العنوان نعم.. أنا آتٍ يا فلسطين
الكاتب عبدالمجيد حسين
تاريخ النشر الجمعة 16-يوليو-2004
مشاهدات 68
نشر في العدد 1609
نشر في الصفحة 32
الجمعة 16-يوليو-2004
وُلدتُ على ثرى فلسطين الغالية، ورضعت حليب أمّي الذي اعتصرته ممّا أنبتتْ أرض فلسطين الطّاهرة، فتكوَّن لحمي ودمي وعظمي من خيرات بلادي، واختلط حبُّ فلسطين بدمي وكياني وكلِّ ذرَّةٍ وخليَّةٍ في جسمي.. فأنا ابن فلسطين.. وأنا فلسطين تمشي على الأرض مجبولةً في كلُّ عصبٍ وعرقٍ وعضلٍ في جسمي.
ترعرعتُ على أرض فلسطين وسرى حبُّها في قلبي سريان الدَّم في العروق ذهبتُ إلى المدرسة وتعلَّمت النَّشيد وتلمَّستْ أناملي الرقيقة القلم فإذا بها ترسم شيئًا عجيبًا ...خريطة فلسطين.. وكيف لا؟! وهي معجونةٌ من طينة هذه الأرض.. ألا تذكر نشيد الصَّباح؟ بلی!!
بلادنا بلادنا
من أجلها جهادنا
من أجلها استشهادنا
بلادنا بلادنا
الكرمل(۱) المعطر
والساحل المخضوضر
والموز والصنوبر
والبرتقال المزهر
وما بنى أجدادنا
بلادنا بلادنا
من رفح الصفد
خريطة لبلدي
رسمتها في كبدي
أورثتها لولدي
فهللت أمجادنا
بلادنا بلادنا
إذن فهذه خريطة فلسطين مرسومةٌ في كبدي مطبوعةٌ في جينات كلِّ خليَّةٍ في جسمي.. ورثتها عن آبائي وأجدادي... فلا عجب أن تنساب أناملي ترسم هذه الخريطة، تتلمَّسها، وتضع كلَّ مدينةٍ في مكانها الصّحيح... في القلب قبل أن تضعها على الورق فها هي خريطتنا من النّهر إلى البحر، ومن رفح لصفد ... كيف لا؟! وقد روتها دماء شهدائنا على مرِّ العصور وحضرت في كلِّ مكانٍ منها دربًا من الدٍّماء ينير لنا الطريق حتى لا نضلَّ طريقنا ... فلا شبرٌ ولا حبَّة ترابً من أرض فلسطين يعقُّ شهداءه وأبناءه البررة الذين روتْ دماؤهم هذه الأرض الطّاهرة كانتْ نكبة ٤٨ جرحًا غائرًا قطع أوصال الأمِّ وفصل أبناءها عن بعضهم البعض... فمنهم من بقي موصولًا بالأمِّ الجريحة يلعق آلامه وجراحه لعلَّ الزّمن يداويها ورفض الفراق لأنّه ظنَّ أنّه قرين الموت فكيف تنزع فلسطين من نفسك وأنت نفسك فلسطين؟!! وآثر البعض ألم الفراق لعلّه يستردّ عافيته ويعود يومًا ليتَّصل بشريان قلب الأمِّ يضخُّ فيه ماء الحياة فتعود الرُّوح إلى الجسد فينفض ململمًا جراحه ويعود الفرع إلى أصله الذي نبت منه وترعرع.
هكذا دارتْ بنا الأيام وتفرَّقنا في بلاد الله الواسعة ولكنّ الحنين يذكرنا بمرابع الطُّفولة وذكريات الأرض السلبيَّة ... كانتْ نكسة ٦٧كابوسًا مرعبًا على الطريق لنعلم أنّ الطريق الذي سلكناه كان خاطئًا .. ففلسطين عروسٌ مهرها الدّماء وليس الجعجعة بلا طحين. جيناتٍ نقيَّةٍ ولكنّ الأجساد التي تكوَّنتْ من تربة فلسطين الطّاهرة، حملتْ تلك الجينات النقيّة التي تلهج بحبّ الخالق الذي بارك هذه الأرض. ونقلتْها إلى أبنائها وأحفادها فاشتغلتْ بحبّ الحياة.. بحب الأرض الذي يسري في سويداء القلب، فكان لابدّ أن يلتقي الحبيب بالمحبوب فسالتِ الدّماء زكيّةً طاهرةً كطهارة الأرض التي نبتت فيها لتدشّن انتفاضة شعبنا في عام ۱۹۸۷م. وكانتِ الأرض عطشى بعد طول انتظارً فاهتزّتْ طربًا وربتْ كيف لا ؟! وقد وجد الشعب الطريق وعبقتِ الأرض برائحة المسك تصعد إلى السّماء... إلى جنّة الخلد تزفُّ أرواح الشهداء إلى بارئها ... تبارك النّهج السّليم. استيقظت الأمّة ودبّ فيها نبض الحياة وانتقلتْ الانتفاضة من غزّة إلى الضفة وسرى في الأمًة كلها روح الجهاد وتزاحم الفتيان كلٌّ يريد شرف السبق إلى جنّةٍ عرضها السموات والأرض ... فإذا الكلُّ يريد نيل الشهادة.. شهادة التفوّق في حبّ الله ثم حبّ فلسطين.
توالتْ قوافل الشهداء، وأقضتْ مضاجع العدوّ، فهو يرى الآن ولأول مرةٍ نوعًا مختلفًا من البشر ... الأفعال قبل الأقوال... والدماء رخيصةٌ في سبيل الله ثم في سبيل العروس الغالية ... ولكنّ العروس تطلب المزيد والكلُّ يُمنِّي نفسه بالقرب والوصال... أفلستْ خطط العدوّ وأفكاره ولم يعد ينفعه القمع أو التهديد ولا الحصار أو التنكيل... فقد نبتتْ شجرة الحياة فوق أرض فلسطين واشتدّ عودها وتعمّقت جذورها وأصبح من الصعب اقتلاعها، فالأرض أرض الأنبياء والزرع زرع الأتقياء والريّ دم الشهداء فلا غرو أن رائحة المسك عبقتْ في الآفاق تنشر روح الجهاد والاستشهاد في جميع الأصقاع، وتدافعتْ قوافل الشهداء من كل الأعمار ترنو بروحها إلى الجنة فسقط الأطفال والصغار والكبار والكهول والنساء... وسقط القادة الميدانيّون ليقدموا أرواحهم قرابين للشهادة فكان أن اشتعلت الأرض ثورةً وغضبًا... فهد يحيى عياش يعيش في ضمير الأمّة يريد الجميع أن يثأر لدمه ويلحق به في ركب الشهداء، وهذا إبراهيم المقادمة يبشّر أهله بلقاء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وهذا الجبل الشامخ صلاح شحادة، لا يصل إليه العدوّ إلا بعد أن يهدم عمارة كاملة على من فيها ... أمّا ريم الرياشي وما أدراك ما ريم؟!!
الظبية ابنة الثالثة والعشرين التي لم يمض على زواجها إلا سنواتٍ قليلةً تركتْ طفلين أكبرهما في الثالثة وذهبتْ لتفجّر نفسها في عدوّ الله وعدوّ الأرض، لعل هذه الأمّة تتحرك وتتقدّم.
قائد المسيرة:
وها هو قائد المسيرة يمدها بنفحاتٍ ربانيةٍ. ولمساتٍ إيمانيّةٍ تباركها العناية الإلهية تقودها إلى الطريق الصحيح. إنه الشيخ الشهيد أحمد ياسين، شيخٌ قعيدٌ أحيا الأمّة ورفع راية الجهاد وتمنى على الله الشهادة ... لم يتمنَّ منصبًا أو جاهًا أو وزارةً... التصق بكرسيّه المتحرك ليصعد به إلى السماء وليس كمن التصقوا بالكراسي فهوتْ بهم إلى أسفل سافلين وها هو البطل الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي أسد الجهاد يلتحق بركب الشهداء. بعد أن اغتالته يد الغدر والخيانة، مقدّمًا روحه رخيصةً في سبيل الله ثم في سبيل فلسطين. ولكن هل انتهت المسيرة؟ كلا... فالأقصى الجريح يئنُّ والقدس الأسيرة تنادي وتفتّش عن بطلٍ... والأرض العطشى تطلب المزيد من دماء الشهداء حتى تظلّ شجرة الحياة يانعةً إلى أن يتمّ تحرير الأرض وفكّ الأسير وترتفع رّايات التوحيد من فوق مآذن الأقصى.
القدس تفتّش عن بطلٍ *** باع الدنيا حفظ العهدا
القدس تنادي غاضبةً *** وتريد الجيش المحتشدا
القدس تفتّش عن بطلٍ *** كصلاح يهديها المجدا
القدس حبيبتنا تبكي *** وتعاتبنا فردًا فردًا
من يملك ردًّا يقنعها *** والأقصى ينتظر الردّا (۲)
فأين أنت يا ابن فلسطين الذي مُزجتْ روحك بحبّ الأقصى؟.. فهلّا تقدمتَ؟ فلسطين تناديك والأقصى يستصرخك .. هلّا رجعت الجواب، ولبّيت النداء، وقلت نعم.. نعم يا فلسطين.. أنا ابن فلسطين.. أنا أت يا فلسطين.
هموم أهل القدس:
سياسة العدوّ الصهيونيّ في القدس تستهدف المقدّسات، كما تستهدف الإنسان والأرض والحضارة؛ حيث أغلق على مدى السنوات القليلة الماضية ما يقرب من ثلاثين مؤسسةً مقدسيّةً ثقافيّةً واجتماعيّةً وتربويّةً، إضافةً إلى هدم مئات المنازل بدعوى مخالفة اشتراطات البناء، وقبل ذلك وبعده الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى، ومنع الصلاة فيه إلا للمقدسيّين فقط، ولمن تزيد أعمارهم على أربعين عامًا، إضافةً إلى سحب هويّات العشرات منهم أسبوعيًا حتى لا يعودوا للصلاة فيه. همومٌ كثيرةٌ تثقل كاهل المقدسيّين الذين أتيحت لي فرصة لقاء بعضهم على هامش الملتقى الأول للهيئات العاملة للقدس الشريف، الذي عقد في الفترة من ٢٣. ٢٥ يونيو بالعاصمة اللّبنانية بيروت. إذا سألتَ أحدهم عن أحوال أهلنا في القدس المحتلّة، سرد لك العديد من أشكال المعاناة التي يعانون منها، والمضايقات التي يتعرضون لها علي يد
سلطات الاحتلال الغاصب. الهموم والقضايا التي تشغل بال المقدسيين كثيرة ومنها: انتهاج العدوّ سياسة سحب الهويّات التي أدّتْ إلى فقد مئات الأسر حقّها في الإقامة بمدينتهم بدعوى أنهم يقيمون خارج الحدود البلديّة المصطنعة، أي في أحياءٍ وضواحٍ يصنّفها العدوّ تابعةً للضفّة الغربيّة رغم وقوعها ضمن حدود أمانة القدس قبل الاحتلال الصهيوني لها في عام ١٩٦٧م.
تعطیل معاملات لمّ شمل الأسر المقدسية التي يكون فيها أحد الزوجين مقدسيًّا والآخر من مناطق الضفة الغربية وغزة، أو من الدول العربية.
تعطيل تراخيص البناء، ووضع رسومٍ مجحفةٍ تزيد على ٣٥ ألف دولار لاستصدار رخصة بناء لبيتٍ صغيرٍ، وإذا حصل المقدسيّ على ترخيص البناء فبعد عدة سنواتٍ من تقديمه الأوراق.
إقدام سلطات الاحتلال على هدم مئات المنازل، وإرسال إخطارات هدم المئات الأخرى، إضافةً إلى سياسة مصادرة أراضي المقدسيّين وتحرير العشرات من مخالفات البناء لأهل القدس لمنعهم من الإقدام على بناء المساكن. الضرائب التي تثقل كاهلهم وخصوصًا ضريبة «الأرنونا» أو ما يعرف بالمسقفات وهى ضريبةٌ إسرائيليّةٌ تُفرض على المساكن والمحال التجارية في القدس الغربية حيث الأغلبية الإسرائيلية التي تتمتّع بالعديد من الخدمات والامتيازات والإعفاءات الضريبية، كما تفرض على سكان القدس الشرقية حيث الأغلبية العربية التي تعاني الاضطهاد والتضييق في سبل الحياة، دون مراعاةٍ للفروق الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية. وقد تسببت الضرائب الباهظة التي فُرضت على المقدسيّين في دفع أكثر من ٢٥٠ تاجرًا في البلدة القديمة من القدس إلى إغلاق محلّاتهم بعد أن تعرّض بعضهم للملاحقة، والبعض الآخر إلى حجز الموجودات بمحلاتهم ومصادرتها، أو الحجز على حساباتهم في البنوك، بدعوى أنّ عليهم ديونًا مستحقَّةً بمئات الآلاف من الشواكل لسلطات البلدية والضرائب، إضافةً إلى الاعتقالات ثم المحاكمات الظالمة التي انتهت ببعضهم إلى سجون الاحتلال دفعت هذه الممارسات التي يقوم بها الاحتلال العديد من التجار إلى ترك مهنهم والتحول إلى أُجَراءٍ أو عُمّالٍ في مصانع وشركات العدو الإسرائيلي، كي يستطيعوا توفير لقمة العيش لهم ولأسرهم. سياسة الاحتلال الصهيوني تسعى إلى تهجير المقدسيّين عن مدينتهم، واقتلاعهم من أراضيهم طوعًا أو كرهًا لإتمام عملية تهويد المدينة والسيطرة عليها، فماذا نحن فاعلون؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل