلامي متحمس ولا لأنه ضد الغرب، بل لأنه مؤيد للغرب. ولقد أثبت أنور إبراهيم أنه أكثر حداثة، بل يعتبر فيما بعد الحداثة بالنسبة المحاضير محمد الذي أشعل خطابه المتطرف ضد صندوق النقد الدولي والكلمات التي يتبادلها مع جورج سوروس وما يقال عن المؤامرة الدولية اليهودية ضد ماليزيا - حفيظة القوى الراديكالية والقوى المضادة للغرب في طول العالم الإسلامي وعرضه.

ففي جنوب شرق آسيا، ظهر أن القيادات والمؤسسات القومية من رئيس الوزراء محاضير محمد إلى العسكر في إندونيسيا كانت مصدرًا دائمًا للقلق، وطرفًا مثيرًا للارتباك في معادلة العلاقة بين الطرفين، ويختلف جنوب شرق آسيا اختلافًا بينًا عن الشرق الأوسط، وبذلك فإنه ليس ثمة سياسة إسلامية واحدة يمكن اتباعها في كل الحالات ويمكن للولايات المتحدة أن تكسب الكثير إذا أبدت مرونة كافية في الشرق الأوسط كتلك التي أبدتها وإن بغير قصد في جنوب شرق آسيا. 

وتمثل أفغانستان حالة أخرى بارزة إذ حاولت الولايات المتحدة منذ عام ۱۹۸۹م أن تبتعد عن دعم الجهاد الإسلامي هناك. واستمر لفت الأنظار إلى الآثار غير المستهدفة للحرب، متمثلة في قضايا أحمد رمزي يوسف، وأسامة بن لادن، وما يقرب من ٢٥ ألف ناشط من مختلف اقطار العالم الإسلامي الذين قاتلوا في أفغانستان، وبعضهم الآن يمثل رأس الحربة في الصراع مع السلطة في أوطانهم، ومهما كانت تداعيات الجهاد في أفغانستان على الولايات المتحدة ومصالحها اليوم. فإنه يصعب التنكر لحقيقة أن الظاهرة الإسلامية - بل ظاهرة الإسلام الراديكالي المقاتل - قد ساهمت في إنهاء الحرب الباردة، والتي ظلت هي الشغل الشاغل للسياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. 

كان من المفترض أن تكون أفغانستان مدعاة لاستنباط سياسات مغايرة نحو الإسلام والظاهرة الإسلامية ودورها السياسي من قبل صانعي السياسة الخارجية الأمريكية. ولكن الذي حدث هو أن الولايات المتحدة فضلت أن تنفض أيديها من غبار التجربة الأفغانية، مما يوضح جزئيًا كيف أن صديق الأمس أصبح العدو اللدود اليوم. إن الخطأ لم يكن في دعم الولايات المتحدة للجهاد الأفغاني، بل كان في انصرافها عن افغانستان وباكستان في عام ۱۹۸۹م، لتواصل سياسة الغرب في مواجهة الآخرين، في جهات أخرى من العالم الإسلامي.

كاتب هذه الدراسة المشارك جون اسبوزيتو هو أحد أبرز المختصين الأمريكيين بدراسة الحركات الإسلامية، ومشهور عنه تعاطفه مع مطالبها وموضوعيته في بحث قضاياها. 

لكن هذا التعاطف وتلك الموضوعية تظل أمورًا نسبية، وسنجده في هذه الدراسة يحذر السياسة الأمريكية مما يسميه الخطر السني بعد أن قلل من أهمية ما سماه الخطر الشيعي. 

وقد أعد الكاتب هذه الدراسة بشكل خاص لمجلة المحلية مع المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث - الولايات المتحدة - التي أشرفت أيضًا على الترجمة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

299

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1114

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان