العنوان نظرة في الحضارة الإسلامية دراسة وفهمًا
الكاتب د. عبد الرحمن الجمعيان
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979
مشاهدات 74
نشر في العدد 430
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 30-يناير-1979
تنوعت أساليب الدراسات الحديثة منذ عشرات السنين في تناول القضايا الإسلامية عمومًا، ومنها الحضارة الإسلامية. وكان لهذا الاتجاه في التنوع ومازال ظروف وأحوال ودوافع أدت في بعضها إلى منهجية غير مستقيمة ولا أمينة، كثر ركامها بشكل حجب الكثير من الحقائق وبغش الصورة الأصلية للوجه الناصع الذي حملته الحضارة الإسلامية، باعتبارها أيضًا صورة عملية للإسلام الذي لا يدخل في إطاره من الأعمال والمناشط إلا ما كان سائرًا في ضوئه وقاصدًا رضا الله تعالى وحسب أمره سبحانه في قرآنه الكريم وما بينه رسول الله الأمين صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة.
فجرى تناول الحضارة الإسلامية أحيانًا تناولًا ناقصًا ومشوهًا ومحجوبًا، أهملت به بعض الأصول واقتطع بعض جوانب عرضت بشكل معين غير في الصورة وأخفى من حقائقها وجعلها مجردة من كثير من معانيها، غير عابئ بالقواعد العلمية ومتطلباتها ولا مكترث بالأمانة الدراسية في أداء مستلزماتها وسلك مسلك الإهمال لما تفيض به كتب المسلمين من ثروة ضخمة في هذه الموضوعات الخطيرة والجديرة ببذل الجهد في خدمة هذا الاتجاه الخير السليم الأمين وأمثالها مما له علاقة وثقى بكل ذلك.
ولذلك فإن المنهجية العلمية الأصيلة الواعية المدققة لا بد أن تعود بالدراسة في هذا الأمر وفي غيره إلى أصله الطبيعي وتنصف الحق معتمدة على الحقائق ومستندة إلى الوقائع بعد معرفة طبيعة المجتمع الإسلامي ومسلك أهله وارتباط ذلك وفق الأسس التي تحكمه وتوجهه وما يسبغه كل ذلك عليه ويصطبغ به ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾(البقرة:138) وتقدم هذه الدراسة الأصيلة الأمينة صورة صادقة بشمولها وأصولها واضحة بعمقها ونقائها وعامرة بارتباطها بمنهج الله تعالى وقوة هذا المنهج في بناء الفرد والمجتمع المسلم الذي استمد مواصفاته من هذا المنهج لا غيره، وعاش في جوه وأثمر بأرضه وارتوى من معينه، فكان نبتًا أصيلًا في جنانه، يانعة الثمار وارفة الظلال ندية الأجواء.
وفصل هذه الأمور عن بعضها أو إهمال جزء منها أو غلبة السطحية في فهمها لا يقود إلا إلى الخطأ الخطير والتجني الواضح والتجاهل أو الجهل الفاضح ولا يسير إلا في خط بعيد منكر يظهر فيه التخبط والتورط في جنايات فاضحة وإن كانت مبهمة أو موهمة ومظللة عن الحق الصريح. وقد تغوص أحيانًا في مضحكات لا يليق بعاقل ذكرها أو ترديدها، فضلًا عن عالم ينشر في الناس معرفة ويدعوهم إلى فضيلة. وهذا مع افتراض حسن الظن في سلامة النية فكيف بدونها؟!
وإن هذا التردي في طرقات لا علمية فيها ولا منهجية نظيفة، مسلوبة الوضوح مشوشة الصورة لا تخفي على من أوتي حظًا من المعرفة وقدرًا من التعقل ولا يقع بعيدًا عن دائرة الرؤية السليمة. والمنصف المتعلم يدرك ذلك بحسه قبل أن يعرفه بعلمه أو بعمقه في هذه الأمور، لما يعرف من طبيعة الإسلام وحقائقه وأنه دين الله أنزله للناس كافة ليسعدوا به في الدنيا والآخرة وهو بهم رحيم وهو قادر وخالق كريم لا يعجزه شيء سبحانه وتعالى.
عاش المجتمع الإسلامي بهذه المعاني والآفاق والنظرة إلى الكون والإنسان والحياة، متفردة عالية مستقلة. ومن هنا فإن الدراسة العلمية الموضوعية المنصفة أخذت هذا الاتجاه الطبيعي المتناسب المتناسق لتوفير منهجية أصيلة تأخذ طريقها وتحتل مكانتها وتؤدي واجبها. وإن بيان هذا الأمر يقتضي شرحًا وافيًا، يكتفي هنا حاليًا بإلقاء ضوء ما عليه لأنه أساس وأصل لكثير من الأمور غيره وفي ضوء هذه الرؤية تفهم كثرة من متعلقات هذا الموضوع ومن خلالها يمكن تأكيد وتدعيم وتدليل أحقيتها وحقيقتها وأصالتها وكل ما يتعلق بشمولها. كما أن مقاييس المجتمع وأعماله وإنتاجه ومناشطه المتعددة المتنوعة وتوجهه وحياته كلها مرتبطة بهذه المعاني وخادمة لها وسائرة عليها، بدفع ذاتي بوجهة أصيلة وقوة غامرة مستمدة من الإيمان بالله تعالى مصدر القوى كلها في الكون، ما نعرف منه وما نجهل -وهو أكثر- والذي بأمره -جلت قدرته «كن فيكون»، لا يعجزه شيء وهو الفعال لما يريد جل جلاله.
وإذا كانت الحضارة تشير إلى الإنتاج العلمي والعمراني أو غيره فإننا في الحضارة الإسلامية يمكن أن نعتبرها شاملة لكل ألوان النشاط في المجتمع المسلم وبأسلوبه المتميز حيث تبرز الصورة العملية للإسلام والتي عملت على إظهار وبناء القيم الإنسانية واعتبار الفضيلة وتحقيق تكريم الله تعالى لهذا المخلوق والعمل على السمو به في عالم الخير وملأ جوانب الحياة برًا وبركة علمًا وإنتاجًا، غرس الأرض عمرانًا وفضلًا بشكل واسع يسعى المسلم فيه فردًا وجماعة ودولة، وبشريعة الله تعالى، ويحقق هدف وجوده ويعمل على رضا الله سبحانه بطاعته في الدنيا والآخرة فيفوز بجنته ويحظى بمرضاته.
ومهما شاركت حضارة ما الحضارة الإسلامية في بعض هذه الأمور المتعلقة بالفكر أو الجانب المادي من الحياة فستبقى الحضارة الإسلامية متفردة عن كل ما عداها في هذا الأمر وغيره مما هو أولى منه وأهم وأجدر، لا يؤثر فيه دوافع ولا يغني عنه، تبقى كذلك شمولًا وفضلًا وعمقًا وأصالة وإنسانية. وهو أمر بديهي لأن الحضارة الإسلامية قامت على شريعة الله سبحانه التي أنزلها على رسوله محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم ليأخذها ويسير في ضوئها عقيدة لكل أهل الأرض ومنهجًا يعيش به ويتعايش، يحيى في خدمتها ويحقق تكريم الله وينشر الغاية من وجوده عبدًا لله وخليفة له استخلفه جلت قدرته في أرضه، ويأخذ بشرعه ويدين له في كل أمر، في كل زمان ومكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
والإنسان بدون ذلك أو بالبعد عنه أو بالتنازل عن بعض منه أو الاستعانة بغير شريعة الله في أي جزء منه -ولو في جوانب ضيقة أو مادية أو مجردة وحتى هامشية- يقوده إلى الانحراف ويجعله ضالًا وشقيًا في الدنيا والآخرة، أعاذنا الله من ذلك وهدانا إلى دينه القويم وثبتنا عليه وفي السير في طريقه المستقيم على الدوام حتى نلقى الله على ذلك.
فالعودة إلى شريعة الله والأخذ بمنهجه مطلب دائم ومنقذ وحيد ومنجاة واضحة وهي الطريق الفريد في هداية الإنسان وسعادته في الدارين سواء، والله جلت قدرته هو خالق الإنسان وبه رحيم ويعرف ما يصلح شأنه في كل وقت وحين ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14).
وستبقى الإنسانية -بدون شريعة الله تعالى- حائرة تائهة لا تجد هدى ولا تعرف رشدًا. وهي حقيقة شرعية مثلما هي حقيقة أو شريعة كونية أو علمية دائمة الصدق لا تخص عصرًا أو مصرًا وليست على قوم بعينهم حكرًا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير:27-29) والأمة الإسلامية اليوم مدعوة إلى أن تلتفت لترى وتسرع بتلبية النداء الكريم، فإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. والحضارة الإسلامية -بهذا الاعتبار- لا بد أن تكون متفردة امتيازًا أو مستقلة استعلاء، لأنها تقوم على الإسلام عقيدة وشريعة، وهو دين الله العام الخالد وشرعته السمحة البيضاء النقية ورحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107).
والناس جميعًا مدعون إليه، ومسؤولية ذلك مرتبطة بالمسلمين قبل غيرهم. فهم جميعًا مكلفون بالأخذ به كله، فله وبه يقومون، يحملون دعوته -بقلوبهم وفكرهم، عقيدة وعبادة، شريعة ومنهجًا- إلى الناس كافة، فيكشف عن أنظارهم غيوم الجهالة ويمحو طواغيت الضلالة ويزيل حُجُب الظلام. وعندها ستشرق الأرض بنور ربها ويتفتق ينبوع الخير في هذه الحياة فيحيا الإنسان لله عبدًا ويحقق غاية وجوده التي أراد الله تعالى ولها أعده ومن أجلها خلقه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56) وعندها يعم الأرض نور الله رب العالمين.