; نفحات ربانية .. الإخلاص.. سبيل الفلاح | مجلة المجتمع

العنوان نفحات ربانية .. الإخلاص.. سبيل الفلاح

الكاتب جعفر يوسف الحداد

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1997

مشاهدات 78

نشر في العدد 1249

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 13-مايو-1997

حصول الإخلاص في قلوب المؤمنين كان مطلبًا صعبًا على أهل السبق والفضل من القرون الأولى.

ذلك أن العمل إذا لم يكن صوابًا خالصًا لم يقبل عند الله سبحانه وتعالى، والمسلم العامل لا يزال يعاتب نفسه ويجاهد هواه حتى يخلص نيته لله رب العالمين فينجو حينًا ويكبر أحيانًا، وهكذا هي حياة المسلم وقد جاهد الصالحون جهادًا مريرًا بغية استخلاص العمل من الشوائب وتقديمه لله رب العالمين رجاء القبول حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: «لو أعلم أن الله قبل مني ركعتين لاسترحت» فهو على وجل وحذر من الله بألّا يقبل منه صالح عمله، فهم قوم لا يضيرهم أداء الطاعات والقربات إلى الله بقدر ما كان حرصهم على قبول هذه الطاعات عند الله سبحانه وتعالى.

فهذا سهل بن عبد الله يقول: «ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب».

وقال يوسف بن الحسين: «أعز شيء في الدنيا الإخلاص وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر»، فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته وتخليصها من الشوائب فوق اهتمامه بكل شيء لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوي، وقال الإمام ابن تيمية في كتابه «العبودية»: «كثيرًا ما يخالط النفوس من الشهوات الخفية ما يفسد عليها تحقيق محبتها لله وعبوديتها له وإخلاص دينها له، كما قال شداد بن أوس: «يا بقايا العرب يا بقايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية» وقيل لأبي داود السجستاني: وما الشهوة الخفية؟ قال: «حب الرئاسة».

طريقك إلى الإخلاص

وكما أن لكل داء دواء فإن لمرضى الرياء أدوية كذلك، غير أنه مما لا شك فيه أن علاج أمراض القلوب أشد على الإنسان من علاج أمراض الأبدان، فهذا هو سفيان الثوري رحمه الله يقول: «ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي»، لذلك رسم الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله لنا علاج الرياء والطريق إلى تمثل الأخلاق قولًا وعملًا في حياة المسلم فقال: «ولا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت».

 فإذا طلبت الإخلاص فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.

لذا فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يكثر في دعائه من قول: «اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهك خالصة ولا تجعل لأحد منها شيئًا» فإصلاح النيات وتحقيق الإخلاص هو غاية العمل وأساسه وإذا انهار الأساس انهار العمل وباد، ولولا شعور الصالحين بعمق هذا المفهوم لما كان هاجسهم وشدة إلحاحهم بالدعاء بأن يحقق الله لهم الإخلاص، بل تفننوا في تعميق هذا المفهوم الأصيل في قلوبهم اشتياقًا من قبول العمل الصالح لله رب العالمين حتى قال أحدهم: «من ظن أن في عمله إخلاصًا فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص».

 إنما يتعثر من لم يخلص

يقول الإمام ابن الجوزي: «إن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام، وإنما يقطع بالقلوب والشهوات العاجلة قطاع الطريق والسبيل كالليل المدلهم، غير أن عين الموفق بصر فرس، لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، والصدق في الطلب إينار أين وجد يدل على الجادة، وإنما يتعثر من لم يخلص وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد»  (صيد الخاطر).

إن كثيرًا من عثرات السير مردها إلى هؤلاء أهل الشوائب الذين امتزجت نفوسهم بحظوظ الدنيا فبنوا بنيانهم على شفا جرف هار فانهار بهم وتحقق الفشل وتبدد الخير وتشوهت الصورة ونزعت البركة وقل التوفيق. إن السير إلى الله سبحانه وقوده الإيمان ودليله القرآن ونبراسه الإخلاص، وإلا فإن العثرات كثيرة والعقبات كؤود وما توفيق السائر إلا بحسن المسير لله رب العالمين، قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. (الملك: ۲۲).

 يوم احتدم القتال في معركة اليرموك قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: «إن هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده». وكل أيام الداعية لها ما بعدها، فعلى الداعية أن يعلم أنه لمن نزّاعات البركة في العمل الرياء وطلب المدح والثناء، فأنَّى لداعية همه ثناء البشر أن يوفق في عمله ويحقق هدفه؟!

 يقول الإمام حسن البنا رحمه الله: «إن الإخلاص أساس النجاح، وإن الله بيده الأمر كله، وإن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وطهارة أرواحهم وذكاء نفوسهم وإخلاص قلوبهم، وعملهم عن عقيدة واقتناع، جعلوا كل شيء وقفًا عليها حتى اختلطت نفوسهم بعقيدتهم فكانوا هم الفكرة وكانت الفكرة إياهم، فإن كنتم كذلك فاعملوا والله يوفقكم للخير والسداد، وإن كان فيكم مريض القلب معلول الغاية مستور المطامع مجروح الماضي، فأخرجوهم من بينكم فإنه حاجز للرحمة حائل دون التوفيق»، فالمرائي لا يقتصر أثر ريائه على نفسه فحسب بل يتجاوز ذلك فتنتزع البركة حتى في محيط العمل الذي يعمل به.

 والأيام تثبت أن أساس النجاح وطريق الفلاح للداعية هو إخلاصه لله رب العالمين واتصاله الوثيق به سبحانه، وهكذا تصبح حركاته وسكناته وحماسه في طاعة الله فيكون الله سبحانه سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، فيسمع في الله ويبصر في الله ويمشي في الله، وعند ذلك تنحدر بركات الدعوة على واقع الحياة ويكتب لها القبول في الأرض.

 إن نتائج الأعمال المادية ترتبط غالبًا بحسن الاستعداد ودقة الإعداد وبراعة التخطيط وحرص العامل على الأداء المتقن، غير أن الواقع الدعوي وأعمال الدعوة ترتبط نتائجها بالإخلاص أولًا وقبل كل شيء فهو سر نجاح الدعوة والداعية.

 ذلك أن الدعوة تعامل مع قلوب ونفوس، وهذه القلوب وتلك النفوس بيد الله سبحانه يقلبها كيف يشاء فإن لم يتمثل الداعية الإخلاص في عمله نزعت البركة منه، وغدت كلماته وأعماله جثة هامدة لا روح فيها وفقدت تأثيرها في قلوب الناس.

 قال سفيان الثوري رحمه الله: «من وعظ الناس لغير الله زلت موعظته من قلوب الناس كما يزل الماءمن الصفي».

فالداعية الصادق متى تمثل الإخلاص شعارًا ومنهجًا في عمله بارك الله في قوله وعمله وخطواته وسكناته وفتح له أبواب الخير مشروعة وفتحت له قلوب الناس، وكتب له القبول في الأرض، فرُبَّ كلمة يلقيها العبد لا يلقي لها بالًا من رضا الله وفضله تدخله جنات عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، فكم من كلمة صادقة فعلت الأفاعيل وفتحت للدين أبوابًا من الخير فانهال الخير منها مدرارًا، وكم من أمم دخلت في دين الله أفواجًا ببركة جهد قليل صبغه الإخلاص فزاده عظمة فحلّت البركة، فكان التوفيق، وما هدهد سليمان الذي جاء من سبأ بنبأ يقين، إلا مثالًا للداعية الصغير في أعين الناس العظيم في عطائه وإخلاصه فدخلت سبأ في دين الله قاطبة ببركة ذلك الهدهد الصغير وما ذلك على الله بعزيز.

 من بين فرث ودم لبنًا خالصًا

إن المخلص هو من يكره أن يطلع الناس على حسناته بقدر ما يكره أن يطلعوا على سيئاته، قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ. (الزمر :۳). وقال تعالى ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ.                           (النحل: ٦٦). فكما أن اللبن ينزل خالصًا من بين الفرث والدم فكذلك العمل الصالح يخلصه صاحبه دون أن يخالطه هوى النفس أو رياء الناس فيكون العمل بذلك نقيًا صافيًا من كل شائبة وكدر، ففرث الرياء ودم الشهوة وحب المدح والثناء ينساب بينهما العمل الخالص سائغًا للقبول عند الله سبحانه وتعالي:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: يارسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة: إذا جزي الناس أعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء.«

الرابط المختصر :