; نظرة الإسلام إلى المال | مجلة المجتمع

العنوان نظرة الإسلام إلى المال

الكاتب د. غريب الجهلي

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979

مشاهدات 77

نشر في العدد 430

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 30-يناير-1979

نظرة الإسلام إلى المال

---------------------------------------------

المال عصب الحياة، ولا قيام لأي إنسان أو أسرة إلا بقدر من المال يكفل ضرورات الحياة وحاجاتها، تلك سنة الله في خلقه، والناس من قديم الزمان يعملون ويكدحون في سبيل الرزق الذي يقيم أودهم ويعصمهم من الذل والعوز والحاجة والهوان. والمال في الإسلام معتبر أنه ملك للـه سبحانه وتعالى، والبشـر مستخلفون فيه، ومن ثم فهم مطالبون بمراعاة الأحكام التي شرعها جل علاه، لكل ما يتصل بشئون المال، والتي تتمثل في تحديدات تقيد الأسلوب والكيفية التي يمارس بها الإنسان استخدام وتداول ما خصه الله به من مال، وأسلوب الانتفاع به، ووسائل تنميته وتحقيق كسب منه، وكذلك طرق ووسائل إنفاقه؛ ذلك أن الإسلام يدعو إلى كل ما فيه خير البشرية وصلاح المجتمع، كما يهذب من طباع البشر ويحملهم على استخدام المال في إطار يحقق الخير والنفع لحائزيه، وفي ذات الوقت للمجتمع بأكمله.

ولكي يكون الكسب محققًا لتلك الصفات، ومتسمًا بالشرعية يجب ألا يتأتى نتيجة موقف سلبي من قبل حائز المال، وإنما بموقف إيجابي يتمثل في بذل حائز المال لجهد، أو القياـم بعمل نافع، سواء كان ذلك بصفة مباشرة أو عن طريق المشاركة مع من يستطيع تقديم الجهد أو العمل المرغوب.

وهذا يعني أن الكسب المتحصل عن طريق «الانتظار» هو كسب محرم آثم؛ ذلك أن النقود في حد ذاتها لا يمكن أن تلد نقودًا أخرى، ولكن لكي تؤتي ثمرة مشروعة لا بد وأن يقترن استخدامها بعمل منتج نافع نفعًا مزدوجًا؛ أي لصالح حائز النقود من جانب، ولصالح المجتمع ككل من جانب آخر.

وليس مؤدى ذلك التقليل من أهمية المال المتمثل في النقود؛ ولكن على العكس فيه تزكية للمال وتصحيح لدوره بوصفه عنصرًا له تقديره في عملية الإنتاج.

يخطئ إذًا من يتصور أن الإسلام في دعوة لمناهضة تنمية المال؛ بل إن الإسلام يطلب هذه التنمية ويحث عليها؛ إذ إنها بما تستتبعه من تداول المال وتحريكه حركة دائبة يكمن فيها عمران المجتمع وتقدمه وازدهاره.

وما تتميز به النظرة الإسلامية إلى المال ونمائه، هو انطواؤها على أن يظل المال في كافة أوجه تداوله واستخداماته وسيلة وليس غاية في ذاته، وسيلة لتحقيق احتياجات الإنسان وضرورات المجتمع دونما تفريط أو إفراط.

ومؤدى تلك النظرة أن المال ليس مذمومًا لذاته، بل يكون مذمومًا فيما لو اتخذ غاية وسببًا، وفيما لو حرص حائزه على اكتنازه وحرم المجتمع من تداوله تداولًا مقترنًا بنفع وخير يعود عليه هو نفسه قدر منه في ذات الوقت.

ويكون المال مذمومًا كذلك وقتما يتنكب حائزه الطريق السوي الحلال في تحصيله وتنميته وإنفاقه، مع أداء حق الله فيه أولًا.

وينبني على ما تقدم أن المال في نظر الإسلام هو خير وليس شرًّا طالما جاء من حله ووضع في محله([1])؛ يقول تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (البقرة: 215)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها»([2]

وعلى العكس مما تقدم يكون المال شرًّا لمن يغتر به ويلهيه عن العمل للآخرة؛ يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (آل عمران: 14).

ولأهمية المال في نظر الإسلام فرضت الشريعة الغراء واجبات على حائز المال؛ من حيث ضرورة صيانته من التلاعب به، والحث على الحفاظ عليه من كل إنفاق غير مثمر، ومن الإسراف في إنفاقه بما لا يفيد، أو بما يضر بالآخرين؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).

ولذلك يلتزم المؤمن بأن يوجه ما يحوزه من مال لصالح نفسه ولصالح مجتمعه، مستثمرًا إياه فيما يعود على المجتمع الإسلامي بوافر الخير وعظيم المنفعة.

ويعني هذا أن وظيفة المال -في نظر الإسلام- وظيفة اجتماعية وإنسانية في ذات الوقت؛ قال تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ﴾ (الحديد: 7).

والمقصود بالإنفاق هنا ليس مجرد الإحسان أو أداء الزكاة، ولكن الإنفاق يشمل أيضًا استخدام المال لكي ينمو نماء طيبًا حلالًا عن طريق سلامة تفكير صاحبه واستخدامه لقدراته ومهاراته في هذا السبيل، مستهدفًا تحقيق عائد مادي مشروع لنفسه ونفع ملموس، وسد لاحتياجات مجتمعه.

والإسلام في هذا -كما في سواه- هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ذلك أن المال شقيق الروح، وهو شهوة من الشهوات المتأصلة في نفس کل إنسان بشهادة خالق الإنسان جل علاه؛ يقول تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: 20)، ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات: 8) ([3]

ويحدثنا القرآن الكريم عن الأحكام الكلية التي تنظم شئون المال وتداوله بالحق والعدل بين الناس، ومن بينها الأحكام التي تنهى عن تطفيف الكيل والميزان، وأحكام الميراث، ووسائل توثيق الديون واستيفائها.

كما توضح الشريعة الإسلامية سبل المحافظة على أموال اليتامى، وأموال الشهداء والقصر، وتعين حق السائل والمحروم في أموال من امتحنهم الله بالعطاء، وتفرض واجب أداء زكاة المال والصدقات والإنفاق في سبيل الله، وأداء أجر الأجراء، كل ذلك في إطار قواعد محكمة يتمثل فيها العدل والإنصاف، والرحمة، واستقامة علاقات البشر واستقرارها.

وحتى يباشر الإنسان استخدام المال استخدامًا سليمًا استقر في الشريعة منذ فجر هذا الدين الحنيف ضرورة محاسبة كل إنسان عن تصرفاته فيما يحوزه من مال محاسبة تشمل تقصي مصادر هذا المال وأوجه إنفاقه، وكل ذلك استقر في شريعة الإسلام منذ قرون بعيدة قبل أن تعرف القوانين الوضعية ما جرى تسميته «بقانون: من أين لك هذا؟».

تلك بعض من مجموعة المبادئ والقواعد التي تنظم شئون المال في الإسلام، وجميعها تؤكد العناية والحرص الذين يوليهما الإسلام للمال لكي يتم تناوله ونماؤه وفقًا لما كلف به العباد من قبل مالك المال أصلًا سبحانه وتعالى.

وانطلاقًا من تلك المبادئ والمفاهيم تتحدد وسائل كسب المال في الإسلام في إطار من العدل والإنصاف، مع الالتزام بأن تتم مباشرة تلك الوسائل مباشرة بعيدة عن كل محظور شرعي، ومبرأة من كافة الشبهات، وفي مقدمة ما هو محظور أكل أموال الناس بالباطل والرشوة والربا.

وأهمية المال تلك تفسر لنا تشدد الإسلام في حماية المال وعقوبة من يعتدي على مال الغير، باعتبار أنه في عداد الضروريات الأساسية للإنسان، والتي تنطوي مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء على المحافظة عليها بوصفها لازمة للناس في حياتهم، وباعتبار أن فقدان أي منها يترتب عليه اختلال حياة الناس واضطراب أمورهم.

وهذه الضروريات في نظر الإسلام هي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل والمال.

وقد انتهج الإسلام أسلوبين رئيسيين للحفاظ على هذه الضروريات وضمان استمرارها ينبع أولهما من نفس المسلم ذاته والجماعة الإسلامية؛ وذلك لما يغرسه الإسلام في نفس المسلم من وازع ديني قوي يحمله على الانصراف عن نوازع الشر والإقبال على أسباب الخير له ولغيره من الناس، وبما يرسيه الإسلام في المجتمع الإسلامي من دعائم المحبة والطهر والتضامن والتعاون على الخير.

أما الأسلوب الثاني فهو أسلوب الردع والجزاء لكل من ارتكب جرمًا من شأنه الإخلال بالضروريات الخمس سالفة الذكر. وهذا الأسلوب الثاني هو الذي يقوم عليه النظام الجنائي الإسلامي، ولذلك شرع الله الحدود والقصاص لحماية هذه الضروريات؛ فحد الردة يحمي الدين، ونظام القصاص والدية يحمي النفس، وحد الشرب يحمي العقل، وحد الزنا والقذف يحميان النسل والنفس الإنسانية فيما ينبغي أن يتوفر لها من طهارة وعفة وإحصان، وحد السرقة يحمي الأموال، وحد الحرابة يحمي النفس والأموال معًا، ويقر الأمن بين الناس. ([4]).

ولما كانت شريعة الإسلام تهيئ للمجتمع الإسلامي حياة كريمة يجد فيها كل فرد ما يسد حاجته ويكفي مئونته، ويقيم معاشه على أساس سوي لما يغنيه عن العوز والطمع في مال الغير، فإن دين الإسلام يعتبر جرائم الأموال من أبشع الجرائم، سواء من حيث أعراضها الخبيثة، أم من حيث مضاعفاتها الخطيرة.

ويعتبر الاعتداء على المال جرمًا خطيرًا يتعين دفعه ووقاية المجتمع منه، وما من شك في أن هذا الواجب يقع على الدولة باعتبارها القائمة على مصالح الناس الراعية لشئونهم.

ولما كان الإسلام ليس مجرد تعاليم موجهة للأفراد فقط، ولكنه دين ينظم شئون الفرد والأسرة والجماعة والدولة، بل والمجتمع الإنساني بأسره، فإنه لم يكتف بأن قرر حق كل فرد في الدفاع عن ماله بما يكفل الحفاظ عليه([5])، بل انطوى على أن كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه، مطالبًا المسلم بالذب عن مال أخيه والحرص عليه كما يحرص على مال نفسه.

ولم يكتف بذلك وإنما شرع العقوبة الكفيلة بحماية هذا المال وصيانته، حتى يعيش الناس مطمئنين على أموالهم؛ فينصرفون إلى شئونهم ويجدون في حياتهم وهم آمنون.

وتتمثل تلك الحماية للمال في إقامة حد السرقة والحرابة، فالشريعة الإسلامية تواجه جريمة السرقة والحرابة بعقوبتين رادعتين فعالتين، تكفلان استئصال شأفتهما من جذورهما، وردع كل من تسول له نفسه العدوان على مال أخيه خفية أو كرهًا، أو إقلاق أمن الناس وإفزاعهم والسعي في الأرض بالشر والفساد.

فكان حد السرقة هو قطع اليد اليمنى متى توافرت شرائط إقامة الحد وانتفت الشبهات التي تدرؤه.

وكان حد الحرابة هو القتل إذا نجم عن الحرابة القتل، سواء كان مصحوبًا بالاستيلاء على المال، أم لم يكن مصحوبًا بذلك، وقطع اليد اليمنى أو الرجل اليسرى إذا نجم عن الحرابة الاستيلاء على المال دون قتل، والسجن إذا كانت الحرابة لمجرد إخافة الناس وقطع الطريق.

والأصل في حد الحرابة أو قطع الطريق قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 33-34).

ويضع الفقهاء ضوابط لما يعتبر اغتصابًا للمال ولوسيلة القصاص من المغتصب. 

كما يضع الفقهاء أحكامًا متفقة مع العدل والقسطاس لاستثمار الثروات التي تستنبط من باطن الأرض، وأحكامًا تنظم شئون التجارة والمبادلات على أسس من الاستقامة والعدل. وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم: «التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين».([6])

 

[1]  انظر: «المال في الإسلام» للدكتور محمود محمد بابللي، ص۱۹

[2]  رواه البخاري

[3]  والمقصود بالخير هو المال؛ يعني أن الإنسان يحب المال حبًّا شديدًا

[4]  انظر: نظام التجريم والعقاب في الإسلام مقارنًا بالقوانين الوضعية، للفقيه والمفكر الإسلامي المستشار علي علي منصور، جزء أول، ص۳۰۹ وما بعدها

[5]  روي في الحديث: «أن من مات دون ماله فهو شهيد»، والتشريعات الوضعية تجيز الدفاع الشرعي لرد الاعتداء على المال، وهذا أيضًا ما تقرره الشريعة الإسلامية ويدخل في مفهوم «دفع الفصائل» أي: دفع المعتدي

[6]  والجمهور على أنه لا فرق في تحقيق المحاربة بين أن يكون المقطوع عليه مسلمًا أو ذميًّا أو مستأمنًا؛ لأن الواجب توفر الأمن في دار الإسلام بالنسبة للجميع. وعند مالك وأبي ثور: لا يشترط في المال نصابًا لتوقيع الحد؛ لأن العقوبة في تقديره على فعل المحاربة لله والرسول دون نظر إلى قدر المال الذي يؤخذ، وهذا المعنى يتحقق سواء كان المال قليلًا أو كثيرًا

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1522

61

السبت 12-أكتوبر-2002

الإسلام والآخر