; المجتمع التربوي: 1134 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي: 1134

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يناير-1995

مشاهدات 47

نشر في العدد 1134

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 17-يناير-1995

   إعداد: عبد الحميد البلالي

وقفة تربوية
هذه الظاهرة

لا أظن أن ما يصيب المسلمين في هذا الوقت من الزمان من إبادة في أماكن مختلفة في العالم يشكل المصيبة الأعظم، أو حتى مصيبة عظيمة، بل إن أعظم من هذه المصيبة هي تلك الظاهرة التي بدأت تستشرى في جسم الحركة الإسلامية الممتدة في العالم كله، ألا وهي ظاهرة استرخاص دم المسلم، والاستخفاف بعرضه، والاستهانة بتكفيره وتفسيقه، والتي جاءت على صور متعددة، منها ما يحدث في الجزائر من «ذبح» بعض العلماء على أيدى بعض الجماعات الإسلامية المسلحة لا لسبب سوى خلاف في الرأي حول الحوار من عدمه مع الحكومة. 

وما يحدث في "أفغانستان" بين المجاهدين من سفك لدماء بعضهم بعضًا، وما يحدث في مناطق أخرى في العالم الإسلامي من إصدار كتب ونشرات تكفر وتفسق علماء مشهود لهم بالصلاح والعمل الصالح. 

أقول إن هذه إن لم تكن المصيبة الأعظم فهي بلا شك من أعظم المصائب، والتي يرجع سببها الرئيسي إلى عدم تمكن وتغلغل الإيمان الصادق في نفوس الدعاة والانشغال بالتمدد الأفقي على حساب تعميق المعاني الإيمانية في النفوس، مما أوجد فراغًا إيمانيًا في القلوب مُلِئَ بالهوى والانتصار للنفس أو الأشخاص، أو الحزب. ولو كانت القلوب عامرة بالإيمان والتقوى والورع لما حدث مثل هذا التخبط، وهذا يدعونا إلى أن نراجع حساباتنا وأن نستدرك ما فاتنا، ونعتمد منهجية التعميق الإيماني في النفوس، حتى لا تعترضنا مفاجآت في الطريق لم نكن نتوقعها.

  أبو بلال

موانع الحركة في العمل الجماعي

   بقلم: ناجي عبد الله الخرس

إن معرفة الداعية موانع عمله ليس بخطأ لأنه لا يريد معرفة المانع لذاته ولكن لتوقيه والحذر منه كما قال الشاعر:

عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه 
                                       ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه 
وحتى يكون الداعية واقعيًا يجب أن ينظر إلى المانع نظرة موضوعية، فالخطأ ليس عيبًا ولكن العيب كل العيب ألّا أعترف بالخطأ، أو أقوم بتبرير الخطأ، أو أتجاهل من يحذرني من الخطأ، لأنه ما دام هناك عمل إذن هناك خطأ والذي لا يعمل لا يخطئ.

واعلم أخي الداعية أن من مصادر الدعوة الرئيسية الخبرة والممارسة الميدانية، وهذه لا تتم إلا بالمشاركة والمخالطة والمحاورة، لذلك قالوا: لا حكيم إلا ذو تجربة، والداعية إنسان يصيب ويخطئ، فإذا أصاب فليحمد الله وإذا أخطأ استغفر، وأبدل العمل الضعيف بعمل قوي صحيح. 

لذلك ننبه إلى بعض الموانع التي تعوق حركة العمل الجماعي من الداخل وهي:

المانع الأول 
ميل النفس إلى اتباع شبهة توافق العقل

يقول الشاطبي- رحمه الله- «سُمَّي أهل البدع أهل الأهواء: لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مآخذ الافتقار إليها والتعويل عليها حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك. «الاعتصام ٢/١٨٦».

وللتوضيح أكثر كما جاء في كتاب «مُقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم»: تأليف "محمد العبده" و"طارق عبد الحكيم": إن الشبهة التي تعرض من قبل المناط- أي تطبيق الواقع على الحكم الشرعي لا من قبل الدليل- وهذه كثيرًا ما يكون عليها دليل شرعي صحيح، وإنما الأمر فيها أن صاحبها يقدم أمرًا شرعيًا على أمر شرعي آخر هو أولى منه بالتقدمة وأدعى للمصلحة الشرعية وأنسب لمقصد الشريعة دون تمحيص للأدلة، ولا اكتمال القدرة على الترجيح والنظر في الأدلة ولا يكون ذلك إلا باتباع ما تميل إليه النفس في طبيعتها المركوزة، فإنه عند غياب العلم الهادي للحق، لا يكون إلا الهوى المردي للخلق.. نأخذ مثالًا في مجال الدعوة: 

تلك النفس القوية العنيفة التي لا ترضى إلا بشرعة التدافع والقهر ثم إن هذه النفس قد صادفت واقعًا بعيدًا عن الإسلام، فهي ترغب في تغييره واستبداله بواقع إسلامي نقي تكون فيه صلتها بدينها موصولة العُرى كما أراد لها ربها أن تكون فينشأ في هذه النفس- وفي غفلة من العقل الفاحص المدقق- اتجاه يدفعها إلى الحل العنيف دفعًا، ويجعلها تقدمه على غيره ابتداء ذلك ولم يعرض على العقل دليل بعد ولم يسعَ في البحث عن الأمر. 

لذلك قال الماوردي: «لمّا كان الهوى غالبًا إلى سبيل المهالك مُوردًا، جُعل العقلُ عليه مجاهدًا، يلاحظُ عثرة غفلته ويدفع بادرة سطوته، ويوضح خداع حليته، لأن سلطان الهوى قويّ ومدخل مكره خفيّ».

المانع الثاني 
ترك المناصحة داخل العمل

إن تقويم أي عمل من أسباب نجاح واستمرار هذا العمل، فكيف إذا كان العمل يقوم هدفه على إصلاح المجتمع جملة وتفصيلًا؟ ألا يكون هو الجدير بالتصحيح والغربلة والتمحيص؟ فهذا "موسى" - عليه السلام، وهو من أولى العزم من الرسل، ما منعه أن يصحح أسلوب دعوته حتى تكون مؤثرة في الناس أن يستعين بأخيه "هارون" - عليه السلام - لأنه أفصح منه لسانًا.

فليحذر الدعاة من ترك التناصح والتواصي فيما بينهم لأن الظل لا يستقيم إذا كان العود أعوج، وهذا مثل يضرب لمن يريد أن يصلح غيره وهو غير صالح فإذا كان الداعية يريد أن ينصح الناس فلينصح نفسه هو أولًا ثم في داخل مؤسسته لأن في التناصح تنبيه وتصحيح وتقويم وفاقد الشيء- كما يقولون- لا يعطيه.

لذلك نجد أن للنصيحة مكانة عظيمة كما قال - صلى الله عليه وسلم-: «الدين النصيحة»، أي إن النصيحة هي عماد الدين وقوامه والمدار عليها وحدها. ولأهمية النصيحة في العمل ذكرها "رسول الله"- صلى الله عليه وسلم - مع البيعة كما جاء في البخاري عن "جرير بن عبد الله البجلي" - رضي الله عنه- قال: أتيت "رسول الله" - - صلى الله عليه وسلم - قلت: أبايعك على الإسلام، فشرط علىّ «والنصح لكل مسلم».

المانع الثالث 
الخلل في السلوك

عندما أراد "الرسول" - صلى الله عليه وسلم - تبليغ دعوته سأل المشركين عن منزلته عندهم فشهدوا له بالصدق والأمانة.

وعندما هاجر خوفًا من غدر الكفار وخيانتهم له قابل خيانتهم بوفائه وصدقه، فترك عليًّا في فراشه ليرد أمانات المشركين الغادرين إليهم، مع ما في الأمر من مجازفة بحياة "علي" - رضي الله عنه.

وفي معركة أحد عندما صاح "ابن قمئة" أنه قتل "محمدًا"، وأراد "أبو سفيان" أن يتأكد من الخبر لم يسأل المشركين من قومه، وإنما صاح في آخر المعركة أفيكم "عمر بن الخطاب"؟ وعندما جاءه "عمر"- رضي الله عنه - قال له "أبو سفيان": أنشدك الله يا "عمر" أقتلنا "محمدًا"؟ قال "عمر": اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندي من "ابن قمئة" وأبر «الرحيق المختوم ۳۲۷».

اعلم أخي الداعية أن الناس يتأثرون بالحال أكثر من تأثرهم بالمقال، لذلك تجد أن الناس لا ينقصهم كتاب، أو شريط ولكن ينقصهم داعية قدوة يعيش بينهم ويرونه أمامهم، لذلك جاءت الحكمة التي تقول: «إن ليس بعد العين أين» لأن المشاهدة لا تحتاج إلى معرفة هل هذا الداعية صادق أم غير صادق؛ لأن سلوكه وحاله يدل على ما يحمل من مبادئ وقيم. ولذلك لما سُئلت أم المؤمنين "عائشة" - رضي الله عنها- عن خلق "النبي" - صلى الله عليه وسلم - قالت: كان خلقه القرآن.

وإذا سلك الداعية سلوكًا يخالف ما يقوله فإنه صادٌّ عن سبيل الله ومنفر للناس عن دين الله، ولذلك استمع وتأمل قوله تعالى في سورة النحل وهو سبحانه يحذر وينذر من كان على استقامة ثم انحرف عن طريق الحق ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (النحل: 94-95).

يقول الدكتور "مصطفى السباعي"- رحمه الله: «مصيبة هذا الدين في جميع عصوره بفئتين: فئة أساءت، وفئة أتقنت استغلاله، تلك ضللت المؤمنين به، وهذه أعطت الجاحدين حجة عليه».

المانع الرابع 
الظن في القعود سلامة وعافية

إن التعلل بهذه القاعدة هو نفس تعلل المنافق الجد بن قيس «ائذن لي ولا تفتني» وهذا التعليل عليل حيث رد سبحانه وتعالى ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (التوبة: 49) واستمع للإمام "الطبري" وهو يذكر مناسبة هذا القول في تفسيره لتعلم شناعة هذا التعليل حيث قال: إن "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم - ذكر ذات يوم وهو في جهازه "للجد بن قيس": «هل لك يا جد العام في جِلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فو الله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء "بني الأصفر" ألّا أصبر عنهن، فأعرض عنه "رسول الله" - صلى الله عليه وسلم - وقال: «قد أذنت لك» ففي "الجد بن قيس" نزلت هذه الآية ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (التوبة: 49) يقول "ابن تيمية" إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه وضعف إيمانه ومرض قلبه الذي زين له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصب بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟

يقول د. "فضل إلهي" - حفظه الله تعالى-: «وهكذا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب السلامة من فتنة لم تقع بعد قد وقع في فتنة كبرى، ألا وهي ترك ما أوجبه الله تعالى عليه من الاحتساب».

الرابط المختصر :