العنوان نظرة في المؤتمرات القطرية لحزب البعث في سوريا
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1985
مشاهدات 77
نشر في العدد 702
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 29-يناير-1985
• المؤتمر الثامن للبعث يعكس فشل القيادة في إنهاء الصراع بين مراكز القوى.
• المؤتمرات الحزبية حصان الشرعية لقرارات القيادة.
شهدت سوريا منذ استيلاء البعث على مقاليد السلطة انعقاد سبعة مؤتمرات قطرية، ومن ثم كان انعقاد المؤتمر الثامن في الفترة الواقعة ما بين 5/1/85 ولغاية 21/1/85، والملاحظ هنا أن الفترة التي سبقت الحكم الحالي- والتي امتدت لسبع سنوات من (63-70)- شهدت انعقاد أربعة مؤتمرات أساسية، تخللتها أربعة مؤتمرات استثنائية، بينما لم تشهد الفترة الممتدة ما بين عام 70 ولغاية 84 سوى ثلاث مؤتمرات أساسية، تخللها مؤتمر استثنائي واحد عقد في 30/5/84، بهدف إضفاء الشرعية الحزبية على قرار الاتفاقية العسكرية مع العدو الصهيوني، والتي عرفت في حينها باتفاقية فصل القوات، وهذا يعني أن الفترة التي سبقت العهد الحالي تميزت بعدم استقرار النظام وتقلبه داخل دائرته من الصراعات المستمرة ما بين مختلف الاتجاهات المتأرجحة ما بين ما أطلق عليه باليمين البعثي المتمثل بالثنائي المعروف عفلق والبيطار، وبين ما سمي باليسار البعثي الذي تمثل في مجموعة نور الدين الأتاسي وزعين وماخوس.
وكانت هذه الصراعات والتصفيات تخدم- في طبيعة الحال- مخططات المجموعة العلوية في الجيش بقيادة أسد التي تنتظر الوقت المناسب للانقضاض على السلطة، إلى أن حان هذا الوقت في منتصف شهر تشرين الثاني عام 1970، وتم بعد ما سمي بالحركة التصحيحية عام 1970 تصفية معظم القيادات الحزبية، وجيء بعناصر جديدة تم اختيارها من خلال ولائها للقيادة الجديدة أولًا وثانيًا وثالثًا.
ومن الملاحظ أن عوامل نجاح الانقلاب الأبيض تكمن في استفادته من الصراعات السابقة التي أدت إلى تصفية شريحة كبيرة من العناصر القيادية للحزب- استفادته من الأخطاء التي وقع فيها قادة الانقلابات العسكرية السابقة- اعتماده اعتمادًا كليًا على العنصر العلوي في القوات المسلحة، والتي اعتبرها ذراع الحكم القوية والسند الأول والأساسي لاستمرار نظامه.
لذلك كان تركيزه منحصرًا في هذا المجال، بحيث كانت التشكيلات العسكرية تدور حول هدف تأمين السيطرة الكاملة على الألوية والكتائب العسكرية الخاصة ذات التميز عن كافة قطع الجيش السوري.
نقول: إن هذه النقاط التي تم إنجازها في العهد الحالي أدت إلى تأمين الاستمرار حتى الآن لهذا العهد، وبالتالي لم يكن النظام في حاجة إلى مؤتمرات حزبية قطرية أو قومية لأن الحزب أصبح مجرد لافتة ضخمة تدار من خلالها مؤسسات الدولة المختلفة.
ومن هنا فإن الملاحظ أن العهد الحالي تميز بعقد ثلاث مؤتمرات للحزب فقط، هي المؤتمر الخامس والسادس والسابع، وكان المؤتمر الخامس من الضرورة بمكان حيث تم انعقاده بعد مرور بضعة شهور على انقلاب ما سمي بالحركة التصحيحية، وكان لا بد من انعقاد المؤتمر لمباركة الحركة، وإعطائها الصفة الحزبية الشرعية.
ثم كان المؤتمر الاستثنائي في 30/5/74، وقد انحصرت مهمة هذا المؤتمر في تأييد الاتفاقية التي عقدت مع العدو الصهيوني، والتي سميت باتفاقية فصل القوات، وإعطاء هذه الاتفاقية التغطية الحزبية والشرعية اللازمة لتمريرها وتبريرها.
وفي 5/4/75 عقد الحزب مؤتمره القطري السادس، أي بعد مرور أربع سنوات على انعقاد المؤتمر الخامس، وكان الهدف من المؤتمر تمرير كل ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، ودفع الآلاف من أبناء الطائفة العلوية للانتساب للحزب تحت شعار توسيع قاعدة الحزب.
وفي المجال العسكري تقول قرارات المؤتمر السادس: «يجب الوصول إلى صيغة متقدمة لمفهوم الجيش العقائدي، ودعم الإدارة السياسية لتأخذ دورها في جميع القطاعات العسكرية»، وتقول أيضًا: «يجب توفير الحد الأدنى من الكادر الجيد المتفرغ!! والمؤهل لجهاز التوجيه السياسي في وحدات الجيش».
ثم بعد ذلك غابت المؤتمرات الحزبية لما يقرب من ست سنوات إلى أن كان انعقاد المؤتمر القطري السابع في 22/12/79، بينما نلاحظ أنه خلال فترة الغياب هذه اتخذت القيادة السورية قرارات خطيرة حول التدخل في لبنان، وتسيير حوالي 40 ألف جندي سوري بمعداتهم وآلياتهم المدرعة باتجاه الأراضي اللبنانية، وتدخل هذه القوات لصالح القوات الكتائبية التي كانت تواجه هزيمة محققة في الحرب الأهلية، وكان القرار السوري بضرب التحالف بين الشارع اللبناني المسلم وحركة المقاومة الفلسطينية، ومن هذا المنطلق كانت مجازر تل الزعتر وغيرها ومع هذا كله لم نسمع عن انعقاد مؤتمر قطري للحزب، ولا حتى مؤتمر استثنائي، بينما نرى أن انعقاد المؤتمر تم وبسرعة في نهاية عام 1979 عند تعرض أمن النظام للخطر.
ما بين المؤتمرين السابع والثامن
إننا نجد هذين المؤتمرين من أهم المؤتمرات الحزبية وأكثرها ضرورة بالنسبة للقيادة السورية، فالمؤتمر السابع تم انعقاده إثر تزايد حوادث العنف وارتفاع حدة المواجهة مع النظام، مما أدى إلى مصرع العديد من مستشاري النظام، وكانت القيادة في ذلك الوقت تخطط لاتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية نظامها من الأخطار المحدقة به، وبدلًا من أن تلجأ هذه القيادة إلى فتح النوافذ المغلقة، لجأت إلى فتح المعتقلات إيذانًا ببدء حملة العنف الموجهة للتيار الإسلامي في سوريا، وشهد ربيع عام 79 حملة من الاعتقالات، امتدت لتشمل معظم قيادات العمل الإسلامي على امتداد الساحة السورية.
لذلك كان لا بد من اتخاذ الإجراءات المناسبة لإحاطة هذا التحرك ضد التيار الإسلامي بالشرعية الحزبية، ومن هنا كانت الدعوة لعقد المؤتمر القطري السابع في 22/12/79 الذي أعطى السلطة صلاحية اتخاذ ما تراه مناسبًا لحماية النظام من اعتقالات ومحاكمات وإعدامات، وسن التشريعات المؤيدة لهذا الاتجاه، كالقانون الذي أصدره مجلس الشعب السوري حول إعدام كل من ينتسب لجماعة الإخوان المسلمين وحل جميع النقابات والجمعيات، وتشكيل نقابات وهيئات بمعرفة السلطات، وإعطاء الأجهزة الأمنية المزيد من الصلاحيات.
ويكفينا هنا الإشارة لما جاء في خطاب رفعت أسد قائد سرايا الدفاع أمام المؤتمر القطري السابع حيث قال:
«ستالين أيها الرفاق أنهى عشرة ملايين إنسان في سبيل الثورة الشيوعية واضعًا في حسابه أمرًا واحدًا فقط هو التعصب للحزب ولنظرية الحزب!».
ويقول أيضًا: «ونحن نناقش اليوم قضية الإخوان المسلمين، سأستعرض معكم أساليب القمع والاجتثاث بشكل ثوري».
ويقول أيضًا: «لا بد من وضع خطة محكمة لتخليص الأمة من حزب الإخوان المسلمين».
وتتضمن كلمة رفعت أسد بعض الإشارات التي تدل على أن المؤتمر القطري السابع كان هدفه إعطاء الشرعية لخطط القيادة الرامية إلى ضرب التيار الإسلامي الذي يقوده الإخوان المسلمون، بحجة أن هذا التيار يشكل خطرًا على مبادئ البعث فيقول في خطابه: «إن حركة بناء الجوامع والمساجد اتخذت ستارًا لمدارس دينية للفكر المتعصب».
«تربية الأطفال واليافعين على نبذ الأفكار القومية والحضارة العربية في أوسع عملية تخريب حاقد».
وكانت توصيات المؤتمر السابع تدور كلها في هذا الاتجاه المعادي للتيار الإسلامي، وانطلقت بعدها أجهزة السلطة المختلفة لتنفيذ الخطط التي رسمتها القيادة وأضفى عليها المؤتمر السابع الطابع الشرعي الحزبي، وكانت الأعوام التالية 80، 81، 82، بمثابة تفرغ كامل لكافة الهيئات الأمنية والفرق العسكرية الخاصة لتنفيذ هذه المخططات التي توجت بحوادث مدينة حماة عام 82.
في المؤتمر الثامن
بعد الحوادث الدامية في مدينة حماة عام 82، استمرت السلطة بتدعيم المؤسسة العسكرية متمثلة بالفرق الخاصة التي كونتها السلطة كالوحدات الخاصة وسرايا الدفاع ... ومن هنا لم يكن هناك لدى السلطة أي دافع لدعوة المؤتمر القطري للانعقاد، ومع تعرض حافظ أسد للعارض الصحي الذي أصيب به في نوفمبر عام 1983، والذي كاد أن يودي بحياته، بدأت مظاهر التفكك والتشرذم تنتشر في كافة المؤسسات، وبشكل خاص كان هذا التشرذم واضحًا في المؤسسة العسكرية، «وكنا في المجتمع قد أشرنا- عبر مقالات سابقة- إلى تلك الأحداث والصراعات التي ظهرت على الساحة السورية خلال الفترة الماضية».
وكان أقطاب المؤسسة العسكرية هم محاور الصراع، فقائد سرايا الدفاع رفعت أسد، وعلي حيدر قائد الوحدات الخاصة، وشفيق فياض قائد الفرقة المدرعة، وعلي دوبا والعديد من كبار القادة العسكريين الذين ينتمون للطائفة العلوية، وكانت نقطة الصراع تدور خلافة الرئيس، وكاد هذا الصراع أن يؤدي إلى زعزعة النظام بكامله، ومع شفاء الرئيس بدأ بعملية احتواء هذا الصراع، ومن هنا كانت الدعوة لانعقاد المؤتمر الثامن تهدف إلى تثبيت السلطة بيد الرئيس، ووضع كل الخطوط بيده، ولكن اتضح من خلال انعقاد المؤتمر، وتشكيل اللجنة المركزية والقيادة القطرية أن جميع الوجوه التي كانت محور الصراع لا زالت في مواضعها الحزبية، فرفعت أسد وعلي حيدر وفياض ودوبا كلهم أعضاء في القيادة جنبًا إلى جنب.
وهذا يؤكد على أن كوامن الصراع لا زالت قائمة، وأن محاور الصراع مالت إلى تجميده بانتظار ما تسفر عنه الأيام، وهذا بالتالي يزيد من احتمال تعرض النظام مستقبلًا لهزات عديدة نتيجة استمرار مسببات الصراع بين مراكز القوة فيه، إضافة إلى أن عوامل الاستقرار الداخلي غير متوفرة، والأوضاع الاقتصادية تسير من سيئ إلى أسوأ، وتكاليف المعيشة تزداد مع استمرار انهيار الليرة السورية، والمؤتمر الثامن لم ولن يستطيع حل كافة هذه المشكلات؛ لأنه لا يملك القدرة على ذلك، ولا يملك أيضًا السلطة اللازمة لحلها.
وهنا تبرز حقيقة المقولة التي أطلقها مصطفى طلاس مؤخرًا في تصريحه لمجلة ديرشبيغل الألمانية حين قال: «عندما يقول رئيسنا لأحد ما انقلع فسيذهب حتمًا، فالذي يقول لا للرئيس يطاح برأسه»، إذن لماذا تعقد المؤتمرات؟