; هجرة يهود أثيوبيا إلى فلسطين صفقة متعددة الأطراف | مجلة المجتمع

العنوان هجرة يهود أثيوبيا إلى فلسطين صفقة متعددة الأطراف

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1985

مشاهدات 78

نشر في العدد 700

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 15-يناير-1985

في الساحة السياسية

هجرة يهود أثيوبيا إلى فلسطين

صفقة متعددة الأطراف

بقلم: جمال الراشد

  • الأغلبية العظمى من يهود فلسطين قدموا من البلاد العربية
  • لماذا يحاول بعض كتاب اليسار تبرئة حكومة أثيوبيا؟
  • ملعون كل من يسهم في زيادة المستوطنين اليهود في فلسطين

ملعون كل من يسهم في بناء حجر في الكيان اليهودي في فلسطين، وملعون كل من يسهم في زيادة مستوطن يهودي في الأرض المقدسة، واللعنة كلها على من يقبض ثمن إسهامه في بناء الكيان اليهودي أو زيادة المستوطنين اليهود في فلسطين، سواء كان هذا القبض ملايين من الدولارات تنصب إلى حسابه بينما شعبه يتضور جوعًا أو أطنانًا من الأسلحة يتسلمها لقتل الشعب المسلم في بلاده، أو بضعة أمتار من الأرض ما زال اليهود يقيمون فيها فندقًا سياحيًا.

فلسطين، البلد العربي المسلم، أضعناها بأيدينا ثم تباكينا عليها بعد ذلك، الكيان اليهودي في فلسطين، نحن الذين زرعناه، ثم زعمنا بعد ذلك أننا سنعمل على تدميره. إن الذي يتجول في فلسطين اليوم من رأس الناقورة إلى رفح يقابل العراقي والمغربي والمصري والتونسي والليبي والسوري واليمني.. ولكنهم جميعًا یهود، ولم یکن يهود فلسطين الذين تسللوا إليها في عهد الانتداب البريطاني وتحت حمايته يشكلون خطرًا ذا بال. ولا زال يهود أوروبا «الإسكناز» هم الأقلية في فلسطين رغم أنهم السادة والقادة، أما الغالبية فهم من يهود البلاد العربية «السفرديم» فهم الجنود الذين يريدون أن يعودوا إلى «بلادهم» العربية، ولكن تحت الراية اليهودية.

كم قدمنا الاحتجاجات على أوروبا وأمريكا لأنها تدعم الكيان اليهودي بالمال والسلاح، وكم قدمنا الاحتجاجات على الاتحاد السوفيتي لأنه سمح بهجرة اليهود الذين لديه إلى فلسطين. ونحن العرب المسلمين المستهدفين بالتآكل مع تنامي الكيان اليهودي. ما زلنا رغم كل هذا التردي نتصرف تصرف المنتحر والعياذ بالله نقوي العدو الذي ما قام أصلًا إلا لقتلنا كأمة وككيان وكمفيدة.

كان نوري السعيد رئيس وزراء العراق ١٩٤٨ يتباهى بأنه «طرد» «150» ألف يهودي عراقي واستولى على أموالهم وممتلكاتهم! فأين ذهب هؤلاء اليهود؟ ولمن آلت أموالهم وممتلكاتهم؟ ثم أرسل الجيش العراقي إلى فلسطين ليرابط على أطراف جنين- طولكرم- نابلس. وكلما حاول التقدم كان الرد: «ماكو أوامر».

وخرجت الوجبة الأولى من يهود مصر إلى فلسطين عام ۱۹٤٨ وأرسل الجيش المصري إلى فلسطين وتوقف عند «أسدود» وعندما حاول التقدم جاءته الأوامر بالانسحاب إلى غزة، ثم كانت الوجبة الثانية من يهود مصر كأحد شروط الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام ١٩٥٦.

 وأما يهود المغرب فهم كيهود أمريكا منهم من اختار الجنسية الإسرائيلية ومنهم من تمسك بجنسيته المغربية ولكنه ينتقل بين المغرب والكيان اليهودي في حرية مطلقة لا يجرؤ على المطالبة بها أو بجزء منها الفلسطينيون العرب المسلمون ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم﴾ (الحج: 40) فلجأوا إلى ديار العرب لعلهم يجدون النصرة أو يحصلون على الأمن والأمان، فتبين لهم في أغلب ديار العرب أنهم كالأيتام على مآدب اللثام.

والهجرة الجديدة إلى فلسطين، هجرة يهود الحبشة «الفلاشة» التي عرفت باسم «عملية موسى» أدهى وأمر من عملية «البساط السحري» التي نقلت فيها طائرات «داكوتا» الإسرائيلية عام ١٩٤٨ «٤٣» ألف يهودي يمني من عدن، وقيل يومها إن عدن تحت الانتداب البريطاني وأن الشعب اليمني- الذي ما زال بعد خروج الإنجليز «شعبين»- لا حول له ولا قوة.

واليوم وبعد مرور ٣٧ عامًا على قيام الكيان اليهودي يقوم جسر جوي لنقل ٢٥ ألف يهودي من الحبشة «أثيوبيا» إلى فلسطين وتتواتر الأنباء عن ضلوع السودان في هذه العملية لقاء مائتي مليون دولار مساعدات أمريكية وينفي السودان مشاركته في العملية باعتبار المهاجرين الأحباش ومنهم اليهود هربوا من المجاعة ولا يمانع في خروجهم من السودان إلى أي جهة يختارونها. ويعلن ياسر عرفات أن ليس هناك أدلة قاطعة بتورط السودان في العملية، وأما البلجيكيون الذين نقلوا بطائراتهم هؤلاء اليهود إلى بروكسل ومن ثم إلى فلسطين فإنهم يقولون بإن العملية «إنسانية» وأنها تجارية وأنهم اشترطوا إسكانهم في فلسطين المحتلة قبل عام ١٩٦٧ وأن «منظمة التحرير الفلسطينية نفسها تعترف بهذه الحدود!!» وأن أيًا من الدول العربية لم تحتج على هذه العملية!!

وتنصلت أثيوبيا من هذه العملية وأعلنت وزارة الخارجية الأثيوبية في بيان لها أن عددًا كبيرًا من الأثيوبيين كانوا يعبرون في الآونة الأخيرة الحدود إلى السودان بسبب الجفاف أو بسبب الاعتداء من عناصر معادية لأثيوبيا تعمل في تلك البلاد وألقى البيان باللوم على الحكومة السودانية وطالبها بوقف هذه العملية.

 ومن المعروف أن تقاربًا حدث في الأشهر الأخيرة بين حكومة أثيوبيا الماركسية وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وأن حملات الكيان اليهودي ضد الحكومة الأثيوبية بسبب يهود أثيوبيا توقفت خلال الأشهر الأخيرة أيضًا. وتفيد الأنباء عن وصول أسلحة إسرائيلية إلى أثيوبيا ومن ضمنها أسلحة استولت عليها أثناء غزوها للبنان، وتقدر قيمتها بمائتي مليون دولار. كما أن تهجير يهود أثيوبيا إلى فلسطين الذي كشف عنه يوم 2\1\85 كان قد بدأ من شهر نوفمبر الماضي بشكل مكثف، إلا أن هناك وجبة أخرى تمت منذ عام ۱۹۷۷ حيث تم نقل 6 آلاف يهودي إلى فلسطين. فإذا أضفنا إلى ذلك حوالي ١٢ ألف يهودي نقلوا بعد حدوث المجاعة، وأن رئيس الوزراء اليهودي يصر على استكمال نقل كافة اليهود الأحباش بعد افتضاح العملية التي قام بفضحها اليهود أنفسهم حتى يتم كل شيء على المكشوف وحتى تحصل على الدعم اللازم من كافة الأطراف ودون مواربة! وإذا صح ما قيل من نقل أعداد من هؤلاء «الفلاشة» إلى جنوب لبنان يمكن أن يتضح سر الموقف الإسرائيلي المتشدد من مباحثات الناقورة وقطعهم لهذه المباحثات مؤخرًا حتى يتم تدريب واستيعاب هؤلاء «الفلاشة» ومعظمهم من الأطفال والشباب فيستوطنون بهم أراضي جديدة ويتخذون منهم وقودًا لحروب جديدة ودروعًا يحمون بها كيانهم اليهودي في فلسطين. هذا على الأقل ما يراه عدد من حاخامات اليهود الذين لم يعترفوا حتى الآن باعتبار الفلاشة من اليهود. وهذا هو الشأن بالنسبة للدروز الذين اتخذ منهم اليهود رأس حربة في حروبهم مع العرب وفي مواجهاتهم مع الفدائيين، وفي تنكيلهم بالمعتقلين.

والأمر الملفت للنظر تسارع الإعلاميين اليساريين العرب إلى تبرئة أثيوبيا من هذه الجريمة الشنعاء لمجرد أن الحكومة الأثيوبية حكومة ماركسية «تقدمية ثورية» متحالفة مع دولتين عربيتين تقدميتين نوريتين، ولكن لأنها الولايات بدأت في الآونة الأخيرة تتقارب مع المتحدة فقد بدأ الغمز والتلميح ضد أثيوبيا دون  التصريح. وموقف اليساريين العرب هو نفس موقفهم من الاتحاد السوفيتي حين سمح لليهود السوفيت بالهجرة إلى فلسطين عبر دولة غربية ماركسية وعلى حين كانوا هم أول من أقام جسرًا مع اليسار اليهودي حملوا حملتهم الشعواء على «اليمين» الفلسطيني الذي حذا حذوهم.

 والأمر الآخر الملفت للنظر أن مباحثات «طابا» المصرية الإسرائيلية من المقرر أن تستأنف في بئر السبع لا يجد حل يمكن أن يكون بوضع قوات دولية في هذه المنطقة الصغيرة من الأرض المصرية التي لا تزال تحتلها «إسرائيل».

وسواء أكان الجسر الجوي لنقل اليهود الأثيوبيين إلى فلسطين من الخرطوم غير

أوروبا أم عبر الأراضي المصرية فمما لا شك فيه أن هناك صفقة ضخمة قد تمت على حساب القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بل والأمة العربية والإسلامية كافة ولحساب تثبيت الكيان اليهودي في فلسطين وتوسعه، وأن أثيوبيا استفادت من هذه الصفقة بالحصول على أسلحة تحارب بها المسلمين الثوار في إريتريا وأن بلجيكا استفادت ماديًا وأن الولايات المتحدة دفعت لتأمين مصالحها في المنطقة وأن هناك أطرافًا عربية قد أسهمت بوعي أو بدون وعي في الحصول على مكاسب آنية ومخاطر لاحقة ماحقة.

 وإذا كان السادات قد تصور أنه قد ربح حين قايض سيناء بفلسطين فلا بد أن يعلم من يترسمون خطى السادات أن فلسطين لا تباع بثمن وأن اليهود شعب لا يؤتمن وأن «مقايضة الأرض بالسلام» كما يقول بعض العرب أو «مقايضة السلام بالسلام» كما يقول بعض اليهود ليس إلا شعارات مفرغة من المعنى ما دام اليهود يخططون وينفذون ونحن نستجدي السلام ونتاجر بالقضية ويقتل بعضنا بعضًا.

الرابط المختصر :