العنوان نفحات الحج.. وتضرعات الحجيج
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 06-ديسمبر-2008
مشاهدات 66
نشر في العدد 1830
نشر في الصفحة 41
السبت 06-ديسمبر-2008
عبق التلبية، ورحمانية النفحات وفيوضات البيت العتيق، ورحيق «زمزم» حول بيت طهور الساح والعرصات، وجموع الحجيج من كل بقعة؛ قد انتهوا بساح البيت التي يدين لها العاني من جموع الجبهات:
وأنت ولي العفو فامح بناصع
من الصفح ما سودت من الصفحات
ومن تضحك الدنيا إليه فيغترر
يمت كقتيل الغيد بالبسمات
أريج التلبية يجلجل في رحاب البيت وجنبات «عرفات»، ويردده كل مخلوق على وجه البسيطة، تقديرًا واحترامًا لجلال الله، وقاصد البيت، والساعي إلى «عرفات»، ولهذا جاء الدعاء المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، في يوم عرفة، تفريجًا للكروب، ومغفرةً للذنوب، وشفًاء للقلوب وجلًاء للصدور، يدعو به كل متشوق وقاصد، وزائر قائلًا:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم أجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي لساني نورًا.. اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري»، وليقل: «اللهم رب الحمد، لك الحمد كما نقول وخيرًا مما نقول، لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي وإليك ثوابي.. اللهم إني أعوذ بك من وساوس الصدر، وشتات الأمر، وعذاب القبر.. اللهم، إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، ومن شر ما يلج في النهار، ومن شر ما تهب به الرياح، ومن شر بوائق الدهر.. اللهم، إني أعوذ بك من تحوُّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.. اللهم، اهدني بالهدى واغفر لي في الآخرة والأولى، يا خير مقصود، وأسنى منزول به وأكرم مسؤول.. أعطني العشية أفضل ما أعطيت أحدًا من خلقك وحجاج بيتك يا أرحم الراحمين.. اللهم، يا رفيع الدرجات، ومنزل البركات، ويا فاطر الأرضين والسموات، ضجت إليك الأصوات بصنوف اللغات يسألونك الحاجات وحاجتي إليك ألا تنساني في دار البلاء إذا نسيني أهل الدنيا.. اللهم، إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته، وذل لك جسده ورغم لك أنفه.. اللهم، لا تجعلني بدعائك رب شقيًا، وكن بي رؤوفًا رحيمًا يا خير المسؤولين وأكرم المعطين.. إلهي من مدح لك نفسه فإني لائم نفسي.. إلهي، أخرست المعاصي لساني فمالي وسيلة عن عمل، ولا شفيع سوى الأمل.. إلهي، إني أعلم أن ذنوبي لم تبق لي عندك جاهًا، ولا للاعتذار وجهًا، ولكنك أكرم الأكرمين.. إلهي، إن لم أكن أهلًا أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني، ورحمتك وسعت كل شيء، وأنا شيء.. إلهي، إن ذنوبي وإن كانت عظامًا صغار في جنب عفوك؛ فاغفرها لي يا كريم.. إلهي، أنت أنت، وأنا أنا، أنا العّواد إلى الذنوب، وأنت العواد إلى المغفرة.. إلهي، إن كنت لا ترحم إلا أهل طاعتك، فإلى من يفزع المذنبون! إلهي، تجنبت عن طاعتك عمدًا، وتوجهت إلى معصيتك قصدًا؛ فسبحانك ما أعظم حجتك علي! وأكرم عفوك عن! فبوجوب حجتك علي، وانقطاع حجتي عنك، وفقري إليك، وغناك عني إلا غفرت لي.. يا خير من دعاه داع، وأفضل من رجاه راج، بحرمة الإسلام وبذمة محمد عليه السلام أتوسل إليك، فاغفر لي جميع ذنوبي، واصرفني من موقفي هذا مقضي الحوائج، وهب لي ما سألت، وحقق رجائي فيما تمنيت.. إلهي، دعوتك بالدعاء الذي علمتنيه؛ فلا تحرمني الرجاء الذي عرفتنيه.. إلهي، ما أنت صانع العشية بعبد مقر لك بذنبه، خاشع لك بذلته، مستكين بجرمه، متضرع إليك من عمله، تائب إليك من اقترافه، مستغفر لك من ظلمه، مبتهل إليك في العفو عنه، طالب إليك نجاح حوائجه، راج إليك في موقفه مع كثرة ذنوبه.. فيا ملجأ كل حي، وولي كل مؤمن، من أحسن فبرحمتك يفوز، ومن أخطأ فبخطيئته يهلك.. اللهم، إليك خرجنا وبفنائك أنخنا، وإياك أملنا، وما عندك طلبنا، ولإحسانك تعرضنا، ورحمتك رجونا، ومن عذابك أشفقنا، وإليك بأثقال الذنوب هربنا ولبيتك الحرام حججنا.. يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر الصامتين، يا من ليس معه رب يُدعى، ويا من ليس فوقه خالق يُخشى، ويا من ليس له وزير يُؤتى، ولا حاجب يُرشى، يا من لا يزداد على كثرة السؤال إلا جودًا وكرمًا، وعلى كثرة الحوائج إلا تفضلًا وإحسانًا.. اللهم، إنك جعلت لكل ضيف قرى، ونحن أضيافك فاجعل قرانا منك الجنة.. اللهم، إن لكل وفد جائزة، ولكل زائر كرامة، ولكل سائل عطية، ولكل راج ثوابًا، ولكل ملتمس لما عندك جزًاء، ولكل مسترحم عندك رحمةً، ولكل راغب إليك زلفى، ولكل متوسل إليك عفوًا، وقد وفدنا إلى بيتك الحرام ووقفنا بهذه المشاعر العظام، وشهدنا هذه المشاهد الكرام، رجاء لما عندك؛ فلا تخيب رجاءنا. ووصيتنا بالعفو عمن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا وأنت أحق بالكرم؛ فاعف عنا.. ربنا اغفر لنا وارحمنا.. أنت مولانا ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا برحمتك عذاب النار» يا رب.. يا رب.