العنوان هل أثبتت خريطة الجينات صحة نظرية التطور؟
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1413
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 15-أغسطس-2000
في يوم ۲۰۰۰/٦/٢٦م أعلن الرئيس الأمريكي «بيل كلينتون» ورئيس الوزراء البريطاني «توني بيلير» أن بحوث العلماء التي كانت قد بدأت منذ عام ۱۹۹۰ - نجحت في اكتشاف 90% من خريطة الجينات البشرية وتثبيت مواقعها ولم ينتظر الرئيس الأمريكي حتى يتم تثبيت خريطة الجينات بشكل كامل عام ٢٠٠٣م كما هو متوقع من قبيل مراكز البحوث العلمية العاملة في هذا الحقل، بل أسرع بالإعلان عن هذا الكشف العظيم لأنه سيغادر البيت الأبيض عن قريب فأراد أن يكون هذا الإعلان المدوي في عهده هو.
والخطوة الآتية المهمة هي كشف وظيفة وخصائص كل واحدة من هذه الجينات البشرية التي يبلغ عددها مائة ألف من الجينات وفك شفرات وتحديد ٣ مليارات من القواعد الكيميائية التي تكون جزيئات مادة D.N.A وتسجيلها كبيانات تكون أساسًا لتحليل هذه المعلومات.
والحقيقة أن هذا كشف علمي مهم جدًا وخطوة علمية جبارة قال بعضهم إنه أهم من نزول الإنسان إلى القمر، وإنه يعادل اكتشاف الإنسان للعجلة في التاريخ القديم، وإن العصر الحالي سيكون عصر المكتشفات العلمية في ساحة الجينات وفي ساحة الهندسة الوراثية ذات الصلة الوثيقة بها ولا شك أن علومًا كثيرة ستخطو خطوات واسعة إلى الأمام مثل علم الطب والهندسة الوراثية وعلم الزراعة والطب الشرعي وصناعة الأدوية والإنتاج النباتي والحيواني ... إلخ.
ولكن - ككل شيء آخر - يمكن استعمال هذا الكشف استعمالًا سيئًا لذا يجب سن بعض القوانين في مجال استخدام هذا الكشف، ووضع بعض الشروط الأخلاقية والإنسانية لضمان بقائه ضمن ما يخدم الإنسانية، ولا تطلق الحرية المطلقة للتجارب في هذه الساحة، ولا يستغل ضد الأفراد وضد حرياتهم الشخصية، ولا يكون أداة ضد مصالح الأمم الفقيرة.
ولا نريد هنا تفصيل القول في أهمية هذا الكشف العلمي وفي آثاره المتوقعة، ولكننا نريد هنا تناول ما ظهر في بعض الجرائد والمجلات غير الرصينة وفي مجلات الإثارة في الصحافة الغربية من ادعاءات صدرت من بعض أنصار نظرية التطور من أن هذا الكشف قد برهن على صحة نظرية التطور ولا أدري إن قامت الجرائد والمجلات العربية - أو بعضها - بنقل هذه الادعاءات أم لا لقرائها.
ما أساس الادعاء بأن هذا الكشف برهن على صحة نظرية التطور؟
قبيل الإجابة عن هذا السؤال نود الإشارة إلى أن من يتتبع كتابات أنصار التطور يتأكد أن موضوع التطور لم يعد عندهم موضوعًا علميًا صرفًا قائمًا على البحث العلمي النزيه والموضوعي بل أصبح موضوعًا أيديولوجيًا. وهذا الجانب الأيديولوجي غلب عند الكثيرين منهم الجانب العلمي. وهذا هو السبب في وجود ظاهرة غريبة في موضوع نظرية التطور وهو قيام أنصار هذه النظرية وعلماؤهم بعمليات تزوير علمية شائنة لإيهام الناس بصحة هذه النظرية.. فقام أحدهم بتزوير صور الأجنة الإنسانية لكي تكون متوافقة مع نظرية التطور. وقام أخر بتركيب وصنع جمجمة زائفة نصفها العلوي أخذه من قحف إنسان والقسم السفلي من فك قرد الأورانجتون، وقدم هذه الجمجمة الزائفة على أنها جمجمة الكائن الذي كان الحلقة المفقودة بين الإنسان وبين القرد «حادثة تزييف إنسان بيلتداون المشهورة في بريطانيا» وانخدع بعملية التزييف هذه أكابر العلماء لمدة أربعين عامًا وكتب حولها آلاف الكتب والمقالات التي أشارت إلى أهمية هذه الجمجمة وكونها برهانًا قاطعًا على صحة نظرية التطور حتى تم اكتشاف زيفها.
إن فروع العلم الأخرى كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والجيولوجيا... إلخ لم تشهد مثل هذه العمليات الشائقة من التزوير ومحاولات الخداع اللاأخلاقية. أي أن المزيفين الوحيدين في دنيا العلم ظهروا من بين علماء وأنصار التطور فقط وهم لا يتورعون عن أي عمل في سبيل إيهام الناس بصحة هذه النظرية.
ولم يتخلوا هذه المرة أيضًا عن عادتهم هذه فزعموا أن كشف خريطة الجينات البشرية، أظهر أن هناك تشابها بنسبة 98% بين جينات الإنسان وجينات قرد الشمبانزي وهذا - بزعمهم - دليل لا يدحض على أن الإنسان قد تطور من القرود.
ولشرح هذا الموضوع والرد على هذا الزعم باختصار نقول:
1 - كيف يمكن وكيف يستطيع الإنسان مقارنة خريطة الجينات الإنسانية مع خريطة جينات قرد الشمبانزي التي لم تسجل ولم تكتشف بعد ألا يجب من أجل إجراء مثل هذه المقارنة اكتشاف خريطة جينات الشمبانزي وتثبيتها بعد دراسات ستستغرق أيضًا سنوات عديدة.
٢ - أما ادعاء وجود تشابه بنسبة ۹۸% بين جينات الإنسان وجينات الشمبانزي فيستند في الحقيقة إلى شيء آخر فقد لوحظ وجود تشابه في شكل التراص لجزيئات D.N.A في أربعين جزيئة من جزيئات البروتين في الإنسان مع ما موجود لدى القرود «انظر إلى المجلة العلمية Journal of Molecular Evolution العدد ٢٦ صفحة 99-۱۲۱
3- إن الإنسان يملك ۱۰۰ ألف بروتين والادعاء بأن الإنسان تطور من القرد من مجرد تشابه ٤٠ بروتينًا فقط ادعاء غريب وغير علمي.
ومن الطبيعي وجود مثل هذا الشبه بين جميع المخلوقات وليس بين الإنسان وبين القرد فقط فالأحياء جميعًا تتكون من الجزيئات نفسها. والإنسان يشرب من الماء الذي يشربه سائر الأحياء ويتنفس الهواء الذي يتنفسه سائر الأحياء ويتشابه ما يأكله مع معظم الحيوانات الأخرى. وإذا كان هذا التشابه يشير إلى شيء ما فهو يشير إلى وحدة تخطيط الخلق، وإلى وحدة التصميم. فمثلًا وجود العجلة في الدراجة وفي السيارة وفي الطائرة وفي القطار وفي الحاصدة الزراعية وفي آلات وأجهزة أخرى كثيرة لا يدل على أن السيارة تطورت آليًا من الدراجة ثم تطورت إلى الطائرة أو إلى القطار ولكن يدل على أن هذه المكائن كلها من تصميم الإنسان. أي يرجع إلى مصمم واحد هو الإنسان والأبنية بمختلف أشكالها وأنواعها ووظائفها ترجع إلى وحدات أساسية في الأصل هي الطوب أو الكونكريت ولا يمكن لأحد الادعاء بأن بعضها تطور عن البعض الآخر استناداً إلى تشابه لبنات البناء.
4- والدليل على أن هذا التشابه المحدود والضئيل ليس دليلًا على تطور الإنسان من القرد أبحاثًا كثيرة جرت على أنواع عديدة من البروتينات مثل بروتين «ريلاكسين Relaxin» وبروتين الأنسولين Insulin» فظهر أن الإنسان لو أخذنا بمنطق تشابه جزيئات هذه البروتينات - قريب من الدجاج ومن الخنزير ومن السلحفاة أكثر من قربه من الأحياء الأخرى.
إذن فوجود مثل هذا الشبه لا يعني شيئًا حول القرابة بين الأحياء.
5- في أحد الأبحاث ظهر أن بين الإنسان وبين دودة Nematod تشابهاً بنسبة 75%.
«انظر إلى New Scientist بتاريخ ١٩٩٩/٥/١٥ صفحة ٢٧»
إذن فمن الخطأ انطلاقًا من وجود مثل هذه التشابهات الوصول إلى نتيجة أنها تشير إلى قرابة تطورية.
يقول البروفيسور «ميشيل دانتون» وهو من العلماء المشهورين في علم الأحياء المجهرية «.Microbiology.» في كتابه «التطور: نظرية في مأزق ما يأتي:
«في عالم الجزيئات والأحياء المجهرية لا يوجد هناك كائن حي بعد جدًا لكائن آخر، ولا يوجد هناك. كائن أكثر بدائية، أو أكثر تطورًا من كائن أخر»
«انظر إلى Michael Denton Evolu tion: A Theory in Crisis صفحة ٢٩ -۲۹۱»
وهذا العالم يقصد أن كل كائن حي هو أفضل كائن بالنسبة لبيئته وبالنسبة للوظائف التي يقوم بها، وقد يملك خواصًا وقابليات غير موجودة في كائن قد يعده الكثيرون أكثر تطورًا منه فالخفاش مثلًا يملك نظامًا للرادار لا يملكه الإنسان، ويملك النسر قابلية للرؤية لا يملكها الإنسان وللكلب قابلية للشم أكثر مما هو موجود في الإنسان ولشرح هذه الحقيقة التي قد يستغربها الكثيرون نقتبس هنا ما كتبه الدكتور «خلوق نور باقي» في كتابه «الإنسان ومعجزة الحياة ص ۳۱ – ۱۷»
«إن الخلية هي وحدة البناء لكل كائن حي، لذا علينا أن ننظر إلى الكائن الحي- مهما اختلف نوعه من خلال خليته، والاكتشافات الأخيرة التي صححت لنا معلوماتنا القديمة تشير إلى تقارب كبير في خواص الأجزاء الرئيسة للخلايا. فهناك فرق ضئيل جدًا من ناحية خواص الأقسام الرئيسة بين خلية عشب وبين خلية حشرة وبين خلية جناح فراشة، وبين خلية في دماغ حيوان. فحتى الآن كانت النظرة الإلحادية تعيد وتكرر القول عن الخلية البسيطة والبدائية وعن الخلية المتطورة. وهو ما ظهر بطلانه بشكل قاطع. فبعد اكتشاف جزيئة DNA من قبيل كريك واطسون Crick Watson &. وإجراء التجارب العديدة والدقيقة عليها تبين أن جميع الخلايا تستند إلى هذه الجزيئة المدهشة التي نطلق عليها اسم.D.N.A ففي نظم هذه الجزيئات وفي شفراتها الوراثية وخواصها الحيوية لا نجد فرقًا يذكر من حيث وحدات البناء بين أبسط خلية عشب وبين ما يطلقون عليه اسم الخلية المعقدة. ويمكن اعتبار هذا الاكتشاف أعظم الاكتشافات التي حققها علم الأحياء المعاصر، لأنه يزيل تماماً ومن الأساس ادعاءات نظرية التطور إذ لا يحصل أي تغيير في بنية الخلية إذن فأي شيء تطور إلى أي شيء؟ فخلية حيوان الحلزون - الذي كنا ننظر إليه سابقًا باحتقار - أو خلية أي حيوان زاحف لا تختلف من حيث البنية عن خلية أي حيوان من اللبائن التي يقال إنها متطورة - ففي السابق عندما كان يعتقد أن المادة الرئيسة للخلايا هي الأحماض الأمينية كنا نحسب أن الفرق بين خلية بدائية وأخرى متطورة يكمن في نوع وفي عدد هذه الأحماض الأمينية، بينما ادى اكتشاف D.N.A إلى نبذ جميع الآراء والفرضيات، فأروع تخطيط وأروع تنظيم وأروع برمجة نراها موجودة في خلية العشب وفي خلية الدماغ سواء بسواء».
الفرق بين الخلايا
إذن ما الفرق بين الخلايا؟.. الفرق هو في البرمجة الرياضية الموجودة فيها وما عدا ذلك فالخلايا مخلوقة بنفس الدقة وبنفس الروعة. فكما أن الإنسان مخلوق على شكل واحد ولكن أحدهم يصبح مهندسًا والآخر يصبح فيزيائيًا، كذلك الأمر بالنسبة للتخصص في عالم الخلايا. وكما أن المهندس لا يملك كبدًا يختلف عن كبد العامل، كذلك الخلايا الحية، إذ نجد فيها نفس الوحدات البنائية الأساسية أما الجانب المختلف فيكمن في نوعية البرمجة انظروا مثلًا إلى الخلية الموجودة في الدماغ إننا نعتبرها خلية ذات أوصاف عالية ولكننا نجد في الوقت نفسه أنها عاجزة عن القيام بفاعليات بسيطة مثل عملية التنفس، ولو قمنا بعزل خلية دماغية لرأينا أنها عاجزة عن العملية التي يطلق عليها اسم التنفس اللاهوائي، أو تنفس كريس، لذا تأتي خلية أخرى وتزود خلية الدماغ هذه بالأكسجين الذي تحصل عليه من عملية التنفس السري. وهكذا تستطيع الخلية الدماغية إدامة حياتها...»
ثم يعطي مثالًا للتوضيح:
في إحدى التجارب أعطيت كمية من النتروجين المشع إلى نوع من أنواع البكتريا الأحادية الخلايا والمسماة به باسيل - «Bacil lus».. فقامت هذه البكتريا بربط هذا النتروجين مع حامض أميني بينما كان من التصرف الطبيعي والمتوقع هو أن تقوم بربط النتروجين مع ناقلاتها الوراثية. ولكن التجارب أثبتت أن البكتريا تستطيع تمييز جزيئة النتروجين المشع من بين آلاف الأحماض الأمينية، لذا لا تأخذها لناقلاتها الوراثية. وهي تقوم بهذا التشخيص والتمييز على الرغم من أنها تقوم بتناول واستعمال البروتين في جسمها ويهضمها ونقلها إلى نواتها وإلى نويتها. ولا توجد لدينا حاليًا أي طريقة كيماوية الفرز وتعيين الجسم المشع، إذ لا يستطيع أي مختبر كيماوي في العالم القيام بالاستدلال على الأجسام المشعة بالطرق الكيماوية بل يمكن القيام بذلك بالطرق والوسائل الفيزيائية فقط ولا يبقى أمامنا مناص إلا الاعتراف بأن هناك قسمًا خارقًا وغير اعتيادي في خلية هذه البكتريا يستطيع أن يشخص المواد المشعة.
وهنا نحب أن نسأل الدارونيين أهذا هو المخلوق البدائي، كيف تجرون على إطلاق كلمة المخلوق البدائي على كائن يحمل جسمه منذ خمسة ملايين سنة مثل هذه المعامل المذهلة التي لم تستطع جميع علوم الإنسان ومدنيته حتى الأن الاقتراب من مستواها؟
حرق دارون
في العدد رقم ٢٢٣٥ من المجلة العلمية الأمريكية المعروفة «New Scientist» الصادرة في ٢٢ يونيو ۲۰۰۰م وهي من المجلات العلمية المعروفة بدفاعها عن نظرية التطور نجد تقييمًا للوضع الأخير لنظرية التطور ومقدار مصداقيتها الحالية في العالم، فنراها تقول إن هذه النظرية في تراجع مستمر في العالم حتى إنها وضعت على غلافها عنوان «حرق دارون Burning Darwin» وأدرجت داخل العدد خريطة للعالم بينت فيها البلدان التي تتراجع فيها نظرية دارون بسرعة وتتقدم فيها فكرة الخلق Creationism وأعطت العديد من المعلومات والأرقام المفيدة، فذكرت أن في كوريا حالياً ألفين من رجال العلم من أنصار فكرة الخلق في وحدة أبحاث الخلق، هناك، وفي روسيا مائة من رجال العلم في جمعية أبحاث الخلق، في موسكو، وفي إنجلترا هناك الفان من رجال العلم من أعضاء حركة علم الخلق». كما ذكرت وجود علماء عديدون في الدانمرك وكندا، وأستراليا ونيوزيلندا، يتبنون فكرة الخلق ويردون نظرية دارون هذا طبعاً إضافة إلى وجود أشهر مركز في العالم أرد نظرية التطور وهو معهد علوم الخلق الموجود في كاليفورنيا. وذكرت وجود علماء مشهورين آخرين في الولايات المتحدة الأمريكية غير منتسبين إلى هذا المعهد أو غيره من المعاهد ولكنهم يعارضون نظرية التطور ويحاربونها، ومن أشهرهم البروفيسور ميشيل باه Michael Behe، أستاذ البيوكيمياء «الكيميا» الحيوية في جامعة لاهاي المعروف عنه أنه العالم الذي سدد ضربات مميتة إلى نظرية التطور بكتابه «العلبة السوداء لدارون».
وأشارت بنوع خاص إلى تركيا وإلى نشاط مؤسسة البحث العلمي في إسطنبول، وإلى جهود ونشاط الكاتب السيد هارون يحيى، في نقض نظرية التطور بالكتب العلمية العديدة التي ألفها في هذا الخصوص. وهذه المجلة تطلق صفارة الإنذار وتقول لأنصار هذه النظرية: «إن العلماء على وشك أن يحرقوا دارون».
أحرق في الدنيا وفي الآخرة!!