العنوان هؤلاء هُم أعداء مصر!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000
مشاهدات 55
نشر في العدد 1401
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 23-مايو-2000
لم يعد الأمر سرًّا، أو أصبح عسير الفهم بعد أن امتازت الصفوف، ووضح الأمر لكل ذي عينين، واستبان الخبيث من الطيب، وانفلق الإصباح وطلع النهار، وميز الناس بأعينهم بين البلابل والخفافيش، والملائكة والشياطين، وعرف العامة والخاصة من هم أعداء مصر.
مصر.. البلد الإسلامي العريق، حصن المسلمين على مر الدهور والعصور، تدافع عن بيضته وتحمي ذماره، يشهد لها التاريخ، وتحمل لها في طياتها الأيام المجد التليد، والفضل الأكيد في صدها للصليبيين، وفي دحرها للمغول، وفي مقارعتها للاستعمار ومقاومتها للغزاة، ومصر بلد الرجال والأبطال من أمثال صلاح الدين، وقطر، وبيبرس.
مصر.. بلد العلماء والفقهاء والأزهر، مصر الأصالة والعراقة والحضارة والديانة والمجد، مصر التي تغنى بها القصاصون والأدباء والشعراء، مصر كنانة الله في أرضه، حامية التوحيد، وحصن الإسلام والمسلمين، وقلب العروبة، وتاج الأمة الإسلامية.
يعاديها اليوم شراذم انفصلوا عنها شعورًا، وانسلخوا منها رجولة، محاولين إغراقها في دوامات من العبث، ومستنقعات من العفن الذي تطفح به عقولهم الملوثة، ونفوسهم الخبيثة، ولم يكفهم ما هم فيه من خواء، وما هم عليه من ضياع، حتى فكروا في محاربة الدين، ومقاومة رجاله، ثم استمر هذا العبث وامتد نتنه فشرعوا في تجفيف ينابيع الإسلام، ثم ازداد هذا الهوس حتى عم وطم، فإذا بهم ينالون من الذات الإلهية، من يصدق أن هؤلاء يحبون مصر أو يريدون لها الاستقرار والأمن، وهم يعرفون أن هذا الدين هو الأمر الذي تفديه الأمة بنفسها ونفيسها، وتضحي من أجله بالمال والولد، ولا ترعى فيمن عاداه إلا ولا ذمة.
من يصدق أن هؤلاء الذين ينشرون العيب في الذات الإلهية اليوم يؤمنون بالإسلام، وفيهم الزنديق الذي أعلن زندقته، والملحد الذي جاهر بإلحاده، والخائن الذي يصيح في كل ناد وواد؟، ومن يزعم أنه أعلم من الله بأحوال خلقه، وأعدل منه في تقسيم رزقه، ثم يذيع بكل وسيلة من وسائل القول أو الخط أن كل شيء مشاع في الأعراض والأخلاق، وكل أمر مباح في الشذوذ والإفساد، وكل إرادة طليقة في الهدم والضياع، والمسلمون يسمعون هذه الأضاليل تبث في الإذاعات والتلفازات، وتنشر في الكتب والجرائد والمجلات، وتردد في المجالس والبيوت فيرهف لها البعض سمع الغبي، وتدفعهم شهواتهم الإباحية إلى أن يشتروا الضلالة بالهدى، ويستبدلوا الخبيث بالطيب ويؤثروا أن يكونوا كــ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ (محمد: 12).
والعلة في كل ذلك معروفة وهي كرههم لمصر وحبهم لهدمها وضياع مكانتها في الأمة العربية والعالم الإسلام، وإنزالها من موقعها الذي تتبوؤه، ومنزلتها التي تتربع عليها، والريادة التي تتولاها، والعلة في ذلك هي تهييج الجماهير على السلطات وتحريكهم ضدها، وبناء حواجز بينها وبين الشعب المسلم، وتأسيسهم لثورة عارمة يقودها الغضب، ويدفعها المعتقد، لتسيل الدماء، ويتحارب الناس، وتقع الضحايا، وكنا ومازلنا نحذر من هؤلاء الذين يتزلفون إلى السلطات ويطعنونها، ويزينون لها ويحرقونها، ويدفعونها بأعمالهم البلهاء إلى الاشتباك مع الجماهير وإسالة الدماء، ولقد هالنا ما ذكرته إحدى الصحف المصرية وذكرته وسائل الإعلام الغربية، أن فتنة هؤلاء الأخيرة بنشرهم رواية «وليمة لأعشاب البحر» التي تطعن في الذات الإلهية، قد تسببت في ثورة لولا لطف الله لكانت فتنة تقضي على الأخضر واليابس، وخرج الطلاب في الأزهر الذي له مكانة في الأمة لخمسة أيام على التوالي تهتف الله أكبر... الله أكبر، نموت ويحيا الإسلام، وقد اشترك في المظاهرة من الطلاب ما يقرب من ٧٠ ألفًا ألقيت عليهم ۱۲۰۰ قنبلة و٤٢٠٠ طلقة أطلقتها الشرطة عليهم، فأصيب ۲۰۰ طالب بعضهم لا يزال في العناية المركزة، وقد حاصر الطلاب ٤٦ سيارة شرطة، و١٢ مدرعة، و١٢ كلبًا من كلاب البوليس.
معركة حربية بين الحكومة وبين الشعب المسلم تفصل بين الأمة شبابًا ورجالًا، وبين قادتها، تسبب فيها هؤلاء ليلفتوا الأمة عن عدوها اليهودي، وعن برامجها الإصلاحية أو التنموية، ويستبدلوا به الفتن التي حذر منها أصحاب الفكر الشرفاء في مصر، فقال الدكتور عبد العظيم المطعني: «وليمة أعشاب البحر» الرواية الساقطة تجرأت على الله والرسول والقرآن، وقال الدكتور عبده زايد: قصة السامري في القرآن أبلغ رد على المتباكين على الإبداع، وعبد الغفار عودة: الإبداع لا يعني أن تكون الأمور سداح مداح، وأن يختلط الفن بالإباحية والإلحاد.
د. أحمد كمال أبو المجد: الدساتير العامة كفلت حرية التعبير.. ولكنها حرمت إهانة الأديان، وقد أكد أساتذة الأدب والنقد والبلاغة: إن الإبداع الأصيل هو الإبداع الذي يرسخ قيم المجتمع وثوابته، ويحيي قيم الخير والعدل والجمال في نفوس متلقيه، وأوضحوا أن الإبداع لا يعني بحال من الأحوال التطاول على الذات الإلهية أو الاعتداء على المقدسات والحرمات.
وبعد: فمن يأخذ على يد هؤلاء، ومن يمنع ذلك النبت الشيطاني الذي يريد أن يحرق بلده، ويثير الفتنة، ويشعل النار في الهشيم، ويصب الزيت على اللهب، ويدمر ثوابت الأمة، ويشغلها بأنفسها؟ إن هؤلاء هم أعداء مصر الحقيقيون، ولن يستقر بهم حكم أو يهدأ بهم شعب.
والحمد لله قد آن للشعوب أن تكشف عن عيونهم غشاوة الباطل، ويجلو عن قلوبهم صدأ الغفلة، فيبصروا جادة الطريق، ويستبينوا مخايل الغاية، وإن يقظة الوعي الإسلامي التي بدت في تعاطف المسلمين على بعد، وتناصفهم في قرب، وتحالفهم على الأحداث، قد جددت الأمل في تباشير الإصباح الذي قبله الليل المظلم، وبعده النهار المشرق، وإن مصر إن شاء الله ستزيح الغربان، وتطرد البوم، وتقشع الظلام الذي يحجب نور الشمس، وتنقي ماءها من القذى الذي يفسد الشراب والماء إذا راق ساغ، وإذا ساغ روی.
وإن شاء الله ستبلغ مصر الحبيبة مرادها، ولن ينال منها أعداؤها وأعداء دينها وشعبها، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل