; هجائية الحب ( ٢٤ ) « حرف الميم»- مرن أولادك على الإبداع | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب ( ٢٤ ) « حرف الميم»- مرن أولادك على الإبداع

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011

مشاهدات 53

نشر في العدد 1977

نشر في الصفحة 54

السبت 19-نوفمبر-2011

من الحياة

يقول الأديب النرويجي هنريك آبسن: إن المرء ليسأم من سماع صدى صوته ... لقد ظل التعليم المقدم لأولادنا في مؤسسات التعليم العربية يركز على ثقافة الذاكرة لا ثقافة التفكير والإبداع، فالمطلوب من المتعلم - وفق هذه النوعية من التعليم - أن يحفظ مجموعة محددة من المعارف والمعلومات، وأن يحتفظ بها إلى أن تأتي ورقة الاختبار، فيتخلص من هذا العبء ويتوقع أننا - بعد اختبار المتعلم في هذا المقرر وحصوله على امتياز - إذا أعدنا اختباره في المقرر ذاته بعد شهر أو أكثر ربما لم ينجح فيه بتقدير مقبول !!

لا شك أننا نحتاج إلى ثقافة الذاكرة كجزء من مناهجنا التعليمية، إذ تستدعي واجباتنا وقيمنا وأهداف الانتماء والمواطنة أن يحفظ المتعلم سورا من القرآن العظيم، وما استطاع من أحاديث الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، وبعض تراثنا العربي كالأشعار ومقطوعات النثر الرائعة.. وغير ذلك، ولكن ثقافة الذاكرة لا تكفي، وليست كل شيء، ولم تعد كافية لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

إن التعليم في البلاد المتقدمة يركز - أول ما يركز - على تكوين العقل المفكر المبدع واعتزاز المتعلم بذاته، وهكذا ينشئون أولادهم منذ بداية مراحل التعليم، فماذا فعلنا نحن؟

● تعليمنا .. والإبداع

لكي أعطي القارئ - وخاصة غير المتخصصين في التربية - صورة واضحة عن واقع التعليم عندنا بحكاية موقف حدث مع ابني في الصف الثاني الابتدائي.. لقد كان يؤدي الواجب المنزلي بجواري، وأنا عاكف على بعض أعمالي على مكتبي وإذا به يسألني: ما معنى رحش يا أبي ؟ فأزعجني سؤاله، وحاولت أن أعتصر ذاكرتي اللغوية لتقديم إجابة فلم أجد، فمددت يدي وتناولت معجم مختار الصحاح لأبحث عن معنى الكلمة، فلم أجد لها أصلا لغويا، فتناولت المصباح المنير فلم أجد للكلمة جذراً لغوياً !! فسألت ابني ظناً مني أنه تطفل معرفي واستطلاع لغوي منه أين وجدت هذه الكلمة؟ فقال: هي الآن أمامي في الواجب المنزلي ومطلوب مني أن أذكر معناها.

فنظرت في الواجب المنزلي لابني، وكانت المفاجأة المدهشة !! فلم تكن هذه الكلمة وحدها هي المطلوب إيجاد معناها، ولكن وجدت معها شحر وحشر، وحرش، ورشح، وشرح.... وكلها كلمات مجردة وليست محسة!

ومعلوم أن علماء النفس يسمون المرحلة الابتدائية بـ المرحلة الحسية التي يدرك فيها الطفل ما يحسه، ولذا ينصح التربويون بالتدرج في هذه المرحلة عند تصميم محتوى المنهج، أو عند التدريس، وذلك بالانتقال من المحس إلى المجرد ومن المعلوم إلى المجهول، ومن السهل إلى الصعب ومن البسيط إلى المجرد، وهذا يفسر كثرة الصور في كتب الصف الأول الابتدائي عنها في الصف الثاني عنها في الصف الثالث.. وهكذا.

والعجيب أنني اصطحبت زوجتي وذهبنا مع ابني لمدرسته، لعلي أعرف الهدف من هذا التدريب الذي يعود أولادنا الإذعان والاستسلام، ويدمر استعدادهم وميولهم للتفكير، ويعودهم ترديد الكلمات كما يردد الببغاء دون الاكتراث بالفهم والعمليات العقلية العليا .. فلما التقينا بالمعلمة وجدناها لا تدري خطورة الأمر، وإنما هي تنفذ ما يملى عليها، ولا حيلة لها في ذلك.. أما رئيسة القسم، فكانت حادة في حوارها، وحسبت ذلك تدخلا مني في عملها، ولم تهدأ عاصفتها إلا بعد أن علمت أنني متخصص في هذا المجال.. وكانت ناظرة المدرسة قد حضرت الحوار فطلبت مني أن أكتب لها مذكرة مدعومة بالرأي التربوي لترفعها إلى المنطقة التعليمية بهدف إلغاء هذا التدريب اللغوي.. ثم مرت عدة سنوات دراسية، وفي إحدى ندواتي بإحدى المدارس الابتدائية تابعت هذا التدريب، وسألت عن مصيره، فكانت المفاجأة: لقد نقل التدريب إلى الصف الأول الابتدائي، بدلا من كونه كان مقررا على الصف الثاني الابتدائي.

ذلك موقف يؤكد أننا - نحن الآباء والأمهات - حتى وإن كنا إيجابيين لن نستطيع أن نغير واقعنا التعليمي، ناهيك عن الجهود والتكاليف الجبارة المطلوبة لتطوير مناهجنا التعليمية.

من هنا يبرز دور الأسرة في تنمية الإبداع لدى أبنائها وبناتها ، وخاصة أن التربويين يجمعون على أن المناخ الإبداعي وتشكيل البيئة الملائمة للإبداع يبدأ من الأسرة، إذ يقرر العلماء أن الأطفال يولدون ولديهم القدرة على الإبداع، وأن الأمر بعد ذلك يترك للكبار، فيدعمون هذه القدرة بالمناخ المناسب للإبداع وتنميته، أو يقمعونها ويخمدون أوارها.

● أهمية الأسرة في تنمية الإبداع

إن البيئة الأسرية هي الرحم النفسي والتربوي الذي ينشأ فيه أولادنا، ويحتضنهم ويرعاهم، ففيه يعيش الطفل المبدع، وينمو تفكيره وخياله وإبداعه، ففي البيئة الأسرية تكون التنشئة الأولى للطفل، وفيها يتلقى تربيته الأولى، ويكتسب خبرات الحياة، مما ينعكس على تشكيل شخصيته الإبداعية، حسبما تستطيع هذه البيئة الأسرية أن تتيح له من فرص تنمية قدراته، ومهاراته ومواهبه، وهذا كله يؤثر تأثيراً قويا على إبداع الطفل.

● نحو تحديد مفهوم الإبداع

كثرت تعريفات الإبداع في ميدان التربية وعلم النفس، ولكن هذه التعريفات كلها تشترك في كون الإبداع هو : قدرة الإنسان على إنتاج أفكار جديدة غير مألوفة، أو التوصل إلى حلول مبتكرة للمشكلات التي تواجهه. وفي مختار الصحاح: أبدع الشيء: أي اخترعه لا على مثال؛ أي على غير مثال مسبوق وأبدع الشاعر : جاء بالبديع وفي القرآن الكريم ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (البقرة: ۱۱۷) ، كما ذكرت في الأنعام (آية ١٠١ ) ، أي مبدعهما وخالقهما.

● كل إنسان مبدع

لقد كرم الله الإنسان بالعقل، ورفع منزلته بالعلم، وأودع فيه طاقات عديدة هائلة ومتنوعة ولكن كثيرا من الناس يغيبون أنفسهم، ولا يلتفتون إلى هذه النعمة الجليلة، فيهملون ذواتهم، ولا يشعرون بقدراتهم، ولا يستثمرون طاقاتهم ومن ثم يضيعون إمكاناتهم، وكان حريا بهم أن يستثمروها لصالحهم ولصالح وطنهم وأمتهم.

● من وحي قصص المبدعين

● روجر نولز

عندما كان الصيدلي البريطاني ، روجر نولز ينظف سطح بيته الجديد الذي اشتراه، عثر على ٦٠ مجلدا يغطيها الغبار بها وصفات مختلفة الصناعة مراهم وعطور وصابون.

استطاع روجر نولز، أن يبتكر أنواعا متميزة من المراهم والعطور والصابون، وكان من بين ما ابتكره عطر من أوراق الورد المجفف الممزوجة ببعض التوابل، فقامت زوجته كثلين بوضع هذا المزيج في أكياس خيطتها، وزينت كل كيس بشريط، وعرضتها للبيع ذات يوم، فنفذت كلها قبل الظهيرة.

وما هي إلا سنوات وأصبحت شركة الأدوية التي أسسها روجر نولز تستوعب عشرات الموظفين، وبيعت منتجاته في أكثر من ١٤٠٠ سوق داخل بريطانيا، وفى أكثر من ٥٠ بلدا من بينها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.

يقول نولز .. . لم أتخيل قط أن أكون أكثر من صيدلي في بلدة صغيرة، غير أن تلك الكتب - التي غطاها العبار - كانت تتضمن وصفات تصلح لمائتي سنة. وقد غيرت حياتي تغييرا لا يوصف، برغم أنها ترجع إلى عام ۱۷۷۰م، حيث صنعت للعائلة المالكة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وقد استثمرتها في إبداعاتي بدءا من عام ١٩٧١ م !!

● إدوارد بالز

كان إدوارد يقود سيارته ذات يوم عام ١٩٤٩ م في غرب إنجلترا، فمرت بمحاذاة سيارته سيارة رولز رويس مسرعة، فتطاير الماء الموحل من عجلاتها إلى زجاج سيارته الأمامي، يقول إدوارد بالز ، لقد شعرت بالضيق في بادئ الأمر، ولكني لاحظت أن الماء الموحل كان يتحول رذاذا رفيعا فعالا، فخطرت لي فكرة عظيمة لم يسبقني إليها أحد !!

كان بالز ممثلا لإحدى شركات مكافحة الآفات الزراعية، فأوحى إليه موقف الماء الموحل باختراع آلة تقذف المبيدات السائلة بقوة، على نحو ما فعلت عجلات السيارة بالماء الموحل على زجاج سيارته الأمامي.

عرض بالز، فكرته على صاحب الشركة التي يعمل بها فلم يهتم الأخير، فاقترض بالز ٥٥٠ جنيها إسترلينيا وقد كان أجره الأسبوعي آنذاك جنيهات فقط، وشرع يصنع آلة بدائية، يذكر أنه ثبتها بسلك، وهي تتكون من مروحة ينطلق منها الهواء بسرعة ٥٦ مترا مكعبا في الدقيقة وهذا الهواء يحرك مرذاذا دوارا، عليه قطرات صغيرة جدا من المادة المبيدة، وتنطلق هذه القطرات في شكل شعاع يمكن توجيهه وفقا للمطلوب !!

ثم طور بالز فكرته بعد ذلك، فأنشأ شركة خاصة تنتج آلات وصل ثمن الآلة الواحدة منها إلى ٥٠٠ جنيه إسترليني، حتى وصلت قيمة المبيعات السنوية في نهاية القرن العشرين إلى خمسة ملايين جنيه إسترليني، وكانت منتجاته توزع في أكثر من ٧٠ بلدا ، يقول بالز»: إن هذا كله نجم عن زجاج أمامي قذر!!

● جانيت بارتلي..

ل جانيت بارتلي قصة مع الشرائح الزجاجية التي تصور الفانوس السحري، وقد بدأت هذه القصة وهي في العاشرة من عمرها، عندما حصلت على مجموعة من هذه الشرائح كان يمتلكها جد والدها في عام ۱۸۸۰م، وكانت تستمتع بمشاهدتها.

تقول جانيت» عند انتقال عائلتي إلى بيت جديد رميت هذه الشرائح كأنها من سقط المتاع لا قيمة لها، غير أن جدتي خبأتها لي وأنا في العشرين من عمري، واشتريت من هذه الشرائح في عام ۱۹۷۲ م ما يزيد على خمسة آلاف شريحة بسعر ٥٢ جنيها، وكانت هذه الشرائح فاتنة الجمال بالنسبة لي، وبدأت أعرضها على أصدقائي على سبيل الهواية الذين وجدوا متعة في مشاهدة الفوانيس السحرية ثم تزوجت جانيت من زوج شاركها الهواية ذاتها، فأقاما شركة سياحية ناجحة تعني بمسرح الفانوس السحري في مدينة غوينت.. تقول جانيت.. لم نكن لنهدف إلى تحقيق ثروة ولم نكن نتوقع ذلك، إننا ببساطة نشعر أننا محظوظان لأننا أحيينا هذه التسلية التي تبعث السرور في الآخرين!!

● نصائح ووصايا على درب الإبداع

أولا : ركز على تنمية ثقة أولادك بأنفسهم.

ثانيا : أتح الفرصة لأولادك للتعبير الحر الطليق، وتقبل أفكارهم.

ثالثا: شجعهم على الاستطلاع، والاكتشاف الحر، وحل المشكلات، واهتم بتوجيههم نحو ذلك.

 رابعا : أتح لهم فرصة قراءة قصص الخيال

خامسا: خفف من نقدك لهم ولسلوكهم الحر. فالإسراف في ذلك يقتل الإبداع.

سادسا: اجعل البيئة الأسرية صالحة ومناسبة لتنمية الإبداع، وذلك بتجنب الصراعات التقليدية.

سابعا: أشبع الحاجات النفسية لدى أطفالك وخاصة الحب، والتقدير، وتحقيق الذات.

 ثامنا: ساعد أولادك على تنمية الشجاعة لديهم والمغامرة، ومعالجة ما ينتابهم من قلق ومخاوف.

تاسعا : شجعهم على الإبداع والابتكارات، واهتم بتنمية القيم والقدرات التي يمكنهم من ذلك كالأصالة والمرونة، والطلاقة والصدق والأمانة والفهم، والتطبيق، والتحليل، والتقويم والتركيب والتجريب والتمييز والاستدلال والاستنتاج والتصور، والتخيل.

عاشرا: أبرز اعتزازك بهم وبأعمالهم، وقلل من عزلة الموهوبين.

حادي عشر: تناقش مع أولادك كثيراً واسمح لهم بالاختلاف في الرأي معك ومع غيرك فالمناقشة الحرة وقود للإبداع.

ثاني عشر: كلف أولادك بواجبات مفتوحة تتيح لهم الفرصة للإبداع والابتكار في الجوانب التي يميلون إليها.

ثالث عشر: تجنب القسوة والعنف وأساليب القمع والاستهزاء والتقليل من استخدام العقاب قدر الإمكان.

رابع عشر : درب أولادك على استثمار ما تعلموا من خبرات معينة في مواقف حياتهم وفي المواقف التعليمية الجديدة، والتمرن على تطبيقها.

 خامس عشر: طبق آلية جديدة في استثمار القصة لتنمية الإبداع، وذلك بالتجاوز مع الأطفال بعد استماعهم أو قراءتهم للقصة، من خلال أسئلة مفتوحة لا يجدون إجابات لها في القصة.

ومن أمثلة هذه الأسئلة أن نطلب منهم ابتكار عنوان جديد للقصة غير الذي عنونت به، أو إيحاء حلول بديلة للمشكلة الواردة في القصة غير تلك التي وردت بالقصة، أو ابتكار نهاية جديدة للقصة أو كتابة مقدمة القصة ثم نطلب منهم أن يكملوا كتابتها، أو نطلب منهم أن يكتبوا قصة جديدة من خيالهم وتأليفهم تعالج فكرة جديدة، وقيما أخلاقية غير التي عالجتها القصة الأولى.

سادس عشر : إتاحة الفرصة للأولاد لممارسة الأنشطة التي تنمي الإبداع، ويمكن الاستعانة في ذلك بالخبراء والمتخصصون، سواء أكانوا فرادى، أمعلى مستوى المؤسسات والمراكز التربوية.

 سابع عشر: إعادة النظر في مناهج التعليم التركز على ثقافة التفكير والإبداع بدلا من التركيز على ثقافة الذاكرة.

ثامن عشر: استخدام طرق تدريس حوارية بدلا من التلقينية، وساعد ولدك على التوصل إلى المعلومات بدلا من تلقينها، واستخدام استراتيجيات العصف الذهني، والمشروعات والعمل بنظام فرق العمل.

تاسع عشر : تطوير أداء الآباء والأمهات فيما يرتبط باكتشاف الإبداع لدى أولادهم ورعايتهم وذلك عن طريق التدريب والتثقيف من قبل المراكز والمؤسسات المتخصصة.

:: احترام ذات الطفل وإعانته على معرفة ذاته والاعتزاز بها، وتقدير الوالدين لهذه الذات، فإن أول كلمة يتعلمها الطفل في المرحلة الابتدائية بالولايات المتحدة الأمريكية هي الآتية:

Tan Proud That Iam Only One In The

World

إنني فخور بأنني واحد في العالم... وفي ذلك إشعار للطفل بأنه كيان مستقل وله شخصيته التي لا تشبه شخصية أي فرد في العالم ومن ثم تتكون عقليته الناقدة المفكرة التي لا تقبل الأشياء دون تمحيص وبحث وتفكير.

الرابط المختصر :