العنوان نِقَاط فوق الحروف: عزت حسن غريب شهيد سجون عبد الناصر
الكاتب رشاد محمد البيومي
تاريخ النشر السبت 17-أبريل-2010
مشاهدات 67
نشر في العدد 1898
نشر في الصفحة 40
السبت 17-أبريل-2010
مقال
- قبض عليه عام ١٩٥٤م وحكمت عليه محاكم عبد الناصر الهزلية بالسجن ١٠ سنوات.
- صاحب الوجه المشرق، أصيب في السجن بمرض السل، ولم يحصل على الرعاية الصحية المطلوبة حتى فاضت روحه الزكية تشكو ظلم المتجبرين مرتع للأوبئة.
كتبتُ فيمَا مضى عن بعض شيوخ الجماعة، مبينًا كيف أفرزت الجماعة هذه الأجيال التي تربت على قيم الإسلام وعملت بمنهجه، وبذلت وجاهدت في سبيل رفعته، وأنا أتحدث اليوم عن نموذج آخر من شباب هذه الدعوة المباركة الذين كانوا أمثلة نادرة في ذلك الزمان الذي عزت فيه معالم الجدية والتضحية والفداء، هؤلاء الذين باعوا دنياهم واشتروا آخرتهم، عزوا بالإسلام فهانت عليهم الدنيا بما فيها وبمن فيها، شغلوا حياتهم بالعمل والجهاد في سبيل الله معلنين أن الموت في سبيل الله هو أسمى أمانيهم؛ فكان لهم ما أرادوا، لم تنحن منهم الجباه ولم تفتر العزائم؛ فقدموا أنفسهم رخيصة لله.
ما أروع مشهد عمر شاهين، وأحمد المنيسي وعادل غانم شهداء معارك القناة.. وغيرهم من شباب هذه الجماعة المباركة، وما أكرم هذه النفوس على الله ودعوة لشبابنا أن يتعلموا منهم ويقتفوا أثرهم.
وجه مشرق:
واليوم أقدم لكم نموذجا آخر لما عايشته عن قرب، ولم يغب عن ذاكرتي ولم أكن يوما لأنسى ذلك الوجه المشرق تزينه ابتسامة الرضا التي تنبئ عن قلب كريم صاف يملؤوه الود والتجرد والإخلاص.
إنه الأخ المغفور له بإذن الله عزت حسن غريب»، قبض عليه من إمبابة عام ١٩٥٤م، وحوكم أمام المحكمة الهزلية التي شكلها عبد الناصر وحكم عليه بالسجن ١٠ سنوات.
كان طالبًا بالثقافة وهي السنة التي تسبق السنة النهائية في المرحلة الثانوية «التوجيهية» وكان عمره ١٩ عامًا، شعيرات قليلة تتناثر على ذقنه حرصًا منه على تزكية نفسه باتباع السنة، لا تراه إلا ذاكرًا تتمتم شفتاه بالذكر والتسبيح في كل وقت وحين تراه متطوعًا لخدمة إخوانه في سجن أسيوط، يحرص على أن يكون أول من يتقدم ليعطي، وآخر من يطلب لنفسه.
ومن الأمور التي لا أنساها أنه كان في كل يوم وقبيل إقفال الزنازين يمر علينا ليسلم علينا فردا فردًا.. ولما سُئل عن سبب حرصه على ذلك قال: «أريد أن أبيت وليس في قلب أي واحد من إخواني أدنى شيء من ضيق»، يا لهذا القلب الكبير، وما أعظم هذه النفس الزكية الطاهرة.
أذكر له موقفًا لا أنساه ويظل دائمًا يلح على خاطري، فقد اختارني الإخوان في أسيوط بأن أكون مسؤولًا عنهم إعلاميًا للسنة المطهرة، «إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحكم وهكذا كانت طبيعة الإخوان دائمًا، بالانتخاب الحر المباشر يختارون من يقوم على شأنهم في كل عام، يا له من مجتمع تزينه الشورى وتضبطه الضوابط الشرعية».
وبعد اختياري لهذه المهمة الصعبة جاءت وفود الإخوان تقدم التهنئة لثقة الإخوان. وبعد أن انصرفت الوفود جاءني الأخ عزت - على استحياء - يذكرني بواجبي وبحق الله وحق إخواني، ويطلب مني أن أعد نفسي لهذا الأمر بما يقتضيه، وظل يذكرني وينصحني حتى أبكاني، وظلت كلماته تطرق مسامعي كلما تعرضت لمثل هذا الابتلاء إلى وقتنا هذا.
ودارت بنا الأيام وأصابنا وباء الأنفلونزا الأسيوية.. والسجون تعتبر مرتعًا خصبًا لمثل هذه الأوبئة، وشمر إخواننا الأطباء عن سواعدهم وقاموا بأجل وأعظم الجهود وقسمت الزنازين. جزء للعزل وجزء للإقامة، وتعاون الإخوان جميعًا في أداء الواجب حتى مرت الأزمة بسلام.
وتقدم الأخوة الأطباء د. محمود الجندي ود. نجيب الكيلاني - يرحمهما الله - ود. أبو بكر عثمان، ود. يحيى عبد الغفور بطلب لإدارة السجن لاستقدام عربة أشعة للكشف على الإخوان خَشْيَة المضاعفات التي تصاحب هذا الوباء وكانت النتائج كلها طيبة فيمَا عدا حالة الأخ عزت حسن غريب فقد تبين أنه أصيب بنزلة شعبية حادة نقل على أثرها للمستشفى.
ولكن إمكانات المستشفى العلاجية لم تكن كافية، فقد أصيب أخونا بمرض صدري السل، وتم حجزه على الدوام بحجرة مرضى السل بالمستشفى.
أذكر له موقفًا لا أنساه، فقد تم حجزي بالمستشفى لطارئ ألم بي، وتصادف أن جاء والده يرحمه الله لزيارته، وجلست معهم فترة، وقال لي والده: إن ابني عزت «هو ابن موت، هكذا عبر»؛ فهو إنسان متجرد عابد حريص على أداء السنة؛ «فهو غريب عن هذا المجتمع»، وحكى لي هذه القصة قائلًا: «أعمل عطارًا في الأزهر، وفي أحد الأيام كنت أحمل الصغير عزت متوجهًا إلى دكاني، فتعثرت رجلي فوقعت على الأرض ووقع معي عزت ولشدة ضيقي وجهت إليه اللوم لأني اضطررت لحمله وضربته ضربة خفيفة فبكى ثم وجه إليه الكلام قائلا: ها أنت ضربتني لأنني صغير ولم أفعل شيئًا، وغدًا سوف أكبر وتصغر أنت وأحملك، ولكن إذا حدث ووقعنا فلن أعنفك ولن أضربك، هكذا كان في صغره واستمر كذلك حتى مماته.
حرصه على السنة:
واشتدت العلة على أخينا ولم تكن الرعاية الطبية كافية لعلاجه، فرحل إلى مصحة أمراض السل بليمان طره، فزادت العلة، ولكنه في أشد الأوقات حرجًا كان أكثر الناس حرصًا على التزام السنة، حتى أنه كان لا يستطيع الكلام إذا أرادوا خلع ملابسه لعمل أشعة على الصدر يقدم يده اليسرى ويصر على هذا، وإذا أرادوا إلباسه ملابسه يقدم يده اليمنى.
وظلت هذه النفس الأبية تحرص على أداء الفرائض والسنن في مواقيتها حتى خرجت روحه الزكية تشكو إلى الله ظلم وجور ذلك المتجبر الذي نسي الله فأنساه نفسه.
ولقد تواترت التقارير الطبية من الأطباء المختصين مطالبة بالإفراج الصحي عنه ولكن تأبى هذه النفوس أن يجري على يديها الخير، يريدون أن يبوؤوا بإثمهم ليكونوا من أصحاب السعير.
رحم الله عزت وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله عما قدم وعلم، ونسأل الله أن يلحقنا به في مستقر رحمته.
[*]نائب المرشد العام للإخوان المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل