العنوان المجتمع التربوي (العدد 1529)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1529
نشر في الصفحة 48
السبت 30-نوفمبر-2002
وقفة تربوية
من قال هلك الناس
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم» رواه مسلم (٢٦٢٣) في البر والصلة، ويورد الإمام البغوي قول أبي سليمان الخطابي في شرح السنة (13/144) «معنى هذا: ألا يزال الرجل يعيب الناس، ويذكر مساويهم، ويقول: قد فسد الناس، وهلكوا ونحو ذلك من الكلام، وإذا فعل الرجل ذلك، فهو أهلكهم وأسوؤهم حالًا فيما يلحقه من الإثم في عيبهم، والإزراء بهم، وربما أدّاه ذلك إلى العجب بنفسه، ويرى أن له فضلًا عليهم، وأنه خير منهم فيهلك».
ويعلق الإمام المناوي في فيض القدير (1/378) على هذا الحديث بقوله: «ودلّت حاله على أنه يقول ذلك إعجابًا بنفسه، وتيهًا بعلمه أو عبادته، واستصغارًا بشأن الناس، وازدراء لما هم عليه «فهو أهلكهم»، بضم الكاف أشدهم هلاكًا، وأحقهم بالهلاك، أو أقربهم إليه، لذمه الناس، وذكره عيوبهم، وتكبره. ويفتحها أي فهو جعلهم هالكين، ألا أنهم هلكوا حقيقة، أو فهو أهلكهم لكونه أقنطهم عن رحمة الله، وأيأسهم من غفرانه».
هذا الحديث من أوضح الأحاديث التي تعرض نموذجًا من أصحاب التفكير السلبي،
بل الموغلين في هذا النوع من التفكير، الذي لا يرى إلا من خلال النظارة السوداء، ولا برى إلا الشر والهلاك، ولا يركز إلا على السلبيات، ولا يبصر أبدًا أي بصيص من نور أو أمل، ومن أمثال هؤلاء كثيرون يعيشون بيننا، بل حتى بين مجاميع الحركة الإسلامية، وكأن القرآن لم يتحدث أبدًا عن نصر المسلمين والتمكين لهم، وكأن الناس خلوا تمامًا من بذور الخير، والفِطرة السليمة.
ولقد بيّن العلماء -رضي الله عنهم- سبب قول النبي ﷺ «فهو أهلكهم» لما يظن أنه متميز عنهم، أو إبرازًا لدرجته وعلمه وعبادته، خاصة إذا لم يكن من أولئك العاملين في دعوة الآخرين إلى الخير، بل يكتفي بالنقد وهو واقف في طابور المتفرجين، ولعن الأيام والزمن والظروف والحكومات والناس أجمعين!
أبو خلّاد
تقبل الله منا ومنكم
قبول العمل.. أهميته.. أسبابه وعلاماته
من أهم أسبابه: الإخلاص.. اتباع السُنة وتقوى الله
من علاماته: المداومة عليه.. والتوفيق لعمل صالح بعده
محمد الصادق عبد المنعم
«تقبل الله منا ومنكم».. أيام قلائل ويعطر هذا الدعاء الآفاق، ويملأ الأجواء.. إنه شعار المسلمين وتحيتهم في أيام عيدهم. وإن دل ترديد المسلمين هذا الدعاء.. عقب فريضتين من فرائض الإسلام «الصيام والحج». إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية قبول العمل.. وليس هذا بغريب إن قبول العمل هو غاية كل مسلم وهو أساس الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة وللقبول أسباب ودواع حري بكل مسلم أن يحرص عليها، وما أجمل أن يكون دعاؤه دائمًا: ربنا تقبل منا إنك السمع العليم.. وتب علينا إنك انت التواب الرحيم.
أولًا: أهمية القبول:
معلوم أن الزارع يزرع ليحصد، وأن الطالب يذاكر لينجح، فماذا سيكون الحال إذا ذهب الزارع إلى حقله فإذا هو خراب يباب؟! ماذا سيكون شعوره حينئذ؟! إنه سيحزن حزنًا شديدًا، بل ربما ذهب عقله من شدة المفاجأة ووقع البلاء. وهكذا يكون شعور الطالب إذا ذاكر وأجتهد وسهر، ثم إذا به آخر العام يجد نفسه ويطالع اسمه في كشوف الراسبين! ويصور الحق -جل وعلا- ذلك تصويرًا جليًا في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ (الفرقان:23).
وقد وَرَد في الأثر أن سيدنا سليمان -عليه السلام- ركب الريح ذات يوم، ومن بحراث يحرث أرضه، فلما رآه الرجل قال: لقد أوتي الى داود ملكًا عظيمًا، فنزل سليمان -عليه السلام - عن بُساطه وقال: «يا عبد الله، لتسبيحة واحدة يقبلها الله -عز وجل- خير من الدنيا وما فيها»!
وورد في الأثر أن أبا الدرداء -رضي الله عنه- قال: «لو علمت أن الله -جل وعلا- يقبل مني ركعتين لكنت من أسعد الناس»، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٢٧).
ثانيًا: أسباب القبول:
هناك عدة أسباب للقبول، وردت -بشكل غير مباشر- في كتاب الله تعالى وفي سُنة الحبيب وكذلك في أقوال السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين، ويمكن تلخيصها في الآتي:
1- الإسلام: فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).
وعلى هذا فإن الكثير من موانع القبول، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ (آل عمران: 90 – 91).
2- الإخلاص: أما الشرط الثاني من شروط القبول فهو الإخلاص: فالله -عز وجل- هو أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ۱۱۰). وهناك آيات كثيرة تؤكد هذا المعنى كما أن سُنة المصطفى ﷺ أكدت هذا المعنى في مواضع عديدة، منها الحديث القدسي: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه» رواه مسلم.
وهذه السيدة «حنة بنت فاقوذا» -أم السيدة مريم عليها رضوان الله تعالى- قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (آل عمران: ٣٥)، ومعنى «محررًا»: أي: خالصًا لوجهك الكريم، ومنقطعًا لخدمة بيتك المقدس، فماذا كان جزاؤها؟ قال سبحانه: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (آل عمران: 37). كان جزاء إخلاصها أن تقبل الله تعالى نذرها. وعلى هذا فإن الشرك مُذهب للأجر، محيط للعمل، قال الله تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥).
وفي حديث الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة باب الغار، تقرب كل واحد منهم إلى الله تعالى بقربه، وكان يقول في آخر دعائه: «اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك الكريم فأفرج عنا ما نحن فيه»، فلما علم الله صدقهم وإخلاصهم فرج عنهم كريهم وقبل دعوتهم، وأخرجهم من الغار سالمين.
يقول ابن القيم رحمه الله: «العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا يثقله ولا ينفعه» «الفوائد - ص ٤٤». وهكذا فإن ثاني شروط القبول هو الإخلاص لله رب العالمين.
3- اتباع سُنة النبي ﷺ: الذي يأمره الله تعالى في كتابه الكريم بأن يقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران: 31)، فاتباع الرسول ﷺ من أسباب حب الله للعبد، ومن ثم قبول عمله وغفران ذنوبه، وهذا رسول الله ﷺ يقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم، ومعنی رد: أي مردود على صاحبه، غير مقبول.
4- تقوى الله: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ۲۷)، وأسلوب القصر المستخدم في هذه الآية الكريمة يدل على أن الله تعالى لا يتقبل عملًا إلا من عباده المتقين الذين يطيعونه وفي الوقت ذاته يخشونه ويخافون عذابه.
5- بر الوالدين: ويبدو هذا جليًا في قوله تعالى في سورة الأحقاف ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 15) حيث يقول الله تعالى بعدها: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (الاحقاف: 16)، فقد بيّن الله تعالى أنه يتقبل عمل أولئك الذين توافرت فيهم تلك الصفات التي سبقت الإشارة إليها في الآية السابقة، ويأتي على رأسها بر الوالدين والدعاء لهما.
6- مراعاة الوقت والأهمية: أو بالأدق مراعاة الأولويات، بمعنى أداء العمل الأهم فالمهم فالأقل أهمية ويبدو هذا جليًا في قول سيدنا أبي بكر موصيًا سيدنا عمر -رضي الله عنهما-: «اتق الله، واعلم أن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وأن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة».
7- صلاح هذا العمل: قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: ۱۰) ويرفعه أي يقبله.
8- عدم المن أو الإعجاب بالعمل: وهو أمر أدق من الإخلاص وأخفى، ويسميه ابن القيم -رحمه الله- «عدم شهود المنة»، قائلًا: «أنفع العمل أن يغيب عن الناس بالإخلاص، وعن نفسك بشهود المنة». وقريب من هذا أن المصلي يقول بعد فراغه من الصلاة: «استغفر الله» حتى لا يعجب بصلاته، بل إنه يحس بتقصيره، وأنه لم يوقها حقها.
علامات قبول العمل: ومن رحمة الله تعالى بأمة نبيه محمد ﷺ أنه أخفى عنها كثيرًا من علامات القبول، بل ربما كلها حتى لا يفخر أحد بعمله، ولذلك في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة المائدة: ٢٧)، نجد أن الفعل« تُقبل» جاء مبنيًا لما لم يسمّ فاعله -وهو الله تعالى- مما يؤكد أن القبول أمر غيبي، لا يستطيع أحد أن يجزم به، وأنه بيد الله تعالى وحده، وفي هذا رحمة وخير للعبد، حتى يظل جامعًا بين الخوف والرجاء معًا. وقد كان من علامات القبول في الأمم السابقة أن تنزل نار من السماء -مثلًا- فتأخذ القربان علامةُ على قبوله، أما بالنسبة لأمة محمد ﷺ فإنه يمكن استنباط بعض علامات القبول ومنها:
1- استجابة الدعاء: إذا كان هذا العمل دعاء - كما سبقت الإشارة، في حديث الثلاثة الذين سدت عليهم الصخرة باب الغار.
2- حب الناس للعبد وقبولهم له: ففي حديث قدسي: «إن الله تعالى إذا أحب فلانًا أمر جبريل عليه السلام بأن ينادي في أهل السماء: يا أهل السماء، إن الله تعالى يحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» رواه مسلم وما دام هذا العبد قد حظي بالقبول، فما من شك أن الله تعالى قابلٌ عمله، بفضله ومنّه جل وعلا.
3- التوفيق لعمل صالح بعده: من علامات قبول العمل ما جاء في الأثر، أن الله تعالى إذا قبل عمل عبد من عباده، وفقه إلى عمل صالح بعده. ويبدو هذا جليًا في عبادة الحج، يقول الحسن رضي الله عنه: «ومن علامات قبول الحج، أن يعود الحاج زاهدًا في الدنيا مُقبلًا على الآخرة».
4- المداومة على هذا العمل: إذ ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وما دام العمل لله فإن الله جل وعلا سيقبله برحمته، يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الشورى: 25).
5- الرضا بحكم الله وأوامره وقضائه وقدره: يقول جل شأنه عن عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: ۸) ومن رضي الله عنه قبل عمله القليل وبارك فيه وجزاء عنه الكثير.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح أعمالنا وأن يتجاوز عن سيئاتنا.. إنه نِعم المولى ونِعم النصير.
ماذا بعد رمضان؟
هدى المرداس
ما إن ينتهي رمضان.. وتغرب عنّا شمسه.. ويتوارى عنّا ظله.. ما إن يرحل الحبيب، حتى يعود كثير من الناس إلى ما ألفوه من معاصٍ وذنوب.. حتى كأنهم نشطوا من عقال.. أو كأنهم كانوا يرون شهر الصيام والتقوى ضيفًا ثقيلًا يحرمهم ملذاتهم وشهواتهم!
وإلى هؤلاء نقول: من كان يعبد رمضان.. فإن رمضان قد ولى وفات.. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
وينبغي عليهم أن يعلموا أن المعاصي سبب الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة.
يقول ابن القيم في كتابه «الجواب الكافي»: «فمما ينبغي أن يُعلم أن: الذنوب والمعاصي تضر، ولابد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي»؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع وأُبدل بالقرب بعدًا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحًا، وبالجنة نارًا تلظى، وبالإيمان كفرًا، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبرجل التسبيح والتقديس والتهليل رجل الكفر والشرك والكذب، والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحلّ عليه غضب الله تعالى فأهراه ومقته أكبر المقت فأرداه، فصار إمامًا لكل فاسق ومجرم، رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعًا ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم؟!.
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟.
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نُقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟.
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟.
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرًا؟.
وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بحث على بني إسرائيل أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذرية والنساء، ونهبوا الأموال؟!. وما الذي سلط عليهم أنواع العقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير»؟؟.
أجيبوني.. ما الذي فعل بهم ذلك كله؟ أليست هي الذنوب.. لقد صدق الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى: 30).