; نعم.. إنها هجمة طائفية | مجلة المجتمع

العنوان نعم.. إنها هجمة طائفية

الكاتب عبد الرحمن الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1985

مشاهدات 52

نشر في العدد 721

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 11-يونيو-1985

  • مساعد نبيه بريداود الداود يقول: إن حرب المخيمات في بيروت إنما هي ثأر لمقتل الإمام الحسين

 شاهدت حين متابعتي للأخبار التلفزيونية المصورة، مقتطفات من شريط تلفزيوني نقل للمشاهدين صورًا من داخل مخيمات صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، فهالني ما رأيت، واستصغرت عندها من شأن كل الأخبار التي تناقلتها وكالات الأنباء عن الحرب القذرة، التي تشنها حركة أمل ضد المخيمات الفلسطينية، فصورة واحدة مما عرضته الأخبار المصورة كافية لبيان حقيقة وحجم المأساة التي يتعرض لها إخواننا الفلسطينيون في المخيمات، جثث تكدست فوق بعضها البعض، وذباب يتطاير حول هذه الجثث.. وسيارات شاحنة تلقى فيها الجثث لتحمل إلى حيث تدفن في قبور جماعية.. وأطفال حفاة عراة ينظرون من عيون جامدة لم تعد تسمح بدمعة حزن تبلل وجوههم الشاحبة من سوء التغذية.. ونساء يبحثن عن جثث أزواجهن وأبنائهن وهن يصرخن. لماذا جرى ما جرى؟ وماذا فعلنا؟ هل نحن اليهود؟ أين المسلمون قاتلكم الله؟ رددت في نفسي وأنا أتابع شريط المأساة قول تلك المرأة الفلسطينية المفجوعة: لماذا جرى ما جرى؟

  • ممن الانتقام ولمن؟

 ومع صبيحة كل يوم كنت أردد ذات السؤال، لأن الصورة المأساوية لأحداث المخيمات كانت قد اندمجت في كياني كله، وتبينت الإجابة في صبيحة اليوم الثاني من الشهر الجاري حين وقعت عيناي على خبر صغير نقلته وكالات الأنباء ينطوي على ما نصه:

 «قال داود الداود أحد زعماء حركة أمل في خطبة الجمعة التي ألقاها في أحد مساجد الجنوب اللبناني: إن ما يحدث من مجازر في المخيمات الفلسطينية في بيروت إنما هو ثأر لمقتل الإمام الحسين»، وحين يقول هذا الداود ما يقول فإنه لا يعبر عن رأيه الخاص لأنه من موقع المسؤولية الذي يتصدى له إنما يعبر عن توجهات حركة أمل.. هذه التوجهات القائمة على إثارة النوازع الطائفية لضمان تأييد أبناء الطائفة الشيعية في لبنان وربما خارج لبنان.. والواضح أن قيادة أمل نجحت في ذلك وتمكنت من استقطاب معظم أبناء الطائفة الشيعية وبخاصة في الجنوب اللبناني، والتوسع الكمي في مليشياتها العسكرية يثبت وبشكل قاطع على نجاح المخطط الذي رسمته حركة أمل لاستيعاب العنصر الشيعي اللبناني.. ومن هنا فإن مقولة الداود عن الانتقام لمقتل الحسين أثارت في نفوس معظم أبناء الطائفة الشيعية المخزون التاريخي الذي توارثه الأبناء عن الآباء، ووجهوا هذا المخزون باتجاه ممارسة عملية الانتقام كما صورتها قيادة أمل لهم.

لماذا أسندت المهمة إلى أمل؟ 

 مع بداية الهجمة الطائفية القذرة التي شنتها مليشيات أمل ضد مخيمات اللاجئين، حاولت بعض وسائل الإعلام العربية أن تصور الأمر على أنه صراع سياسي وأن الهجوم كان وسيلة دفاعية لمنع أنصار ياسر عرفات من العودة إلى لبنان.. إلى آخر هذه المقولات والادعاءات التي بثتها هذه الوسائل الإعلامية، والملاحظ هنا أن كافة الوسائل الإعلامية سواء العربية منها أو العالمية أقرت بأن سوريا هي التي أعطت الضوء الأخضر لمليشيات أمل لتنفيذ ضربتها ضد المخيمات، ولكن هذه الوسائل الإعلامية لم تسأل نفسها لماذا اختارت سوريا أمل بالذات، ولماذا أسندت هذه المهمة القذرة إلى مليشيات أمل من دون كافة القوى الأخرى الموجودة على الساحة اللبنانية؟

  • من المؤكد أن الجانب الطائفي كان له الأولوية في مسألة اختيار أمل لهذه المهمة. فمن المعروف أن حركة أمل تربطها بسوريا بشكل أو بآخر روابط طائفية لا نعتقد أنها تخفى على أحد، ومن هنا فإن لسوريا في نفوس أبناء الطائفة الشيعية في لبنان تقديرًا خاصًا، لذلك فإن المصالح البعيدة لكل منهما سواء داخل الأرض اللبنانية وخارجها تتفق اتفاقًا تامًا، ومن أجل هذا كان اختيار سوريا لحركة أمل.

- ومن ناحية ثانية يمكن القول إن الأهداف البعيدة لكل من سوريا وأمل في لبنان وغير لبنان، يتعثر الوصول إليها ما دامت القوة الفلسطينية المسلحة متواجدة فوق الأرض اللبنانية، ولهذا كان الاتفاق بين سوريا وأمل على إزاحة هذه القوة من طريقهما.

- تميزت نشأة حركة أمل قبل عشر سنوات بالمنطلقات الطائفية، فمؤسسها مرجع من مراجع الطائفة هو الإمام موسى الصدر الذي كون الحركة من خلال المجلس الأعلى للطائفة «المجلس الشيعي الأعلى» الذي شكله الإمام. وإنشاء الحركة قبل عشر سنوات كان ردًا على التواجد الفلسطيني الكثيف في الجنوب، حيث يعتبر الشيعة أن هذه المنطقة الجنوبية هي منطقتهم، وبالتالي فإن التواجد الفلسطيني الكثيف والذي ينتمي لأهل السنة، من شأنه أن يشكل خللًا في التركيبة السكانية الشيعية، أو بالأحرى ومن خلال منطقهم الطائفي فإن هذا التواجد الفلسطيني السني يشكل خطرًا على المخططات الشيعية المستقبلية، ومن هنا فإن الرفض الشيعي للتواجد الفلسطيني لم يكن آنيًا كما يتوهم البعض، بل هو رفض تاريخي يتعلق بمجمل الاتجاهات الطائفية، وإلى هذا كان يشير مساعد نبيه بري داود الداود حين قال «إن ما يجري في المخيمات إنما هو ثأر لمقتل الإمام الحسين».

- ولا بد هنا أيضًا أن نذكر بمحاولات حركة أمل للهمينة على بيروت الغربية المعقل الرئيسي لأهل السنة، حيث كان آخرها الهجمة الباطنية التي أقدمت عليها بحجة ضرب تنظيم «المرابطون»، وكان من نتيجتها أن تمكنت من الاستيلاء على أجزاء كبيرة من بيروت، بحيث لم يعد لسكانها السنة أن يمارسوا أي دور إيجابي على الساحة اللبنانية.. وتأتي اليوم لتضرب المخيمات الفلسطينية للإجهاز على ما تبقى من القوة السنية في لبنان.

نعم.. إنها هجمة طائفية

 إن ما ذكرناه يؤكد على الاتجاه الطائفي لحركة أمل، ويؤكد أيضًا على أن الهجمة القذرة التي تشنها مليشيات حركة أمل الشيعية على المخيمات الفلسطينية، هي هجمة طائفية الشكل وطائفية المضمون وطائفية الأهداف و... وما كنا نود أن يأتي اليوم الذي تكشف فيه الأوراق الطائفية لحركة أمل بهذا القدر وفقًا لكل ما من شأنه أن يثير نزعة طائفية هنا أو هناك، ولكن ما يجري من سفك دماء وهتك أعراض وسلب أموال وهدم ممتلكات وتشريد رجال ونساء وأطفال، كل هذا لا يسمح لنا أن نقف ساكتين ندفن رؤوسنا في الرمال لنظهر أمام الآخرين بأننا ضد الطائفية.. نعم إننا ضد الطائفية ولكننا أيضًا ضد من يحاول استغفالنا تحت هذا الشعار.. لقد وجدت امرأة عمورية من يستجيب لصرختها حين قالت وا معتصماه... واليوم وبسلاح الكلمة نستجيب لصرخات مئات وألوف النساء المسلمات من سكان المخيمات وبيروت الغربية وطرابلس.. لنبين من خلالها الحق الذي ما وجد معتصمًا يلبي نداءه.. ونفضح الباطل الذي وجد ألف وألف شيطان يذود عنه.

 لقد مضى على حرب المخيمات أكثر من ثلاثة أسابيع كان من الممكن ومنذ بدايتها أن يخرج زعماء الطائفة الشيعية في لبنان قبلان وشمس الدين وفضل الله.. ليبينوا لأبناء طائفتهم أن ما يفعله بري ومليشياته مرفوض، وكل من يشارك فيه خارج عن إرادة الطائفة... و... و... وكان هذا بإمكانهم حسب ما نعلم من قوة نفوذهم بين أبناء طائفتهم، ولكن للأسف لم نسمع منهم وبعد مرور أيام وأيام سوى بعض الكلمات الباهتة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ما سمعنا من بعضهم فقط سوى بعض الاستنكارات الإعلامية، وبعض النداءات الخافتة التي لم يراد لها أن تصل إلى أسماع بري ومليشياته.. هذا في لبنان أما في إيران حيث المراجع الشيعية الأعلى ابتداءً بالإمام الخميني وانتهاءً بأصغر مرجع في قم فلم نسمع أيضًا سوى بعض الرجاء بالكف عن اقتتال الإخوة.. ويتم هذا بعد أيام وأيام من القصف والقنص والنسف.. أليس عجيبًا أو مثيرًا للدهشة والاستغراب ألا تتمكن إيران من فعل أي شيء لوقف هذه المجازر وهي صاحبة الكلمة الأولى عند أبناء الطائفة الشيعية في العالم كله؟! ماذا يمكن أن يفعل وفدها البسيط الذي أرسلته إلى دمشق بعد أسبوعين من المجازر سقط خلالها المئات والمئات.. ألا يدعو هذا كله إلى تسرب روح الشك في نفوسنا بأنه لا يوجد لديهم رغبة حقيقية بالضرب على يد نبيه بري، وإرغامه على وقف المجازر؟

أليس الساكت عن الحق شيطان أخرس؟

الرابط المختصر :