; هذا هو توماس فريدمان | مجلة المجتمع

العنوان هذا هو توماس فريدمان

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2002

مشاهدات 69

نشر في العدد 1508

نشر في الصفحة 40

السبت 06-يوليو-2002

نموذج للتوظيف السياسي الرسمي للصحافة، وتقديمها للقراء في صورة مخادعة

تتبعت جل مقالاته وأعدت قراءة المثير منها على كثرتها، ولما رأيت احتفاء بعض العرب به قررت أن أبين بعض الحقائق وأطرح الموضوع برمته للنقاش.. ولدي المزيد.

محترف في كتاباته، فعناوين مقالاته مثيرة وجذابة.

ماهر في اختيار عباراته، فهي خليط من السياسة والأدب.

لاذع في انتقاداته التي قد تتجاوز أحيانًا حدود الأدب.

مكوكي في حركاته، فلا يكتب من مكتبه في صحيفة نيويورك تايمز بل من عواصم العالم خصوصًا العربي. 

مخابراتي في زياراته فلا يترك التفاصيل الصغيرة

يتسلل متسربلًا بالحديث الذي يدغدغ المشاعر عن الديمقراطية والحرية المفتقدة في عالمنا العربي فيأسرك ويغريك على أن تستمع إلى كلماته القوية أحيانًا، المثيرة أحيانًا كثيرة.

يحدثك عن الكبت فتكاد تقول: إي والله .. هذا صحيح.

يحدثك عن الديمقراطية المفقودة فتردد في نفسك تمامًا كما لو كان يعيش بيننا. 

يحدثك عن السلام وعن ضرورة وقف بناء المستوطنات فتقول في نفسك: ياله من داعية سلام رغم أنه يهودي!. 

يناشد بوش أن يتدخل بصورة أكبر في الشرق الأوسط فتعتقد أنه حريص علينا، محب لنا، متعاطف مع قضيتنا.

لكنك سرعان ما تكتشف أنه لم يفعل ذلك إلا بعد أن سالت دماء اليهود وبعد أن باتوا على أبواب الموت ينتظرون، وأن كيانهم بات في مهب الريح كما كتب هو نفسه يومًا. 

ينال من اليمين اليهودي والمسيحي المتطرف في أمريكا فتظنه يهوديًا معتدلًا، فإذا به يتبنى وجهة نظر الاحتلال في كل شيء.

يطالبنا بعلمنة مجتمعاتنا ولا يقترب من معتقدات اليهود وما يزعمون عن حقوقهم الدينية في فلسطين أو في القدس، لا بل إنه ينادي بدولة خالصة لليهود Jewish state لا يجاورهم فيها أحد من أصحاب الديانات الأخرى. 

يناشدنا نحن العرب أن نتوقف عن الحديث عن فلسطين، وإذا به ينال معظم جوائزه الصحفية عن كتاباته عن فلسطين «وعن معاناة اليهود من إرهاب الفلسطينيين».

يتحدث عن فقدان التسامح في ديننا وفي عاداتنا وتقاليدنا لكنه لا ينفك يتحدث عن ضرورة استخدام القوة والعنف ضد كل من يتجرأ ويهدد مصالح أمريكا.

ولا يكاد يخلو مقال من مقالاته التي نال عنها جائزة بوليتزر الصحفية من كلمة الإرهاب وربطها بالمسلمين.

يجوب أرجاء العالمين العربي والإسلامي ليكتب لا عن السلام بل عن تدهور أوضاعهما في ظل عدم تطبيع علاقائهما مع الاحتلال.

یزور پاکستان فيراها مفرخة الإرهاب. 

ويزور الهند فيراها واحة الديمقراطية. 

ويزور إندونيسيا فيراها معبأة بالحقد ضد إسرائيل وشعبها، يحب أمريكا ويكره سياستها.

يزور الأردن فيجد أن رجال الأعمال الأردنيين هم الضحايا غير المعلنين لما يحدث في فلسطين. وينقل عن بعض وزراء الأردن رغبتهم في التخلص من الملف الفلسطيني لكنهم لا يجرؤون على مواجهة الشارع المشحون. 

يزور دبي فيعلن أن العمليات الاستشهادية أثرت في إسرائيل لكنه يراها عمليات انتحارية وإرهابية وعلى الجميع محاربتها إذ لا عائد سياسيًا من وراءها.

يزور مصر فلا يرى فيها سوى التاريخ القديم. والشريك الضاغط على عرفات.

يمدح دور مصر المحوري، فإذا ساندت مصر حقوق الفلسطينيين، قلب لها ظهر المجن، وراح يطالبها باحترام حقوق الإنسان والإفراج عن المعتقلين من أنصار أمريكا.

وبعد الإفراج عنهم يصمت صمت القبور. 

عندما لا تتحرك الدول العربية الكبرى ينتقدها، وحين تتحرك لمحاصرة المد الصهيوني في أمريكا ينتقدها نقدًا لاذعًا، وبلا أدنى حد من حدود اللياقة. 

يستقبل رئيس أكبر دولة عربية عشية زيارته الولايات المتحدة بزفة كافية ومفضوحة في مقال ينم عن الحقد على مصر، لا على رئيسها أو سياستها. مقال يشم المرء منه رائحة الشيكل اليهودي.

يزور إيران فيراها نموذجًا يستحق أن تفتح أمريكا معه حوارًا وأن تضع إيران ملف علاقتها بـ«الإرهاب» الفلسطيني على الطاولة، ويرى أن مشكلة إيران في دعمها للمنظمات الجهادية الفلسطينية، إضافة إلى امتلاكها لمنشآت نووية. 

قبل أسابيع قليلة من إعلان المبادرة العربية في قمة بيروت.. قال مناشدًا العرب أراهنكم أن تقدموا مبادرة سياسية جديدة تعلنون فيها أنكم كلكم تقبلون بدولة إسرائيل وأنا أضمن لكم انسحاب إسرائيل وقيام دولة فلسطينية، فلما فعل العرب نكس على عقبيه وتولى ولم يعقب. 

ولما أراد أن يعقب في شهر أبريل وصف القادة العرب بأنهم غير شرعيين وغير منتخبين!.

يطالب بقرار جديد لمجلس الأمن يفرض الوصاية على الأراضي الفلسطينية، ويدعو حلف الأطلسي للتدخل وحماية حدود «إسرائيل»، لحين إثبات الفلسطينيين قدرتهم على القيام بهذا الدور. 

وحين وقعت مجازر جنين خنس صوته واختفى قلمه كأنه راح في نوم عميق، وحين تحدث نطق كفرًا فقال في مقاله «حروب ستة ومازال العد مستمرًا»: «لقد تسبب عرفات في تدمير المدن الفلسطينية مثل رام الله ونابلس وجنين»، وكأنها دمرت بقنابل عرفات أو دبابات أبو مازن أو صواريخ أحمد قريع!.

يغفو أو ينام حين تسيل دماء المسلمين لكنه دائمًا يفيق على أصوات العمليات الاستشهادية، وينزعج عندما يسمع أو يشاهد صرخات اليهود من هول تلك العمليات.

يقول عن الغزو الصهيوني لما تبقى من الأرض الفلسطينية إنها الحرب الفلسطينية الإسرائيلية السابعة! 

لا يكاد يترك مقالًا دون الحديث عن إرهابنا. نحن العرب والمسلمين وجل همه أن مناهجنا مليئة بالحقد والكراهية، وأن إعلامنا (الراقص) يبث السموم ويحض على العنف وأن مؤسساتنا الدينية أس البلاء وبيت الداء!. 

ولا يتطرق أبدًا للحديث عن المدارس الدينية اليهودية وعن اليمين المتطرف الذي يقود الحكم في الكيان الصهيوني.

مساجدنا من وجهة نظره أوكار الإرهاب. 

ومدارسنا الدينية مراكز غسل المخ.

ومناهج التعليم مراكز لتوريث التخلف. 

كل شيء فينا قبيح ذميم حتى نؤمن بأن «إسرائيل» دولة صديقة أو جارة عزيزة. 

يدعو إلى قيام دولة فلسطينية تدريجية لكنه يصر على أن تكون بلا بشر وبلا عودة للاجئين وبلا جيش، ويفضل أن تصبح فلسطين هي الأردن بضم الأردن وما تبقى من أرض فلسطين إلى كيان جديد. 

أو أن تصبح الأردن هي فلسطين بترحيل كل الفلسطينيين وتهجيرهم إليه، أو لا يصبح هناك ما يعرف بفلسطين على الإطلاق وذلك بأن تضم «إسرائيل» ما تبقى من أراضي فلسطين إلى الأبد. 

يدعو القادة العرب إلى التفكير في التنمية والانصراف عن قضية فلسطين، ثم يدعوهم مرة أخرى وربما في مقال واحد إلى تحجيم الإرهاب والإرهابيين حتى لا يؤذوا أمريكا ولا إسرائيل، ويعود ليطالب القادة بأن يكونوا ديمقراطيين مع شعوبهم أي أن يذبحوا بسكين مسنون حتى لا تتوجع الشعوب.

يشتم -باسم الرئيس الأمريكي- رموز العالم العربي عبر رسائله التي يعتقد البعض أنه يتخيلها وفي الحقيقة أنها تملى عليه من خلال تسريب معلومات وبيانات من الإدارة الأمريكية، فهو ذو حظوة ومكانة يحسده عليها زملاؤه الصحفيون في الولايات المتحدة. 

يمارس النقد ويطالب الآخرين بعدم النقد لأنهم إذا انتقدوه فهم معادون للسامية لأنه يهودي وهم غير ذلك.

ينتقد أوروبا ويسخر من فرنسا لأنها تجرأت ووقفت ضد سياسات إسرائيل، ويفتح ملفاتها في الجزائر ويقول إن ما تمارسه إسرائيل في فلسطين لا يرقى إلى معشار ما فعلته فرنسا في الجزائر. 

يزور قطر فيمتدح قناة الجزيرة ويعتبرها قناة الحرية، ثم حين يدور الحديث عن الفظائع الإسرائيلية وما ترتكبه عصابات اليهود في فلسطين يلقى باللائمة على الجزيرة وأخواتها من الفضائيات العربية التي فضحت ممارسات شارون وعصاباته!. 

ولما ضج بما تنقله فضائيات العالم من جرائم بني جلدته ووجد نفسه ممسوك اللسان مقصوف القلم كتب يقول: «غير القناة» ليحدثنا عن مباريات الجولف.

لكنه لا يغير القناة حين يكون الحديث عن العمليات الاستشهادية والفدائية، وينذر بأنها الأخطر والأقوى وبضرورة الوصول إلى حل قبل أن يتمكن هؤلاء من فرض الحل على طريقتهم وهذا ما عبر عنه في مقال له بعنوان «ريح قذرة».

يطالبنا بقبول إسرائيل ولا يطالبها بقبول حق عودة اللاجئين ولا بحقنا في القدس، وكل ما يمكنه الجهر به هو الحديث الفارغ عن العودة لحدود ما قبل ١٩٦٧م. 

يطالبنا باحترام القرارات الدولية ثم لا يتحدث مطلقًا عن رفض إسرائيل للجنة تقصي الحقائق عن مذابح مخيم جنين، ولا يعتبر ما حدث سبة في جبين القانون الدولي والشرعية الدولية التي طالما أزعجنا بالحديث عنها حين كانت أمريكا تقصف كل شيء تقريبًا في أفغانستان.

يدعى في أكثر من محفل عربي ليحدثنا عن ديمقراطيتنا المكبوتة وحرياتنا المخنوقة وعلى الهامش يتحدث بخجل عن الدولة الفلسطينية تمامًا كما يفعل جورج بوش الذي طالبه يومًا بأن يكون جورج دبليو السادات.. لأن السادات من وجهة نظره كان جريئًا في قبول إسرائيل.

يطلع على كل ما يكتب في العالم العربي عبر جيوش الراصدين في المخابرات الأمريكية والصهيونية التي تزوده بما يكتب وينشر ويقال في عالمنا العربي والإسلامي وينتقد د. غازي القصيبي على قصيدة ينعي فيها الأطفال والنساء الشهداء في فلسطين لأنه لا يرى فيهم شهداء بل مجرمين وينسى أن يقرأ بالعبرية ما تبثه أقلام الصهاينة. 

لم نقرأ له مقالًا يعلق فيه على حديث وزير «العدل» الأمريكي أشكروفت ولا كلمات بوش عن الحرب الصليبية ولا تعليقات وزيري الداخلية والخارجية الألمانيين في حق الإسلام.. وهو الذي يريدنا أكثر تسامحًا وأكثر انشغالًا بالتنمية والتطوير وأن ننسى فلسطين. 

كلما وجد قطرًا عربيًا يرفع يده عن فلسطين اعتبره بلدًا تقدميًا متطورًا، وناميًا اقتصاديًا رغم أن تقارير المنظمات الاقتصادية والمالية العالمية لا ترى ذلك إلا أن توماس يرى أنه المرجعية المعتمدة لاعتبار تلك الدول متقدمة ومتطورة وديمقراطية رغم سجلاتها السود في حقوق الإنسان والديمقراطية التي اعترف بها توماس في بعض مقالات، لكنه ومن أجل عيون إسرائيل يغض الطرف عن ملايين من ضحايا الكبت والقهر والغزو الصهيوني معًا. 

يعتقد أن النضال الفلسطيني الحالي لا يهدف إلى تحرير ما احتل عام ١٩٦٧ بل لتحرير كل فلسطين عبر مطالبة الفلسطينيين بحق العودة للاجئين، الأمر الذي يعني عمليًا القضاء على إسرائيل كدولة لليهود، ومن هنا ينطلق بالتشكيك في نوايا كل الفلسطينيين ويؤلب عليهم العالم عبر مقالاته التي تنتشر في العالم، والفضل في ذلك للإعلام اليهودي الذي قرر حمله وترويجه كوجه يهودي معتدل يمكن للعالم القبول به. 

یکره بنيامين نتنياهو ويراه مهرجًا سياسيًا لكنه يصف باراك بأنه الجنرال السخي الذي قدم لعرفات ما لا يمكن لأحد أن يقدمه، لكن عرفات لا يستحق العطاء (الباراكي!!)

هذا هو توماس فريدمان.. فهل مازال هناك شك أو وهم حول الرجل وطبيعة الدور المنوط به.

الرابط المختصر :