العنوان هستيريا العداء للإسلاميين في الجزائر تتصاعد في فرنسا وتروض الجيش للانقلاب
الكاتب لطفي رمضان
تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1993
مشاهدات 72
نشر في العدد 1079
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 14-ديسمبر-1993
الجزائر.. حين يعيد التاريخ نفسه
خلال حملة التمشيط الأخيرة التي قامت بها القوات الخاصة في حي بلكور
الشعبي وقع تجميع السكان أمام عماراتهم قبل الدخول لتفتيشها، وذلك خوفًا من تكرار
ما وقع في براقي حيث فوجئ العسكر بكمائن في بعض البيوت وقتل منهم عدد كبير. كان
هناك من ضمن الذين وقع إنزالهم إلى الشارع امرأة عجوز يعرفها أهل الحي حيث كانت من
المجاهدات في حرب التحرير، واستشهد شقيقاها في الحرب ضد الفرنسيين. لم تحتمل
العجوز ما يتعرض له أهل الحي من إهانات وضرب على أيدي الجنود فاختلط عليها الأمر
وعادت ذكريات الاستعمار حية في ذهنها، فأخذت تصرخ بهستيرية: تسقط فرنسا... تسقط
فرنسا... يا كفار.. الله أكبر... الله أكبر.. تحيا الجزائر.. تحيا الجزائر. خيم
صمت على المكان، أحد عناصر القوات الخاصة المعروفة بـ «النينجا» يوجه رشاشه إلى
العجوز ويطلق قذيفة جعلتها تتخبط في دمائها. تم ذلك في حضور عناصر من شرطة الحي
الذين كانوا يعرفون العجوز فاحتج أحدهم على قتلها فأعدمه النينجا.
على عين المكان يظهر أن الأمر في الجزائر لم يختلط على العجوز الشهيدة
فقط، بل إن كل الجزائر أصبحت تعيش أجواء الأشهر الأخيرة من عمر الاستعمار، أو
الاستدمار كما يسميه الجزائريون، عندما نزل أكثر من 100 ألف من قوات المظليين في
العاصمة الجزائرية وبدأوا حملة تمشيط واسعة أفضت إلى انفجار الغضب الشعبي يوم 11
ديسمبر 1961 مما أدى إلى إنهاء الاستعمار الفرنسي. وقد جاءت مسألة اختطاف الرهائن
الفرنسيين في الجزائر والحملة الواسعة التي شنتها السلطات الفرنسية ضد مناضلي
الجبهة الإسلامية في فرنسا للتثبت من امتثالهم للقوانين الجمهورية؛ الأمر الذي ذكر
بحملات مماثلة تمت منذ أكثر من 30 سنة قام بها فرانسوا ميتران وزير الداخلية آنذاك
لتفكيك فرع باريس لجبهة التحرير الوطني. ولا يزيد تولي المحامي فيرجيس الدفاع عن
معتقلي الجبهة الإسلامية -وهو الذي تولى الدفاع عن معتقلي جبهة التحرير آنذاك-
الـ«فلاش باك» التاريخي إلا مأساوية.
حتى الصحافة الفرنكوشيوعية المسيطرة على السوق الإعلامي بعد إيقاف
أكثر الصحف الوطنية والإسلامية أصبحت تعبر عن انحيازها لجذورها الفكرية بدون حياء؛
فعنونت صحيفة «الوماتان» الناطقة باسم الشيوعيين والتي يقع إعدادها في باريس حيث
يستقر رئيس تحريرها صفحتها الأولى بعنوان عريض: "فرنسا لن تخضع
للابتزاز"، وهو نفس العنوان الذي صدرت به صحيفة «الجزائر الفرنسية» صفحتها
الأولى إبان ما سمي حينها بمعركة الجزائر. حدث آخر يستفز الذاكرة الجزائرية هو
بروز جماعات مسلحة تلاحق الإسلاميين فيما يشبه ما كانت تقوم به "منظمة الجيش
السري" التي كونها المستوطنون الفرنسيون للانتقام من الوطنيين الجزائريين.
وقد اقتصر عمل هذه المنظمة حتى الآن على اغتيال بعض أقارب القيادات الإسلامية، حيث
تم ذبح صهر الشيخ علي بلحاج وقريبين للشيخ عباسي مدني، وشهدت هذه الأعمال
الانتقامية نقلة نوعية هذا الأسبوع باختطاف الدكتور التيجاني بوجلة أبرز علماء
الرياضيات في الجزائر والدكتور الحبيب هدام، وهما من قيادات العمل الإسلامي في
الجزائر وزعيمي ما يسمى بتيار "الجزأرة".
أدى اقتراب الموعد الذي حددته الطغمة الحاكمة في الجزائر لإنهاء
مهامها إلى ارتفاع الحرارة لدى القوى الفرنكوفونية على ضفتي المتوسط؛ فأما على
الضفة الجنوبية فقد انطلقت حملة تمشيط واسعة لم تشهد لها الجزائر مثيلًا حتى أيام
الاستعمار المباشر، وشاركت في هذه العملية التي شملت كل أحياء العاصمة تقريبًا
القوات الخاصة في الجيش والشرطة معززة بالطائرات والدبابات، وأسفرت عن اعتقال آلاف
المواطنين الذين يشتبه في تعاطفهم مع الجبهة الإسلامية. وتخلل هذه الحملات
اعتداءات على المواطنين وعلى الأملاك، حيث عمدت هذه القوات إلى هدم عديد المنازل
التي رفض ساكنوها الخضوع للتفتيش. وقد فوجئت هذه القوات بردود فعل غير منتظرة حيث
وقع تلغيم بعض المنازل من قبل المقاتلين الإسلاميين وتفجيرها حال دخول القوات
النظامية إليها مما أوقع خسائر فادحة في صفوف هذه القوات، واضطر وزير الدفاع إلى
إعلان انسحاب قواته بعد يومين فقط من بدء عمليات التمشيط التي استمرت بمشاركة قوات
الشرطة فقط.
ويعتقد الملاحظون أن هذه الحملة تهدف إلى تحقيق عدة مكاسب قبل حلول
الموعد الحاسم، أهم هذه المكاسب توجيه ضربة قاصمة للمجموعات المسلحة حتى تدخل
الجبهة الإسلامية للحوار عزلاء من أهم ورقة ضغط تمتلكها، وإعداد الأرضية لإعلان
حالة الاستثناء وإلغاء الحياة السياسية إذا فشل الحوار. وحتى لدى الجار الشرقي
للجزائر والذي كثيرًا ما تبجح بوصفته السحرية في مواجهة ما سماه بالخطر الأصولي،
فقد بدأت السلطة ونخبتها الفرنكوشيوعية تهتز وترتعش على وقع تسارع الأحداث
الجزائرية، بل وصل الأمر برئيس الدولة أن صرح بمناسبة الذكرى السادسة لانقلابه على
سلفه وفي رسالة واضحة للحكومة الجزائرية أن الحوار مع الأصوليين لا يجدي، وأنه لا
فرق بين المتطرفين منهم والمعتدلين.
لم يسلم السيد الأمين زروال وزير الدفاع الجزائري من هجمات الصحافة
الحكومية في تونس باعتباره أحد المتحمسين للمصالحة الوطنية التي توشك إن وقعت أن
تعصف بكل القصور الرملية التي بناها نظام السابع من نوفمبر على جماجم الإسلاميين،
وقد عبر أحد المسؤولين التونسيين عن ذلك في تصريح لصحيفة «لوفيجارو» الفرنسية حيث
قال: "رغم ما ترونه من استقرار في تونس، فإنه إذا حدث تغيير في مصر أو
الجزائر فإننا سنذهب في الربع ساعة الذي يلي ذلك". أما في الضفة الشمالية من
المتوسط، لدى "الوطن الأم" كما يسميها مثقفو "حزب فرنسا"، فقد
تصاعدت هستيريا العداء للإسلام فعادت مشكلة الحجاب لتطفو على السطح، وقامت الشرطة
الفرنسية بحملة اعتقالات واسعة في صفوف عناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كما قامت
بمحاصرة المساجد يوم الجمعة لمنع توزيع بيانات الجبهة.
هذا إضافة إلى اتخاذ الحكومة الفرنسية موقفًا واضحًا وصريحًا مما يحدث
في الجزائر مؤكدة أنها لن تسمح بتكوين دولة إسلامية فيها، بل بلغت حدة التوتر أن
صحيفة محترمة كـ«لوموند» قالت صراحة إن الشعب الجزائري يبحث عن بينوشيه متنور (Pinochet éclairé) في دعوة سافرة
للانقلاب العسكري. وإذا عرفنا مقدار الحقد الذي يكنه الجزائري لفرنسا، نعلم ما
تستفيده الآلة الدعائية للإسلاميين ضد السلطة الجزائرية بفضل الموقف الفرنسي
المساند للطغمة. الساحة السياسية الداخلية تتوجه ببطء نحو الاعتراف بضرورة فتح
حوار جاد مع الجبهة الإسلامية ومع الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج بالذات،
باعتبارهما الوحيدين اللذين يملكان من النفوذ المعنوي ما يضمن احترام أي اتفاق
يبرمانه مع السلطة.
وقد عبرت أهم الأطراف السياسية عن هذا الموقف، وخاصة جبهة التحرير
الوطني التي علقت مشاركتها في الحوار واشترطت لاستئنافه إطلاق سراح الشيوخ
وإشراكهم في الحوار، وكذلك الأمر بالنسبة لجبهة القوى الاشتراكية، كما أصدرت
ثمانية أحزاب وطنية نداء لإطلاق سراح المساجين السياسيين وإشراك الجبهة الإسلامية
في الحوار. بل إن الحزب البربري ألد أعداء المشروع الإسلامي في الجزائر صرح رئيسه
سعيد سعدي أنه لا مانع من محاورة الإسلاميين شرط الالتزام باحترام النظام
الجمهوري، وكأن الإسلاميين يدعون إلى إقامة «نظام ملكي». ويدعم هذا التوجه نحو
المصالحة تيار قوي في صفوف الضباط ذوي الرتب المتوسطة «عقداء» يدعو إلى سحب الجيش
من وحل المواجهة مع الشعب.
هذا ما جعل القوى المتطرفة تسعى لخلط الأوراق لإفشال أي مساع
للمصالحة، ويأتي في هذا الإطار إعلان رئيس النقابة والمعروف بعدائه الشديد
للإسلاميين مباشرة بعد مقابلته للوزير الأول عن اعتزامه الدعوة للإضراب العام في
محاولة لإحداث حالة من الاضطراب الشديد تجبر الجيش على تسلم السلطة مباشرة. وفي
نفس السياق يأتي البيان المفتعل الذي نسب للناطق الرسمي باسم الجبهة «عبد الرزاق
رجام»، ويكتسي البيان الذي يرجح أن يكون من إعداد جهاز المخابرات الجزائري طابعًا
متطرفًا غير معهود لدى الجبهة الإسلامية، حيث يرفض مشاركة الجبهة في أي حوار
ويتبنى العمل المسلح ويوجه تهديدًا صريحًا للأجانب المقيمين في الجزائر. المؤكد أن
الأيام القادمة ستكون حاسمة في الجزائر؛ فإما أن يتفق كل الأطراف على إطفاء الفتيل
وفتح أبواب الحوار لاستئناف المسيرة السياسية والعودة إلى خيار الشعب، وإما أن
تمتد النار لتحرق كل الذين شاركوا في إشعالها.