; نظرة في إشكالية التحول الديمقراطي.. معركة الاستقلال الثاني | مجلة المجتمع

العنوان نظرة في إشكالية التحول الديمقراطي.. معركة الاستقلال الثاني

الكاتب د. نجيب عاشوري

تاريخ النشر السبت 06-أكتوبر-2001

مشاهدات 54

نشر في العدد 1471

نشر في الصفحة 66

السبت 06-أكتوبر-2001

يبدو واضحًا انسداد الطريق نحو إرساء ديمقراطية حقيقية بالاعتماد على حسن نوايا بعض الأنظمة، واتباعًا لما تسميه بسياسة التدرج، وديمقراطية الخطوة خطوة، أو القطرة قطرة.. إلخ.

ويتضح كذلك -على الأقل حتى الآنعدم فاعلية النضالات التي تبذلها الأطراف السياسية المنفردة التي ترفع شعارات فرض الحريات وه إرساء التداول السلمي على السلطة، وفشلها في الوصول إلى ما تطمح إليه ذلك أنها جوبهت بقوة قمع الدولة وإرهابها، وبإصرار واضح من الحكومات على الاحتفاظ بالسلطة وتوريثها للأبناء... رغم لافتات الجمهورية والشعبية وحتى الديمقراطية التي ترفعها.

وقد بات من المجمع عليه أن الخلاص من الديكتاتورية، وضمان كرامة الشعوب وإرجاع قرارها إليها، لم يعد شرطًا ضروريًا ولازمًا لتحقيق التقدم والنمو فحسب، بل بات شرطًا لمجرد البقاء على قيد الحياةفالشعوب التي ستظل محكومة بمثل تلك الأنظمة المستبدة لن يكون لها أي أمل في الاستمرار مستقبلًا في ظل التحولات التي يشهدها العالم.

- وعليه، فإن معركة التحول الديمقراطي تغدو صراع وجود بالنسبة للشعوب المبتلاه بالاستبداد، فهي بهذا الاعتبار لا تقل أهمية وشراسة أحيانًا، عن معارك التحرر الوطني حتى إن بعض النشطاء البارزين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان في تونس أطلق عليها تسمية معركة الاستقلال الثاني. د. منصف المرزوقي وهذا يدفعنا إلى استعادة العوامل التي تمكنت بها الشعوب العربية من افتكاك استقلالها والخلاص من ربقة الاستعمار المباشر.

أهم هذه العوامل العامل العقائدي والشعور الإسلامي، الذي مثل المحرك الرئيس إن لم يكن لكل النخب فلأوسعها اعتقادًا أو انتهازًا وكانأيضا المحرك لأوسع الجماهير والدافع الأساسيللمقاتلين حيثما كان هناك قتال، وذلك في أرجاءالعالم الإسلامي قاطبة، حيث حمل هؤلاء دوما لقب المجاهدين»، وتحلى من قتل منهم بوسام الشهادةهذا العامل الإسلامي تم الالتفاف عليه تاليًا بعد تحقيق الاستقلال، ومن الواضح أن الفوز في معركة التحول الديمقراطي، والسيطرة على الماكينات الرهيبة للدول الحديثة، وتدجينها لفائدة الشعوب لن يكون ممكنًا دون تفعيل نفس العامل الأساسي الذي لعب الدور المحوري في معارك التحرر الوطني.

غير أن تفعيل هذا العامل لتحقيق هذا الغرض لن يكون بنفس القدر من السهولة التي أمكن بها تفعيله سابقًا، نظرًا لحجم المجهود الفكري والعملي الذي يجب علينا بذله للوصول إلى هذه الغاية، ولتراكم التجارب المريرة لمختلف الحركات الإسلامية في هذا الإطار.

ومع ذلك، يبقى دور الحركة الإسلامية محوريًا بسبب طابعها العقائدي المتناغم والمتساوق مع الشعور العام، وامتدادها الجماهيري الذي يمنحها قدرة على الحركةلا تتوافر لغيرها من التيارات بنفس القدر.

وهي لن تتمكن مع ذلك من القيام بهذا الدور منفردة أبدًابل الواجب أن تسعى إلى أن تكون مركز جذب لكافة القوى السياسية والاجتماعية، أو لأغلبها مركز جذب قويًا وفاعلًا، لديه القدرة على لم شمل النخب على اختلاف ميولها وتوجهاتها وتوجيه عامة الناس إلى ذات الهدف

وقد أسلفنا في مقال سابق أن أي تكتل مؤقت ذي أهداف محدودة يظل غير ذي جدوى.

ومن البديهي أن أي تكتل استراتيجي، ذي أهداف سياسية واضحة وحازمة، لن يمكن د تحقيقه إلا إذا أجمعت مختلف القوى السياسية والاجتماعية على هذه الأهدافوتحلت بالإصرار والنفس الطويل لفرضها.

ولن يحدث هذا الإجماع المأمول دون مراجعات ضرورية للأسس الفكرية المجمل القوى الفاعلة على الساحة وتقع على عاتق الحركة الإسلامية ضرورة المبادرة إلى القيام بهذه المراجعات، أو بالأحرى المضي فيها إلى مداها، لأنها قد بدأت فعلًا منذ أكثر من عقدين.

وهدف هذه المراجعات هو الوصول إلى ولادة ديمقراطية إسلامية متميزة، تشكل قوة مستوعبة للتجربة الحديثة في الإطار الإسلاميقوة تتموقع بين النخب الخائفة والمتوجسة من التيار الإسلامي من جهة وبين الجماهير التائقة إلى التحرر من جهة أخرى تتقدم باجتهاد سياسي قائم على أسس واضحة، ذات مرونة فكرية تمنحها القدرة على التجميع والتأليف، مع احترامالاختلافات والتباينات.

وللوصول إلى مثل هذا الهدف علينا النظر في بعض المسلمات في الفكر الإسلامي الحديث، ومنها مسلمة الفصل بين الأصيل الإسلامي، والدخيل الغربي» هذا «الدخيل» الذي أصبح يضم أغلب القوى غير الإسلامية، وجزءًا مقدرًا من الجماهير بوعي منها أو بغير وعي، وأدى هذا التصور للمجتمع إلى شيوع التوجس والتخوف والريبة وشكل حتى الآن حاجزًا أمام أي تكتل جدي للقوى الإسلامية مع القوى غير الإسلامية في المجتمع.

وبالطبع فإن لدى القوى الإسلامية هي الأخرى أسباباً لتبادل الريبة بالريبة، والتوجس بالتوجس غير أننا الآن بصدد ما يجب فعله من جانبنا، لرفع هذه الحواجز، وصولًا إلى تشكيل هذا التكتلالمأمول.

 هذا التصور الآنف ذكره للمجتمع حري بالمراجعة، نظرًا لتسارع وتجذر عملية التبادل الثقافي والحضاري والبشري بين العالم الإسلامي والغربفقد بات المسلمون يشكلون، ولأول مرة في تاريخهم جزءًا لا يتجزأ من البنية الاجتماعية للغربووجودهم فيه يتجه نحو الزيادة والاستقرار، ولا يمكن مقارنة وضعهم الحالي بما كانوا عليه في أي زمن مضى، ولا حتى بوضعهم قبل عقدين أو ثلاثة عقودوهو وجود يزداد فاعلية وتأثيرًا في الواقع الغربي في المجالات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية، وإن بخطى وئيدةولا شك أن هذا التأثير سوف تنتج عنه تحولات عميقة في المستقبللقد صار «الآخر» مساكنًا لنا، كما أننا صرنا متداخلين معه في عقر داره.

 

الرابط المختصر :