العنوان هاجس توحيد التعليم ومخطط إلغاء المعاهد العلمية في اليمن
الكاتب محمد ناجي مشرح
تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1265
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 02-سبتمبر-1997
في هذه الأيام تنشط بعض الأقلام لتحرض على إلغاء المعاهد العلمية في اليمن تحت مسمى توحيد التعليم، ويظل هذا هاجسًا قائمًا في الأذهان يترجم إلى واقع إعلامي أو سياسي، وتركز هذه الأقلام على مرتكزات غير مقنعة تتمثل في:
- إن الوحدة اليمنية قد تمت فلم تبق حاجة لإبقاء المعاهد العلمية.
- يقولون: إن إبقاء المعاهد سيؤدي إلى أن ينشأ جيلان متضادان متنافران
- قالوا إن المعاهد تخدم برنامجًا سياسيًّا واحدًا.
- قالوا بأن الميزانية لا تتحمل
هذا مجمل ما يطرح حول هذه القضية، وهي قضية ليست جديدة بل إنها قديمة قديمة، وبعيدًاً عن التشنجات والعواطف نناقش المرتكزات التي طرحت مناقشة حيادية فنقول: أما بالنسبة للوحدة فلا ارتباط لها بقضية توحيد التعليم لا من قريب ولا من بعيد، فلم يكن من أهداف المعاهد يوم أن أسست أن تكون مؤقتة حتى تتم الوحدة فإذا تمت الوحدة انتهى غرضها، ولم يكن بينها وبين التعليم العام انفصام، بل بينها تواؤم واتساق وتكامل، ولو أخذنا بهذا المرتكز لألغيت جميع المؤسسات الحكومية لأنها كانت تركز من ضمن ما كانت تركز عليه تحقيق الوحدة من الناحية النظرية بل ومن الناحية العملية أيضًا.
وأهداف المعاهد كما هو مسجل في أنظمتها ولوائحها وفي ممارساتها العملية أهداف تكميلية للعملية التربوية العامة، ولاشك أنها ساهمت مساهمة فعالة في العملية التربوية يلمس هذا المنصفون ولو من غير المتحمسين لها، فقد أخرجت جيلًا واعيًّا بإسلامه دنيا وآخرة، وحفظت لليمن توازنه بوسطية الإسلام لا إفراط ولا تفريط، ولا تطرف ولا تسيب وحققت أهداف اليمن جنبًا إلى جنب مع المؤسسات الأخرى، ولقد كان آخرها وأقربها معركة الوحدة التي كان لهذا الجيل بصماته المهمة إلى جانب إخوانه في القوات المسلحة وبقية المؤسسات وأفراد الشعب عمومًا.
ومن الأهداف التي حققتها المعاهد العلمية إلى جانب التعليم العام الوحدة العلمية والفكرية بعيدًا عن التعصبات المذهبية الضيقة، ولقد ساهم حسن مفردات المنهاج سواء في المعاهد أو في التعليم العام مساهمة أساسية في وضع اللبنات التي ارتكز عليها ذلك البناء المهم في اليمن، إذن فلا ارتباط بين الوحدة وبين إلغاء المعاهد العلمية لا من قريب ولا من بعيد، بل إن بقاها والاهتمام بما يعتبر صمام أمان للحفاظ على الوحدة من المتآمرين عليها.
أما المرتكز الثاني وهو الخوف من أن ينشأ جيلان متباينان وأن يؤدي هذا التباين إلى اصطدام في الحياة العملية فإن طلاب المعاهد طيلة المرحلة التعليمية السابقة الطويلة لم يصطدموا بإخوانهم في التعليم العام لا في مرحلة التحصيل العلمي ولا في المرحلة العملية والممارسة الميدانية بل العكس هو الصحيح لم نجد إلا التعاون والتكامل، ومن ناحية أخرى فإن طلاب المعاهد أجدر من إخوانهم من الناحيتين العلمية والعملية من ناحية عامة يشهد بذلك المنصفون، وكان الأولى أن يرتقي التعليم العام بالطلاب إلى مرحلة إخوانهم في المعاهد، ثم إن المنهج موحد والذي في منهج المعاهد زيادة على المنهج العام هو تكثيف المواد المتعلقة بالناحية الشرعية والعربية وهو مطلب في غاية الأهمية أن يوجد مثل هذا التكثيف لتلك المواد في شعب مسلم مثل اليمن يحتاج إلى التخصصات الشرعية المتعددة إلى جانب البناء العقدي والعلمي والثقافي الموحد بين أصحاب هذا التخصص وبين التخصصات الأخرى إذا وجد المدرس الكفء، وهي ميزة مهمة لا ينبغي إغفالها.
ونحن بحاجة ماسة إلى ذلك لاسيما ونحن نواجه عدوًّا لدودًا ينطلق من منطلق عقدي ولا يمكن أن يواجه بأصحاب تربية ضعيفة مهزوزة فلا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يصمد أمام أصحاب العقائد– وإن كان فيها انحراف– إلا أصحاب العقائد المتينة، فالتفريط بالمعاهد خطورة والتحريض عليها خدمة للعدو– الذي يتربص بالأمة لا تقدر بثمن.
أما المرتكز الثالث، وهو أن المعاهد تخدم برنامجًا سياسيًّا معينًا، فالجواب عليه من ناحيتين الناحية الأولى أن المعاهد وجدت قبل التعددية السياسية وهي مفتوحة للجميع طلاب، ومدرسين وإداريين، فلم يحجر على أحد أن يستفيد منها.
وأتحدث عن واقع عايشته فقد مارست مهنة التعليم في المعاهد فترة، فلمست أن الطلاب والمدرسين أصحاب برامج متعددة إلى درجة أن بعضهم كان يسب الإصلاح سبًّا مقذعًا فلم يجر ضد هؤلاء أي شيء، وهذا يدل على عكس ما يردده الآخرون، مع أن القائمين على المعاهد بل والتعليم العام في أي بلد لا يقر السب والشتائم في الأوساط التعليمية.
والذي ينبغي أن يحدث هو أن نتلاقى السلبية فقط إن كانت سلبية، ويفتح المجال للآخرين أن ينشطوا في أي مؤسسة في الدولة بدون استثناء ولا حجر مادام أن الجميع يريد خدمة الوطن وإسلامه بالبرنامج الذي يرى أنه أنسب في نظره إذ القضية تعدد برامج لا تعدد مناهج كما هو معروف في النظام الدستوري وما ينبثق عنه.
الناحية الثانية: أننا لو سلمنا أن صاحب برنامج معين يستفيد من هذه المؤسسة أكبر من غیره نسبيًّا فلماذا يكون ذلك حرامًا عليه، ولا يكون حرامًا أن تستغل مؤسسات عدة لصاحب برنامج معين كالإعلام، والجيش والأمن والمالية والمحافظين بالجملة و.. أليس أصحاب البرامج في التعددية السياسية سواسية وأبناء وطن واحد؟
سؤال أدع إجابته للقارئ
أما المرتكز الرابع وهو أن الميزانية لا تتحمل فأقول:
أولًا إن الدولة ملزمة أن تحقق ما يحتاجه المواطن، وحاجة المواطن إلى المعاهد ماسة وأكثر من ماسة، ولا أجدني بحاجة إلى تعداد المبررات لتلك الحاجة، فيكفي أن أشير إشارة– فقط– إلى أن ثلث الدولة وهو السلطة القضائية يعتمد اعتمادًا كليًّا– إن كنا نتجه إلى الدقة في التخصص– على المعاهد كنواة أولى تفرز الكوادر إلى الكليات المتخصصة– كالشريعة والحقوق مثلًا– والمعاهد المتخصصة العليا.
وثانيًّا: الاتجاه إلى توحيد التعليم يعني تحويل المعاهد إلى مدارس ستبقى التكاليف المالية هي نفسها، وتصبح القضية مضحكة لو أن الإنسان تدبرها التدبر الكافي، فإن المعاهد المتخصصة سواء أكانت تميل إلى التخصص الشرعي أو غيره موجودة في الدول الأخرى، فالمعاهد الأزهرية في كل قرية من قرى مصر، والمعاهد العلمية في السعودية منتشرة في أنحائها، ولم نسمع اللغط الذي نسمعه حول معاهد اليمن.
ولا ندري لماذا معاهد اليمن بالذات؟ سؤال أترك إجابته للقارئ الكريم: هل اليمن ناقصة مشاكل حتى تدخلها في دوامة المشاكل؟..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل