الثلاثاء 16-أغسطس-1977
ما أجمل أن تكون للصيام تباشير! وما أحسن أن تكون تباشير خير وفوز وفلاح.. تباشير تحمل العبير الفواح، وتبعث أرق وألطف النسمات.. ولكن كيف؟؟ أللصيام كل هذه التباشير؟ وتبلغ أضعاف الزيادة في رمضان؟ ما هذه البشائر؟ وما تخبئ من جزيل العطايا والخيرات؟؟ نعم.. إن نفحات الصيام العطرة هي تلك التي تحمل كل هذه البشائر، بشائر رحمة الله ومغفرته وثوابه وما أعده للصائمين في جنته، وما أنعم عليهم من رضوانه، وبشائر أخرى يجزلها الصيام نفسه من زكاة النفوس ومن الصبر والتحمل، ومن التذكير بالشعور الواحد بين المسلمين، وتزيد معطيات الصوم في هذا الشهر الكريم، فقد ارتبطت هذه العبادة الجليلة بهذا الشهر فرضًا لازمًا لمن تحققت له أهلية الصوم شرعًا، حيث يكون لمن أدى رمضان وقامه إيمانًا واحتسابًا أجر ما بعده إلا الجنة، إذ يغفر له ما تقدم من ذنبه، ومعناه أن رمضان كان منطلقًا له ليبدأ صحفة جديدة، فكأنه ولد من جديد مع زيادة مضاعفة من الحسنات، تزيده اندفاعًا لمواصلة الطريق، بيد أن نفحات الصيام تجدد طاقة المسلم راسمةً له العزة والاستعلاء.
طهارة القلب والحواس..
يتفق أهل الذكر بما فهموه من آداب الإسلام، أن فرضية الصيام ليست للدربة على الجوع والعطش، وإنما لأمر أبعد من ذلك وأجل وأعظم لتربية النفس، ألا وهو صفاء القلب، ونقاء وطهارة الحواس من أن تحيد عن الخط المستقيم، وهكذا الصوم يخلص المسلم من شوائب السوء والإثم، ومن شواهد ذلك ما أرشدنا إليه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «الصوم جنة»، وقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر...» ويتم تمام هذه الطهارة الخالصة لما فرضه الصوم من إمساك، من طلوع الفجر الصادق حتى الغروب، إضافة إلى طهارة الجوارح، فقد ثبت في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وإذا سابك أحد فقل: إني صائم إني صائم».
إذن فهذه صورة الصوم الخالص المقبول إن شاء الله، إلا أن أناسًا لشعورهم بعظمة هذا الشهر يقصدون أعمال الطاعة والخير فيه فقط، ولما علموه أن الصائم لا ترد دعوته، وأنه يدخل من باب اسمه الريان في الجنة، وأن له فرحة كبرى عند ربه بل أن صيامه يومًا في سبيل الله، جزاؤه كما بينه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في رواية البخاري عن أبي سعيد: «ألا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا...»، ولهذا العلم عند أولئك نتيجة للترغيب والترهيب، نجدهم يقومون بعبادة الصوم وبأداء هذا الركن دون غيره، والحق يقال إن هؤلاء عملهم مضيع، فأحكام الإسلام ليست محدودة لفترة زمنية معينة، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ...﴾ (الأنعام: 162).
رمضان دورة تدريبية:
إن مما نستشفه من فرضية الصيام في هذا الشهر الكريم، لهو أن يكون دورة تدريب، فهو بما يحمل من جليل المعاني يطبع المسلمين بشعور واحد من المحبة والمساعدة والمؤاخاة، ويرفع المسلم إلى درجة السمو والرفعة في حرصه على أعمال الخير، فيكون سخيًا باذلًا، بل يتأكد هذا المعنى بفرضية زكاة الفطر، كما يكون المسلم متحملًا تركه الطعام والشراب وما تلذ به النفس، وهكذا تكون الدورة لا فترة في العمر، ولكن تتجدد كل سنة كي تكون تذكيرًا وتنبيهًا لإحساس المسلم ومسيرته.
وقفات أخيرة:
إن الله -سبحانه- فضل أيامًا مفردة كيوم الجمعة ويوم عرفة.. وفضل مجموعة من الأيام بلغت شهرًا تلك هي شهر رمضان، وعليه فهي فرصة طيبة لاغتنام هبات الله -سبحانه- بالتضرع والإقبال، والتلاوة والإنفاق في سبيل الله، والاعتكاف والإخبات لله -سبحانه- في جميع ذلك، وهذا مما يدعو المسلم إلى أن يتفطن لعمل الخير والمداومة عليه، حيث يتذكر إخوانه هنا وهناك في بقاع الأرض من الجياع والمحتاجين، والمطاردين على لقمة عيش، إنه لا يحز في النفس أن نرى الأوضاع سائبة، ليس في الحزم الذي يأخذ مباشرة ودون جدال، يأخذ بتحكيم شرع الله -سبحانه-، وانطلاقًا من هذا المعنى الرمضاني الطيب، فإن الأمة العربية مدعوة كي تصحح مسيرتها، وأن تجعل من رمضان معلم خير وداعي صدق يقودها إلى ساحل الأمان، ورمضان بذلك وهو يدعو الأمة فإن خيرها هم الجيل المسلم، فلا بد أن يكونوا دروعًا تصد الباطل وعليهم العماد، لذا فيلتزودوا من فيض رمضان، فإن خير الزاد التقوى.
والله الموفق.