العنوان نور في الأفــق المظلم- تابع الجزء الأول
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1978
مشاهدات 70
نشر في العدد 424
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 19-ديسمبر-1978
ملخص ما نشر:
عبد المجيد شاب صغير تحت العشرين، طالب في المرحلة الثانوية. يتوقع أن يعتقل في أي وقت. بعد أن تم اعتقال عدد كبير من الإخوان المسلمين في عامي ١٩٥٤ و١٩٥٥م. وكان عبد المجيد يجمع التبرعات لعائلات المعتقلين. ويعمل معه شباب في مثل سنه، منهم صديقه صادق الذي سافر معه إلى الإسكندرية ومرض هناك ودخل مستشفى الحميات.
استقال عبد المجيد من المعسكر الذي سافر إليه ليكون قريبًا من مستشفى الحميات التي دخلها صادق. وفي آخر زيارة عرف عبد المجيد أن صديقه سيخرج من المستشفى في الغد. فوجه له الدعوة ليقيم معه عند عمته، وأخبره أن هذه الدعوة هي رغبة عمته، فقبل صادق الدعوة بفرح وسرور وسعادة. وفي نفس الوقت وعد صادق أصحابه بالذهاب إليهم وقضاء ليلة في المعسكر.
- ۹-
لا يوصف ذلك الاستقبال الحافل الذي رآه صادق في بيت عمة عبد المجيد. أحس بشيء غريب يدب في جسمه ويعطيه صحة تفوق ما كان يتمتع به من الصحة قبل مرضه.
وقف بين عبد المجيد وعمته، وكأن جناحين من الحب والأخوة يضمان جسمه الطويل النحيل، فلم يشعر بالغربة والوحدة. وطار بجناحيه إلى سماء السعادة الحقيقية، وقال وقد حلق بعينيه في الفضاء:
- كأني ولدت من جديد.
فقالت العمة المعروفة بحب النكتة:
- وأنا أمك التي ولدتك.
وعندئذ قال عبد المجيد وهو يضحك معهما:
- أما أنا.. فلم أشعر أني قد ولدت بعد..
ضحكوا أكثر، وسألته عمته:
- لماذا هذا الشعور؟
أجاب:
- لا زلت خائفًا من حدوث أمر يفسد أيامنا التي تنوي قضاءها على شاطئ الإسكندرية.
قالت العمة بلهجة سارة:
- اطرد ذلك الشعور تبتسم لك الدنيا ويبدو أن الدنيا استمعت لقولها وابتسمت لابن أخيها ولصديقه، وانعكست تلك الابتسامة على وجهها الممتلئ بأخاديد الزمن وتجاعيد العمر الطويل.
صفقت أشجار الحديقة فوق رؤوس الثلاثة وهم يتناولون طعام الغذاء. حرصت العمة على أن تقدم الطعام باهتمام لضيفها صادق كأنه ابنها حقًّا. وكان عبد المجيد يلاحظ ذلك ولا يريد أن يعلق عليه حتى يتيح لصديقه فرصة تعوض له ما فقده في أثناء مرضه بالحمى اللعينة. بل كان عبد المجيد يدعم عمته بطلب منه أن تضاعف اهتمامها بالضيف العزيز ذلك الصديق الذي صار في منزلة الأخ حين ربطت بينهما أخوة الإيمان والعمل من أجل الإسلام، وبعد الطعام دارت آلة التصوير تسجل لحظات من العمر لا يجود بمثلها الزمن كثيرًا. التقطت الصور تحت الأشجار في الحديقة، وفوق سور الشرفة المشرفة على شارع البحر. وعلى الشاطئ نفسه. جلست العمة تحت الشمسية العالية الزاهية بألوان الطيف، ووقف بجانبها صادق مرة، ووقف عبد المجيد بجانبها مرة أخرى. ومالت الشمس في وقت الأصيل، وفرشت أشعتها على سطح البحر، فذابت الفضة في الماء. ووضعت العمة طبقًا من العنب بينهم، ودعتهما إلى الأكل. قال صادق وهو يهم بقذف حبة العنب إلى فمه:
- سأذهب إلى معسكر المكس قبل غروب الشمس
سألت العمة:
- ألم نتفق على قضاء الإجازة عندي؟
قال عبد المجيد:
- بلى يا عمتي.. سيذهب هذه الليلة ويعود في الصباح.. قد وعد أصدقاءه هناك أن يذهب إليهم..
وهم ينتظرونه للاحتفال به بمناسبة خروجه من المستشفى.
- ١٠-
ما إن وصل صادق إلى المعسكر حتى وجد استعدادًا لاستقباله لم يسبق له مثيل. كل الأصدقاء اجتمعوا في مكان واسع، وجلسوا على شكل دائرة، وجاء الضابط يجلس بينهم ويشاركهم ذلك الاحتفال الكبير. نفذ صادق وعده وأتى كما قال، ولكنه فوجئ بكمال وصبحي قد جهزا كل شيء وخرجا على وعدهما له. وهمس في أذن كمال:
- أخبرتك أني أرفض الرقص والغناء
قال کمال هامسًا:
- دع الرقص والغناء لنا.. وخذ أنت فرحتنا بك..
انظر جاء الضابط وكل من في المعسكر من طلاب ومسؤولين.
نظر صادق إلى صبحي، فلوح له الأخير بالسكوت. وكان الغناء قد بدأ، والدفوف قد دقت، وشاهد صبحي وجه صادق قد تغير. فمال عليه وقال:
- كنا على عهدنا.. غير أن بقية الأصدقاء هم الذين فعلوا ما ترى.. وعلمت إدارة المعسكر فرحبت وشاركت.
التفت إليه صادق معاتبًا ولم يرد. وراح يصغي إلى صوت البحر المضطرب، كان البحر يعزف لحنًا في أذنيه، لولا تلك الأغاني الفارغة، لكانت متعته كاملة. بدأ صادق كأنه أو يجلس مع البحر والفكر، وقد ندم على أنه أتى.
وتمنى أن يعود في نفس الليلة، بيد أنه لم يعلن عن تلك الأمنية، لإنه يعلم بأنها مرفوضة من قبل الأصدقاء.
عليه أن يقبل قضاء ليلته داخل المعسكر، وشوقه يزداد لصديقه عبد المجيد وعمته الطيبة وحنانها العميق، وبيتها الجميل الواقع في حي فكتوريا وحديقة البيت التي كانت جنة على الأرض. ولم يعد يسمع شيئًا من الموسيقى الصاخبة، ولا يرى ظلًا من الأشباح المتحركة تحت أضواء باهرة.
إنه عبث. وما كان ينبغي أن ينغمس فيه. لا يرفض اللهو إلا لأنه يشغل القلب بما يبعد المرء عن حبه للتسبيح والسجود في الليل استأذن بأدب من صديقيه ونهض متسللًا متجهًا إلى الخيمة. وقف هناك صادق وأقام الصلاة، وأطال السجود وشكر الله على أنه شفاه، وعقد العزم على الهروب من المعسكر في الصباح، والذهاب إلى حي فكتوريا، لا مكان له بين هؤلاء القوم الذين أدمنوا حب الدنيا، ونام في ركنه الذي نام فيه وهو مريض.
- 11-
اتي وقت الضحى، ولم يأت صادق، ومرت الدقائق بطيئة كان عربة القلق تجرها في طريق وعر حفره الخوف. وقف عبد المجيد في الشرفة ينظر إلى بعيد وكلما لمح شخصًا قادمًا ظن أنه صادق ولكنه كتم فرحته، ثم تذوب الفرحة في ضوء النهار الكاذب، أقبلت عمته تطل من باب الشرفة قائلة:
- سيأتي بعد قليل تعال تناول طعام الفطور
- لن أذوق لقمة أخشى على صادق من التعب والسهر في المعسكر.. سأذهب إليه حالًا..
وإن جاء في أثناء غيابي.. فلينتظرني هنا..
وانطلق إلى محطة الترام، وعيناه تبحثان عن صادق. ربما يراه عائدًا.
وشق الترام طريقه الطويل إلى محطة الرمل. وزاغ بصره من كثرة النظر هنا وهناك. وظهر له أكثر من شخص يشبه صادقًا وكأنه هو بلا اختلاف. هبط من الترام في محطة الرمل المزدحمة بالبشر، واصطدم ببائع الصحف، صرح الرجل في أذنه:
- أخبار.. أهرام
قفز فوق الأرض، خطف منه صحيفة، وناوله ثمنها بسرعة، وركب سيارة أجرة وقد طوى الصحيفة تحت إبطه ولم يفكر في النظر إليها. كان تفكيره مشدودًا إلى صديقه في معسكر المكس. نزل عند المعسكر، وسار بحذاء الشاطئ ليدخل من الخلف.
غير أنه وقف عندما رأى صبحي قادمًا وهو يلوح له بالوقوف في مكانه.
قال له قبل أن يصل إليه:
- عد
- لمه؟
- عد معي.. وسأخبرك
اضطرب قلبه بعنف، سارا بعيدًا عن سور المعسكر، سأل:
- أین صادق؟
تجسد سکوت صبحي كتلة تهبط عليه لتصعقه، فقال:
- ماذا حدث له؟
توقف عن السير، واستوقف صبحي قائلًا:
- لن أتحرك من هنا قبل أن أعرف.. هل انتكس؟.. عادت إليه الحمى نقلوه إلى المستشفى.. هذا ما كنت أخشاه.. انطق يا صبحي قبل أن أنفجر.. أین صادق؟
قال صبحي بصوت مخنوق:
- اعتقلوه..
تجمد عبد المجيد في مكانه، وراح يحدق في صبحي كالمذهول.
البقية في العدد القادم