; نقوش على جدار الدعوة - حتى لا تكون فتنة «4» | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة - حتى لا تكون فتنة «4»

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 28-أكتوبر-1997

مشاهدات 68

نشر في العدد 1273

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 28-أكتوبر-1997

لا بد من..

التدبر في أوقات العافية

15- لا بد من معالجة الأمور في وقت العافية، فهذا أفضل من النظر إليها في وقت المشاكل والفتن، فإنه يحدث في وقت الفتن وتدخل العوام ما لا يحدث في أيام العافية، فمعالجة الأمور وقت الفتن قد يؤدي إلى التشرذم والتفسخ فتمون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا.

حسم الأمور في أوقاتها

16- لا بد من الانتباه إلى عدم التعويل الكثير على الوقت كعلاج، أو الانتظار حتى تأتي فرصة خارقة للعادة! فإن الحلول لا تقدم على طبق من فضة والداعية متكئ على أريكته.

فلا يغرنك ما منت وما وعدت         

                                       إن الأماني والأحلام تضليل

اليقظة والتنبه

17- لا بد من عدم الغفلة عن الحقيقة الاجتماعية التي تنص على أن الإنسان نتاج لبيئته، فإذا صار في بيئته خلق معين أو سلوك محدد فهو لا محالة متأثر به، بل الأخطر من ذلك أن إلف الأوضاع غير المستقيمة والتعود عليها يكون في معظم الأحيان مدعاة لرفض الإصلاح والتقويم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا (البقرة: 170) لذلك لا بد من الاعتراف بأثر البيئة والمجتمع على التكوين التربوي للدعاة وحصول التأثير البيئي على نفس المسلم وتفكيره، وهذا واضح في جعل أجر السابقين إلى الإسلام بفضل أجر اللاحقين أضعافًا، وما ذلك إلا أن السابقين تنكبوا صعاب مخالفة بيئتهم، وتحرروا من سلطان الإيلاف على تفكيرهم ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ...﴾ (الحديد: 10)، وكذلك أجر المجددين وتميزهم لنفس السبب والعلة «التي فضلت السابقين» وهذا الاعتراف بأثر البيئة من أجل أن لا يحدث الصراع النفسي داخل الداعية، وقال الشاعر:

ولا تقل جرت بذا العوائد

                                       وهي محكمة إذ تطرد

والعرف إن خالف أمر الباري

                                     وجب أن ينبذ في البراري

وقال ثالث: 

وآفة العقل الهوى فمن علا               

                                   على هواه عقله فقد نجا

التفاعل مع المستجدات

18- لا بد من تفعيل كامل لكل مكونات الدعاة في الحركة الإسلامية حتى لا ينحصر دور الفرد في الإدلاء بصوته في الانتخابات أو دفع ما يستوجب عليه من رسوم، أو تنفيذ ما يأتيه من أوامر، وهذه الحالة تتكون عندما يعزف الدعاة عن التفاعل الحقيقي مع مستجدات العمل، وعندما تهيأ تربة خصبة لقلة من الأفراد تنفرد بالرأي والقرار، ولا ترى في الآخرين إلا هياكل تنتظر أن تحركها الأوامر والنواهي، وتلوح بين الحين والآخر بعصا التنظيم، ولهذا لا بد أن ترافق كلمة الطاعة كلمة السمع التي تعني التفهم والإدراك».

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ق: 37)، وهذا وإن كان موجود في أدبيات الدعاة إلا أن الممارسات اليومية والقيادية في بعض الأحيان تحيد عنها.

أخي الكريم: هذه مسائل نرجو أن تثلج الصدر وتبرد الوحر ويطمئن لها قلب من له طلب مليح وقصد صحيح.

وفي الأخير نقول لإخواننا: أي النفوس نحن معاشر الدعاة حينما نمدح أو نذم، وحين يسكت عن خطتنا أو يشار إليه في معرض النصح والبيان، وإليك أخي الكريم مقياس من التاريخ نفس متجردة وأخرى مستعلية، ثم خذ بعد ذلك ما تشاء لقدوتك!

أولًا: نفس متجردة، وهي التي تستشعر دائمًا أنها ستقف بين يدي الله وسيسألها عن انتصارها للحق والوقوف عنده: عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدخل يومًا على ملأ من الصحابة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: «لقد رأيتني من قبل أرعى لخالات لي من بني مخزوم، وأستعذب لهن فيقبضنني القبضة من التمر والزبيب، وهنا يسأله ابن عوف رضي الله عنه: «ماذا أردت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فيقول: ويحك يا ابن عوف خلوت إلى نفسي فقالت لي: أنت أمير المؤمنين، وليس بينك وبين الله أحد فمن أحسن منك؟ فأردت أن أعرفها قدرها».

ثانيًا: نفس مستعلية تتقاصر عن هذا الصلاح والرقي وتضعف أمام الرغبات والشهوات ونماذجها كثيرة منها ما روي عن أحد خلفاء بني أمية أنه أجاز للأخطل الشاعر أن يركب ظهر جرير الشاعر كما يركب الرجل البعير، وهذا ليس انتصارًا للحق أو دفعًا للباطل، إنما لأبيات من الشعر مدحه بها الأخطل لامست لبه، وأنعشت فؤاده، فأمر له بجائزة وزاده بأن يتخذ من ظهر جرير مركبًا!

هذه زوايا من رواق جميل يستظل به نفر كثير..

والحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :