العنوان نقاط.. كله ... بالقانون!
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2001
مشاهدات 62
نشر في العدد 1456
نشر في الصفحة 39
السبت 23-يونيو-2001
وجدت القوانين لتقوم بعملية ضبط الممارسات وتحديد أطر العلاقات بين الأفراد والجماعات، وبينهم وبين الدولة، وضمان الحقوق والالتزامات، وفيما لا يخالف العقيدة والشريعة فإن القوانين ينبغي أن تقوم على أساس من الرضا العام الذي يأخذ أشكالًا عدة للتعبير عنه، منها صيغة أهل الحل والعقد التي عرفها التاريخ الإسلامي، أو الانتخابات العامة، وهي الوسيلة المستحدثة التي يختار عبرها الشعب أشخاصًا بأعينهم يمثلون رأيه في الجهات المخولة بسن القوانين «البرلمانات».
لكن ذلك الإطار العام مصاب بكثير من الخلل في بعض مجتمعاتنا، وعلى الأخص في الشق المتعلق بالسياسة والفكر، حيث يوضع القانون «ومن فوقه الدستور» ثم يجري تقديسه، وإحاطته بكل أساليب الحماية التي تحول دون تغييره أو جعله معبرًا عن الرضا الشعبي العام، ثم يحاكم الأفراد والجماعات على أساس من تلك الدساتير والقوانين، فيقال: إن الدستور لا يسمح بقيام حزب على أساس ديني مثلًا، أو أن هذا الشخص خارج على القانون، أو أن تلك الجماعة غير شرعية حتى لو كانت شعبيتها أكبر من شعبية الحكومة ذاتها.. ثم ترتفع العقائر بالقول: نحن لم نتجن على أحد ولم نظلم أحدًا، لقد تعاملنا مع الجميع وفق أحكام الدستور والقوانين... وكله بالقانون ويتناسى أولئك أن من واجبات من يملك سلطة تغيير الدستور أو القانون سواء كان حاكمًا أم برلمانًا ألا يتأخر في القيام بذلك ليكون الدستور والقانون معبرين بحق عن الرضا الشعبي العام وليتوافقا مع التطور السياسي والاجتماعي الذي تشهده المجتمعات ولإزالة أي احتقان تتسبب فيه القوانين القائمة.
الأمثلة على ذلك التحايل كثيرة.. وسنأخذ هنا مثالًا من تركيا، فمنذ الثاني والعشرين من مايو الماضي، يقبع محمد قوتلوار صاحب جريدة يني آسيا «آسيا الجديدة»، في السجن، لقضاء عقوبة مدتها عشرة أشهر، كما حكم على ستة صحفيين بالجريدة نفسها بالسجن لمدة ٢٠ شهرًا لكل منهم ووقف إصدار الجريدة لمدة سنة! لماذا؟.
بدأت القضية قبل نهاية عام ۱۹۹۹م حين شهد مسجد قوجة تابا في العاصمة التركية أنقرة احتفالًا إسلاميًّا لمناقشة فكر الشيخ سعيد النورسي.. وكان ذلك بعد أشهر قليلة من زلزال ١٧ أغسطس المدمر الذي كان بمثابة كارثة لا تزال تركيا تعاني آثارها «تردد في تركيا وخارجها أن الزلزال جاء بعد أن أقيم حفل ماجن في إحدى القواعد البحرية العسكرية في المنطقة، أهان فيه ضابط تركي كبير القرآن الكريم، تحت رجلي راقصة، وقد سئل قوتلولر عن أسباب الزلزال في رأيه فقال: إن الزلزال بمثابة إنذار من الله تعالى للأتراك بسبب مخالفتهم لأمره، وحدد ثلاث مخالفات:
منع الحجاب في الجامعات والمؤسسات التعليمية.
حصار التعليم الديني والتضييق عليه.
محاربة المتدينين تحت زعم مواجهة خطر الرجعية.
ما قاله قوتلولر يردده الملايين من الأتراك وغيرهم، وقد قيل مثل هذه الأسباب بعد الزلزال الذي هز مصر عام ١٩٩٢م، كما أثبتت الدراسات الاجتماعية أن مؤشر التدين يرتفع بعد الزلازل، وأن هناك تناسبًا طرديًّا بين مقياس التدين ومقياس ريختر.. بمعنى أنه كلما زادت قوة الزلزال زادت قوة الرجوع إلى الله لكن ذلك لم يشفع لناشر جريدة بني آسيا، ولا للصحفيين الستة الذين عبروا في مقالاتهم في الجريدة عن الروح نفسها!.
وهكذا قضت المحكمة بحكمها استنادًا إلى المادة 312/2 من قانون العقوبات.
وليست جريدة يني آسيا حالة استثنائية في تركيا، فقد سبق إغلاق العديد من الصحف، وفي السجون التركية عدد لا بأس به من الصحفيين والسياسيين الذين أدينوا بسبب ما كتبوا أو قالوا، كما قضت المحكمة الدستورية بحل أكثر من أربعين حزبًا بما في ذلك الحزب الديمقراطي الذي حكم تركيا عشر سنوات، وحزب الرفاه الذي كان في الحكم قبل أربع سنوات كما تتداول المحكمة قضية حزب الفضيلة المعرض للحل أيضًا.
ولا يفهم مما سبق أن الصحافة والأحزاب ينبغي أن تكون فوق القانون، فالكل يمكن أن يحاسب... ولكن على أي خطأ ووفق أي قانون؟
والغريب أن القوانين تقف عاجزة عن ملاحقة ما يمثل ضررًا حقيقيًّا على الشعب سواء كان الضرر معنويًّا كالتجرؤ على الله تعالى أو الإساءة إلى الأنبياء والرسل أو العقيدة والشريعة.. وما إلى ذلك حيث يتم التجاوز عن الكثير من ذلك تحت زعم حرية الفكر والتعبير، أو كان الضرر ماديًّا يمس موارد الدولة في تركيا ذاتها.
أعدت مجموعة العمل العلمي والإداري في حزب الشعب الجمهوري تقريرًا عن أعمال الفساد، ونهب الأموال ذكرت فيه أن ٤٥ حادثة فساد، وقعت في الخمسة عشر عامًا الأخيرة، كانت نتيجتها نهب ما بين ۲۰۰ إلى ۳۰۰ مليار دولار، أي ما يعادل جميع ديون تركيا الداخلية والخارجية فكيف إذا أضفنا إلى ذلك مئات، بل آلاف الحالات الأخرى ويضيف التقرير: إن الضرائب التي دفعها ٦٥ مليون مواطن نهبت لصالح ۳۰۰ عائلة تعتبر نهب موارد الدولة هو مصدر رزقها.
ولا يمكن فصل الحالتين بعضهما عن بعض.. فالتشدد في استخدام القانون في الحالة الأولى يخدم النهب في الحالة الثانية وكلما غلظت العصا ظهرت حلاوة الجزرة، وقيمتها.