; المفكر الإسلامي منير شفيق« للمجتمع»: هدف إسرائيل هو أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في الشرق الأوسط | مجلة المجتمع

العنوان المفكر الإسلامي منير شفيق« للمجتمع»: هدف إسرائيل هو أن تصبح القوة الاقتصادية الأولى في الشرق الأوسط

الكاتب عاطف الجولاني

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

مشاهدات 53

نشر في العدد 1070

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 12-أكتوبر-1993

قال المفكر الفلسطيني الإسلامي منير شفيق: إنه لم يعد ثمة إمكان للقاء بين القوى الفلسطينية المعارضة وبين ياسر عرفات في هذه المرحلة، وإن منظمة التحرير الفلسطينية أصبحت منذ اللحظة التي وقعت فيها الاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية بلا ميثاق أو إستراتيجية، وإن ما بقي منها مجرد مؤسسات تحمل الاسم السابق. وأضاف الأستاذ منير شفيق في الحوار الذي أجرته معه «المجتمع» أن اتفاقية كامب ديفيد -التي عارضها في حينه الموافقون على اتفاق أوسلو- أفضل -على سوئها- عشرات المرات من الاتفاق الأخير، وقال: "إنها المرة الأولى التي يتخطى فيها الجانب الفلسطيني التراجع العربي الرسمي أضعافًا مضاعفة".

وفيما يلي نص الحوار:

اتفاق أوسلو هزيمة لكل المبادئ

  • المجتمع: هل تعتقد أن الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني الذي تم التوقيع عليه مؤخرًا يشكل انتصارًا لأصحاب التيار الواقعي في الساحة الفلسطينية، والذي يرى أن هذا أقصى ما يمكن تحقيقه في ظل الظروف الذاتية والموضوعية؟
  • منير: أولًا، لا أوافق على تسمية توقيع مثل هذا الاتفاق بالواقعية، أو وصفه بالانتصار للتيار الواقعي؛ لأن تعريف الواقعية لا يحمل معنى واحدًا، فلو كانت الواقعية أن تقبل بكل شروط عدوك أو أغلبها لما كانت هناك حاجة إلى كل ذلك الجهاد الذي خاضه الشعب الفلسطيني طوال عشرات السنين، ولما حملت ثورة أمل التغيير. فهناك واقعية تتعاطى بما هو متاح في اللحظة الراهنة، وتقبل به، وهنالك واقعية تسعى لتغيير ما هو معطى، ولولا هذه الأخيرة لما قامت حركة إصلاح أو تحرير أو ثورة؛ لذلك ليس وصف الواقعية منطبقًا على من يسلمون للراهن، بل قد يكون أكثر انطباقًا على من يصنعون المستقبل من خلال رفض الظلم القائم. أما ثانيًا، فإن اتفاق أوسلو لا يمكن أن يوصف بالانتصار بالنسبة إلى أي طرف فلسطيني؛ لأنه هزيمة لكل المبادئ التي حملتها (م.ت.ف) أصلًا، هذا قبل أن نتحدث عن نتائجه المستقبلية المدمرة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والأمن العربي والعلاقات الفلسطينية-العربية.

التراجع الفلسطيني تخطى التراجع العربي أضعافًا مضاعفة

  • المجتمع: باعتقادك ما الأسباب التي دفعت قيادة منظمة التحرير إلى التسرع في توقيع الاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية بهذه الشروط المذلة؟
  • منير: لعل من الخطأ البحث في الأسباب الراهنة كتفسير لتوقيع هذا الاتفاق؛ لأن الوصول إلى هذه النقطة جاء عبر عملية تاريخية طويلة، تدرجت من مرحلة إلى أخرى، وإن كانت المحطة الأولى الأهم في هذه العملية هي إقرار برنامج النقاط العشر بعد حرب تشرين عام 1973، ثم قرار مؤتمر القمة العربي باعتبار (م.ت.ف) الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبعد ذلك تداعت الخطوات على هذا النهج، وكان من الطبيعي أن يصل البعض إلى نهاية الشوط. ولكن ما جرى في المرحلة الراهنة له أسباب متعلقة بالانهيارات التي حدثت في الوضع العربي النظامي، ولاسيما بعد حرب الخليج، وتفكك حلف وارسو والاتحاد السوفيتي، إلى جانب الانهيارات التي حلت بالقيم الثورية والموقف من الثوابت والمبادئ والصراع ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية. ولكن ثمة مسؤولية خاصة تقع على العاتق الفلسطيني الذي تخطى بهذه الاتفاقية التراجع العربي الرسمي إلى ما هو أبعد منه كثيرًا، وكان هو الاستثناء في تاريخ العلاقة الفلسطينية العربية؛ فلو راجعنا التاريخ المعاصر لهذه العلاقة لوجدنا أن قيادات الشعب الفلسطيني كانت تتقدم على الوضع العربي خطوة إضافية حين يكون في حالة تقدم، وتتراجع عنه خطوة أقل من تراجعه حين يكون في حالة تراجع، هذا ما حدث عام 1936 و1939 و 1948/ 1949 حين كانت تفرض التراجعات على الوضع الفلسطيني. وفي المقابل فقد كانت الحالة الفلسطينية تندفع إلى الأمام حين يصبح الوضع مواتيًا، أما أن يحدث تراجع فلسطيني يتخطى التراجع العربي الرسمي أضعافًا مضاعفة، فهذا هو الذي يحدث لأول مرة مع هذا الاتفاق. وإذا كان البحث عن الأسباب يطول هنا فقد يكفي أن نلحظ أنه منذ أن عقد مؤتمر مدريد حتى اليوم والمسدس الأمريكي فوق رأس المفاوض العربي والفلسطيني، وفوق رأس الكثير من الأنظمة العربية لتخدم عملية التراجعات المطلوبة، ولكن أشدد على أن هذا السبب قد يفسر مع غيره من الأسباب جانبًا مما حدث، إلا أنه لا يسوغ ولا يبرر.

مجرد مؤسسات تحمل الاسم السابق

  • المجتمع: بعد توقيع الاتفاق مع الحكومة الإسرائيلية ما رؤيتك لمستقبل منظمة التحرير الفلسطينية؟
  • منير: منذ تلك اللحظة أصبحت منظمة التحرير بلا ميثاق وبلا إستراتيجية، وما بقي منها مجرد مؤسسات تحمل الاسم السابق، وتحاول أن تحافظ على وجودها وهياكلها، وإذا ما قامت حكومة للإدارة الذاتية المؤقتة فستحل مكان اللجنة التنفيذية تلقائيًا، ويصبح الموضوع كله بحاجة إلى صياغات جديدة مختلفة عن السابق، حتى لو احتفظ بعضها بالأسماء السابقة.
  • المجتمع: هل تؤيد اللقاء بين القوى الفلسطينية (وخاصة الإسلامية منها) وبين ياسر عرفات في هذه المرحلة؟ وهل تعتقد أن ثمة جدوى لمثل هذا اللقاء؟
  • منير: لا أعتقد أن ثمة إمكانًا للقاء في هذه المرحلة، فهذا ما عبرت عنه قيادات المعارضة، ولكنني أرى أن اللقاءات على مستوى أدنى يجب أن تتواصل؛ فالمطلوب ألا تصل الأمور إلى القطيعة؛ لأن ذلك أحد شروط تجنب الاقتتال والفتنة، وتجنب دفع الوضع الفلسطيني إلى حالة أسوأ مما هو عليها. وبالمناسبة أرى أن تجارب المقاطعة والقطيعة أثبتت عدم جدواها في كل الحالات التي عرفها التاريخ العربي المعاصر، وإن كان هذا لا يمنع من أن تكون ثمة حالات يرفض فيها الطرف لقاء الطرف الآخر بسبب اعتبارات وظروف محددة، أما إغلاق الأبواب بالحديد والأسمنت فليست من الكياسة في شيء.

أهمية التواصل مع الجماهير

  • المجتمع: اعتبرت كثير من الأطراف الفلسطينية والعربية قيام قيادة المنظمة بالاعتراف بالعدو الإسرائيلي وتوقيع الاتفاق معه- خيانة للشعب والقضية الفلسطينية والأمة العربية والإسلامية، فإلى أي مدى تتفق مع هذه الرؤية؟
  • منير: في الحقيقة لا أعتقد أنه من الصواب أو الحكمة السياسية في معارضة الاتفاق أن يعالج على مستوى الاتهام بالخيانة؛ فالخيانة في تعريفي هي العمالة للعدو، وهي غير التفريط، أو التراجع، أو التسليم، أو الاستسلام، ولكن يمكن أن نتوقع من هذا الاتفاق أن يقود إلى تشكيل اتجاه خياني؛ بمعنى العمالة للعدو والدخول مع سبق الإصرار والتصميم في مشروعه ضد الأمة. ولهذا أرى أن على معارضي الاتفاق أن يحسنوا اختيار خطابهم في معارضة الاتفاق، وألا يقعوا في فخ شعارات المهاترة، لكي يبقوا باب التواصل في الخطاب مع جماهير واسعة من الفلسطينيين اتجهت لإعطاء فرصة للاتفاق، وبعد ذلك تنزل حكمها النهائي به. فإذا كنا واثقين من أن هذا الاتفاق بني على إجحاف لا حدود له، ومن أن عدونا يصارعنا صراع وجود فلنحترم حكمة الشعب حين يريد الإمهال لتبين الأمور على حقيقتها، دون أن نتراجع عن موقفنا المبدئي أو رؤيتنا المسبقة للنتائج المتوقعة، فالزمن طويل والعاقبة للمتقين.

مطلوب من الفصائل الفلسطينية موقف واضح من الحقوق الثابتة عربيًا وإسلاميًا

  • المجتمع: وما المطلوب من القوى والفصائل الفلسطينية الرافضة للاتفاق وخصوصًا ذات التوجه الإسلامي في هذه المرحلة؟
  • منير: المطلوب من القوى المعارضة للاتفاق سواء كانت فصائل أم أفرادًا أن يحددوا موقفًا مبدئيًا واضحًا وصريحًا فيما يتعلق بالحقوق الثابتة كافة، إسلاميًا وعربيًا وفلسطينيًا بالنسبة إلى قضية فلسطين، كما بالنسبة إلى الصراع ضد الصهيونية عمومًا والاغتصاب الصهيوني لفلسطين خصوصًا. كما لابد من تقديم تحليل معمق للأخطار العملية الناجمة عن الاتفاق على المستقبل الفلسطيني والعربي والإسلامي، ثم بعد ذلك العمل على كسب الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي إلى جانب موقفهم ضد الاتفاق. وقد يحتاج هذا بسبب الظروف الراهنة إلى صبر وأناة وحكمة وطول نفس، ومن ثم فإن خطوات المعارضة يجب أن تكون مدروسة من جهة، وقادرة من جهة أخرى على تجنب الاقتتال، وحريصة على عدم الوقوع في الشراك التي ينصبها العدو الصهيوني لها. وبالمناسبة يجب أن نكون على ثقة بأن هذا الاتفاق يحمل في داخله كل عوامل موته.
  • المجتمع: وهل تجد ثمة فوارق حقيقية بين اتفاقية كامب ديفيد التي رفضتها قيادة المنظمة في حينه وبين اتفاق غزة- أريحا؟
  • منير: من يقارن بين الاتفاقيتين سيجد أن اتفاقية كامب ديفيد -على سوئها- أفضل عشرات المرات من اتفاق أوسلو بما في ذلك شطرها المتعلق بالحكم الذاتي، وإنه لأمر عجيب بالنسبة إلى من يوافقون الآن على اتفاق أوسلو وقد أقاموا الدنيا وأقعدوها على كامب ديفيد، واتهموا موقعها بالخيانة، أما الذين رفضوا تلك وهذه فموقفهم متماسك في الحالتين.

حدود إسرائيل في تصوير بيريز

  • المجتمع: هل تعتقد أن قبول الجانب الإسرائيلي لصيغة الحكم الذاتي يعني إسقاطها لمشروع (إسرائيل الكبرى)؟
  • منير: من يراجع أفكار بيريز مهندس الاتفاق يلحظ أن موضوع إسرائيل الكبرى بالنسبة إليه لم يعد في الظروف العالمية الجديدة متعلقًا بحدود معينة، وإنما أصبح يرى إسرائيل الكبرى حين تتحول إلى يابان الشرق الأوسط وإلى القوة السياسية المتنفذة الأولى فيها؛ فإذا كان الكيان الإسرائيلي قد بني كعملاق عسكري في الأربعين سنة الماضية، بينما كان قزمًا سياسيًا واقتصاديًا؛ ففي السياسة كان العملاق العسكري منبوذًا من غالبية دول العالم، وفي حصار سياسي خانق، ويشهد على ذلك وضعه في هيئة الأمم المتحدة، وكان قزمًا اقتصاديًا حين اعتمد كليًا على المساعدات الخارجية. أما اليوم فالإستراتيجية التي يعبر عنها بيريز تهدف إلى زيادة العملقة العسكرية للكيان الإسرائيلي في المنطقة من خلال التكنولوجيا، وتجريد الآخرين من قدراتهم العسكرية مما يسمح للجيش أن يخفض من عدد قواته ومن نقاط وجوده، ولكن يجعل مداه الشرق الأوسط كله على الأقل، ولكن إلى جانب هذا تبني إسرائيل عملاقًا اقتصاديًا وسياسيًا في المنطقة؛ فالمساعدات التي يراد استجلابها لتنمية الضفة والقطاع أو تهيئة السبل أمام التعاون الاقتصادي في المنطقة- يراد منها أن تحول الكيان الإسرائيلي إلى عملاق اقتصادي إلى يابان، كما أن الصلح والدعم الأمريكي والغربي سيجعل للكيان الإسرائيلي كلمة نافذة في أوضاع المنطقة، وإن ذلك كله أكبر بكثير من حلم (إسرائيل الكبرى) ذي الحدود التوراتية.

الاتفاق يحول الأمة إلى أجزاء متفرقة ويثير كل العصبيات

  • المجتمع: ما التأثير المستقبلي المتوقع -في اعتقادك- للاعتراف في اعتقادك بالكيان الصهيوني وتوقيع الاتفاق على مستقبل الأمة العربية والإسلامية؟ وهل تتوقع خطوات قادمة في هذا الاتجاه؟
  • منير: إضافة إلى ما ذكرته سابقًا، فإن التأثير المطلوب للاتفاق هو أن يحول الأمة العربية والإسلامية إلى أجزاء متنافرة بإحياء كل ألوان العصبيات، ووضع الجميع في حالة الشلل والتآكل والتعفن، وبالطبع ستكون هنالك خطوات تالية، ولكنها ستكون استمرارًا للخطوة الراهنة ومن شاكلتها وأسوأ منها؛ فالأحشاء التي حملت باتفاق أوسلو هي الأحشاء نفسها التي ستحمل الخطوات التالية، وعليه قس والعياذ بالله.
  • المجتمع: ما تقييمك لدور الحركات والمفكرين في العالم الإسلامي من التطورات الأخيرة؟
  • منير: بالإضافة إلى ما ذكرته في معرض ردي حول الدور المطلوب من القوى الفلسطينية، أعتقد أن الموقف المعارض للاتفاق على المستويين العربي والإسلامي لا يستقيم إن اقتصر على الإدانة والشجب ودعم الموقف المعارض الفلسطيني، على الرغم من الأهمية الكبرى لذلك؛ لأن الأمر الحاسم هو استعادة الصحة للوضع العربي والإسلامي، أي الحاجة إلى التغيير العربي الإسلامي باتجاه بناء الأمة الأقوى والأعز، الأمر الذي سيترك تأثيره فورًا على الصراع في فلسطين.
  • المجتمع: هل تعتقد أن التطورات الأخيرة المتعلقة بالاعتراف بالعدو الإسرائيلي وتوقيع الاتفاق معه تشكل بداية مرحلة جديدة؟ وكيف تنظر إلى مستقبل القضية الفلسطينية؟
  • منير: فرض توقيع الاتفاق ومن ثم تنفيذه يشكل قطعًا مرحلة جديدة مختلفة جوهريًا عن المراحل السابقة كلها، ومن ثم لابد من إستراتيجيات جديدة، ولغة خطاب جديدة، وإدارة للصراع جديدة، ولكن ضمن الوقوف على الأرض نفسها والانطلاق من المبادئ والثوابت والأهداف نفسها، وليس كما فعل الذين دخلوا اتفاق أوسلو حين انقلبوا على الأرض التي وقفوا عليها، وعلى المبادئ والمنطلقات التي حملتها الثورة الفلسطينية.
الرابط المختصر :