; نقوش على جدار الدعوة ... التوطين بين القول والحقيقة | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة ... التوطين بين القول والحقيقة

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997

مشاهدات 60

نشر في العدد 1263

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 19-أغسطس-1997

وأعني بالتوطين المحاولة الدائبة التي يبذلها إخوان لنا في بلاد الغرب أوروبا والأميركتين، لكي يفتحوا القلوب أمام دين الله، ويدلوا أصحاب هذه القلوب ويرشدوهم إلى نوره، ليخرجوا من الظلمات، وليعلموا أصول الدين، فيعرفوا ربهم، ويبصروا غايتهم في الأرض، ومهمتهم في الكون في ضوء العقيدة الصحيحة، والعبادة السليمة المستقيمة المستعينة بالله.

وإخواننا الذين يقومون بهذه المهمة تركوا ديارهم وأموالهم خلفهم، وأخذوا يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، ويدعون الناس إلى اتباع هداه، وقد نجحوا -بحمد الله- في تحقيق قدر من هذه المهمة بحسب ما يسره الله لهم وهداهم إليه، فأقاموا بعض المؤسسات الإسلامية التي تحتضن الدعوة بحيث تكون معلمًا إسلاميًا بارزًا، تنطلق منه كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتعلن في تلك البقاع البعيدة أصول الدين الحق.

وسواء كثرت أعداد المنضمين إلى هؤلاء الدعاة، الداخلين في الإسلام، أم لم يكثروا، فذلك ليس هو المقصد؛ لأن العبرة ليست بكثرة الأعداد، بل بمدى عمق الإيمان في قلوب الرجال، ومدى الإعلان عن الدعوة، والتأثير في المحيطين بالفعل والقول والثبات والاستمرار، ولا خلاف في هذه الغاية من التوطين بين إخواننا في تلك البلاد، وبين الناهضين بالمشروع الإسلامي في بلاد الإسلام الذين يعتبرون المسلمين في بلاد الغرب جزءًا منهم وامتدادًا لهم، يساندونهم بالرأي والمشورة في حركتهم حين يحتاجون إلى الرأي والمشورة.

وليس بالضرورة أن تكون مشورة العاملين في المشروع الإسلامي مقبولة دائمًا عند مسلمي الغرب العاملين هناك؛ لأن العامل في الميدان قد يواجه صعوبات ومعوقات ليست في حسبان البعيدين، وقد لا تخطر في بالهم، أو قد تكون حاضرة في الأذهان مرددة على اللسان، ولكن هناك ما يمنع تنفيذها، ويستدعي رفضها، وينبغي قبول هذا الموقف دون أدنى حساسية ودون محاولة لفرض روح الهيمنة التي تتغلب على الطبيعة في البشرية حينما تكون الظروف مهيأة لذلك.

والعاملون للإسلام في بلاد الغرب يعيشون وسط بيئة فيها كثير من المعوقات فطبيعة المجتمعات الغربية بعاداتها السائدة فيها، وتقاليدها المرعية لدى سكانها تخالف كثيرًا من فضائل الإسلام؛ لأن الإسلام يرفضها ويحرمها، فالخمر والقمار...إلخ ذلك من المنكرات التي لا يقرها إسلام، ولا يقبلها شرع، وإنما تقبلها قوانين تلك البلاد، وانطبعت عليها نفوس أهلها بحيث يعدون من يستغربها شاذًا أو خارجًا عن العرف العام.

والرواد العاملون في تلك البلاد يخشون من ذوبان البعض في أتون هذا المجتمع أو ذاك، وتزداد خشيتهم وخوفهم على الجيل الجديد الذي ولد هناك، واختلط منذ الصغر في كثير من المدارس بأبناء هذه المجتمعات، وتشربت روحه طباعهم وعاداتهم وتقاليدهم، فأصبحوا موزعين مشتتي الذهن؛ لأنهم يرون الآباء يسيرون على نمط مغاير لما يسير عليه المجتمع في كثير من المظاهر، دون أن يدركوا --لصغر سنهم وقلة وعيهم بدينهم، وندرة احتكاكهم بغيرهم- سببًا عمليًا لذلك، مما يجعل الآباء يعيشون في قلق وفزع على مصير الأبناء الديني الذي تلفه الأعاصير، يضاف إلى ذلك الانشغال -عند البعض- بالعمل أو البحث عنه أو غير ذلك مما يعترض العاملين، وما يؤرقهم خاصة حين تلجأ الدولة لسن القوانين أو استخدامها ضدهم، كما حدث في فرنسا حين قام فيها ما سمي بمشكلة الحجاب، وتناولتها الأقلام والصحف، بحيث أثارت الرأي العام بسبب بضع فتيات يلبسن الحجاب في بعض المدارس.

وذلك كله يجعل العمل الدعوي يسير وسط الضباب، ويشق طريقه فوق الأشواك التي لا يعرفها إلا من عاش هناك فآلمته، وقد تكون أدمته، ولهولاء رأيهم المنطلق من معايشتهم لهذه المعوقات، ومحاولتهم الدائمة للتخلص منها، حتى تظل الدعوة قائمة، فإذا ما خالف هؤلاء أصحاب المشروع الإسلامي في البلاد الإسلامية في بعض الآراء والمقترحات، فذلك حقهم بحكم ممارستهم واطلاعهم على ما لم يطلع عليه غيرهم، ورغم هذا الاختلاف في وجهات النظر فإن ذلك لا يلغي عالم الوفاء والولاء الذي يربط بين هذه الطلائع في المجتمعات الغربية، وبين أبناء المشروع الإسلامي في البلاد العربية، وأولى بنا وأفضل لهم ولنا أن تظل هذه العلاقة قائمة، وأن تأخذ هذا الشكل المتعاون والمتوافق، فلا تخرج عنه إلى إطار الهيمنة، أو محاولة فرض توصية بعينها أو فكرة بذاتها، فقد يضر ذلك بالعمل الدعوي لذاته، والجميع مهتمون بهذا العمل الدعوي في تلك البلاد، ونجاحه إنما يقوم على تقديرنا لوجهة نظر العاملين هناك، ومساندتهم على تحقيق رؤيتهم دون محاولة لفرض شيء عليهم، فلتكن لهم منا النصيحة، وليبق دورهم هو الفاعل في الحركة والدعوة، ولهم منا المساعدة بالدعوات الطيبات جزاء  ما قدموا وما ضحوا.

الرابط المختصر :