العنوان سلسلة النجاح.. الإنسان بين المرونة والصلابة
الكاتب جاسم بن محمد مهلهل
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
مشاهدات 83
نشر في العدد 1329
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
الفتن الكثيرة التي مرت بالمسلمين كانت ناتجة في أغلب الأحيان. عن افتقاد المرونة، والتمسك بالصلابة والتشدد.
الحق يسع كثيرًا من الناس، بل يسع الناس جميعًا، لأنه السمة المميزة في هذا الكون وعليه قامت السماوات والأرض
لا تكن لينًا فتعصر، ولا صلبًا فتكسر قول حفظناه من قديم يشير إلى أن على الإنسان ألا يتخلى عن المرونة في تعامله مع نفسه ومع الآخرين، وليس المقصود بالمرونة الرضا بما دون الحق، فليس ذلك من المرونة ولا من الشهامة والرجولة، التي يبنيها الدين في الإنسان، وإنما المقصود ألا يقتصر الإنسان في فهمه وتعامله على جانب واحد من جوانب الحق، لا يتعداه إلى غيره من الجوانب، فإذا تعددت آراء العلماء الموثقين حول نقطة معينة، فلنا أن نأخذ برأي من هذه الآراء دون أن نحاول فرضه على الآخرين، ودون أن يمنعنا ذلك من اعتبار أن الآخرين قد يكونون على الحق ولو أخذوا رأيًا آخر من غير أن تقوم بيننا مجادلات، أو تنشأ خلافات وخصومات.
إنها مرونة في الفهم وحسن الإدراك، وحسن التعامل لا تخرج عن إطار الشرع ولا تخالف تعاليمه وهل كانت الفتن الكثيرة التي مرت بالمسلمين إلا لأن المرونة مفقودة، والصلابة موجودة والتعصب قائم على أشده؟ فما أساس الفتنة التي كادت تعصف بالأمة ومعتقدها ويعلم من أعلام الإسلام هو الإمام أحمد؟ إنه تعصب المعتزلة واستخدامهم عصا السلطان في فرض معتقدهم ونهجهم منهج الطغيان، وإلام استند دعاة الفتنة التي عصفت بالإمام ابن حزم حتى مات كمدًا وغيظًا ولم يسلم من الفتنة كذلك ابن رشد (الحفيد) فنفي من وطنه، وأحرقت بعض كتبه، وقبل هذين العلمين نال ابن جرير الطبري (ت ۳۱۰هـ) ما ناله من أذى حتى ليقال إنه لما توفي دفن بداره ليلًا نهارًا، لأن العامة اجتمعت ومنعت دفنه نهارًا.
وقد مرت بالعالم الإسلامي فترة عد فيها من ينتقل من مذهب فقهي، إلى مذهب مرتكبًا الجريمة، ومن يرى رأيًا غير رأي إمامه خارجًا عن المألوف، حتى طلب أخيرًا مرة من العلماء أن يتخيروا مذهبًا من المذاهب المختلفة للقضاء بمقتضاه فرفضوا، فكانت النتيجة اللجوء إلى القانون الفرنسي (ظهر الإسلام ص۷)
وهذا أمر طبيعي حين يشيع الجمود والتعصب في الفكر أو في الحركة أو في الدعوة، لابد من أن يصل الأمر إلى الانحراف والوقوع في شَرك الآخرين.
ونحب أن نؤكد – ونحن نتناول هذا الموضوع الشائك - أنه لا مرونة بين الحق والباطل، وإلا أصبح ذلك مداهنة في الدين يأباها الله ورسوله والمؤمنون، وإنما المرونة هنا في استخدام درجات الحق، أو في تعدد جوانبه الحق يسع كثيرًا من الناس، بل يسع الناس جميعًا لأن الحق هو السمة المميزة في هذا الكون، فلم تقم السموات والأرض إلا بالحق، أفيضيق الحق بتعدد الآراء فيه، أم أنه يتسع بحيث يأخذ كل منه دون أن يحجبه عن الآخرين، أيجف النهر، لأن الناس يأخذون منه كثيرًا أو قليلًا فلا معنى إذن لمحاولة فرض مذهب بعينه، ورأي بذاته على الناس، وإنما الحجة الثابتة، والنصوص المؤيدة من الكتاب والسنة هي التي تعرض على الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، وهي كفيلة بأن تجعل القلوب تلين، والعقول تسلم والجوارح والمشاعر عابدة لله عاملة منتجة في خير المسلمين.
المرونة في التعامل مع الآخرين أساس لسماع آرائهم وعرض أفكارهم، واستجلاء ما في نفوسهم، فإن كان من الحق قبلناه وإن لم نكن في صحبتهم ومعيتهم وإن كان من غير الحق رفضناه وأعلنا رفضنا له، وأقمنا الحجة على رفضه من النصوص القرآنية والحديثية الصحيحة.
وهذا في إطار التعامل مع الناس، فإن انتقلنا إلى تعامل الإنسان وتصرفه أمام المواقف المختلفة، وجدنا أن المرونة في تقبل بعض المواقف التي قد تفرض عليه وهو لها كاره تكون عونًا له، تجعل النجاح منه قريبًا والفشل عنه بعيدًا لأنه يكون واثقًا من نفسه مرتكنًا إلى دعامة قوية من الإيمان بالله هذا الإيمان الذي يجعل أصعب المواقف وأعقدها ترضى به النفس وتحاول معالجته، وهذا يمنح المرء الرؤية الثاقبة للحلول الصحيحة، ويساعد على الاحتفاظ بالتوازن المطلوب أمام أعتى المشكلات، والصمود أمامها حتى تلين عريكتها، وتخفض جناحها، أترانا قد ابتعدنا فيما نقوله عن قول رسول الله ﷺ: «ما دخل الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» (أخرجه مسلم)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل