; هل أذهب إلى العراق؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل أذهب إلى العراق؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003

مشاهدات 67

نشر في العدد 1546

نشر في الصفحة 27

السبت 12-أبريل-2003

مع اشتداد الحملة الأمريكية البريطانية على العراق، ومقتل مئات المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتواتر الأنباء عن حملة شرسة تستهدف الأمة الإسلامية بأكملها، تتحرق أفئدة الكثير من المسلمين للمشاركة في صد تلك الحملة ورفع راية الجهاد. 

أحد المسلمين وجه السؤال التالي للشيخ «سلمان العودة»، وقد رد عليه الشيخ بأنه لا يرى ما يدعو لذهاب أحد من المسلمين إلى العراق في الوقت الراهن.. ووضح أسباب ذلك: 

  • أنا أب لأربعة أولاد، وأريد أن أذهب للعـراق مجاهدًا؛ لأدافع عن إخواني المسلمين، فإذا ذهبت هناك بنية نيل رضوان الله ثم تم قتلي فهل أكون شهيدًا؟

  • أولًا: إذا لم نتصارح ونتعامل بصدق تام فيما بيننا في مثل هذه الظروف الحرجة البالغة الخطورة فلا خير فينا!

 ولا أزعم - أيها الأخ الحبيب - أن ما أقول لك هو بالضرورة صواب، ولكنني أؤكد لك أن الحامل عليه هو ما يعلمه الله في قلوبنا من الشح بدماء المسلمين وأرواحهم، والحدب عليهم، وتلمس مصلحتهم العاجلة والآجلة. 

ولا أحد من المسلمين إلا وفي قلبه من الحنق والغيظ على هذا العدوان ما يكاد أن يودي بسكينته وعافيته، وكفى بالقهر داءً.

 ولكننا لا نريد أن نزيد في المحنة بزهوق أرواح خلص اتقياء صلحاء ذوي نيات طيبة، دون أن يكون في ذلك نكاية بالعدو. 

إن الله تعالى يحب حياة المؤمنين وبقاءهم وعبادتهم وصلاتهم وقرآنهم ولذلك خلقهم، ولا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا، وخيركم من طال عمره وحسن عمله.

 فرحيل المؤمن عن هذه الدار ليس مطلوبًا بذاته، ولكن يشرع حين تترتب عليه مصلحة أعظم من مصلحة بقائه، فإذا عدمت هذه المصلحة أو ضعفت وجب تقديم اعتبار الحياة والبقاء.

وقبل أن أستطرد أنقل لك هذين النصين من كلام الإمام الفقيه «العز بن عبد السلام» في كتابه «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» ج ۱ ص ٩٥:

- قال رحمه الله: «انهزام المسلمين من الكافرين مفسدة، لكنه جائز إذا زاد الكافرون على ضعف المسلمين، مع التقارب في الصفات تخفيفاً عنهم، لما في ذلك من المشقة ودفعًا لمفسدة غلبة الكافرين لفرط كثرتهم على المسلمين. وكذلك التحرف لقتال، والتحيز إلى فئة مقاتلة بنية أن يقاتل المتحيز معهم؛ لأنهما وإن كانا إدبارًا إلا أنهما نوع من الإقبال على القتال».

- وقال رحمه الله: «التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إذا علم أنه يُقتل من غير نكاية في الكفار؛ لأن التغرير بالنفوس إنما جاز لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام، لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت ههنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة».

إن من الحق والعدل أن يدافع الشعب العراقي قدر مستطاعه عن دينه وأرضه وعرضه وخيراته، ونحن على ثقة من أن دخول الإدارة الأمريكية في هذا المستنقع خطأ غير محسوب، وأن الأحداث ستثبت على المدى الطويل أن الأمر كان حماقة من غير مجرب. لكننا لا نرى ما يدعو إلى ذهاب أحد من 

المسلمين إلى العراق للمشاركة في الحرب الأسباب منها:

١- معظم الحرب ضربات جوية مدمرة، وهذه يستوي عندها أن تقتل ألفًا أو مائة ألف، والآلة ستكون ذات أثر في حسم نتيجة المعركة على المدى القصير.

2- أهل مكة أدرى بشعابها وظروفها وطبيعتها الجغرافية، وليس بالناس حاجة إلى الكثرة العددية، وربما كان الذاهب عبئًا عليهم بدلًا من أن يكون عونًا لهم.

3- ربما استشرف العدو وتمنى القبض على بعض المتطوعين في العراق لغايات سياسية وإعلامية ومصالح داخلية وخارجية، وقد تنقطع ببعض الذاهبين السبل ويقعون في أيدي من لا يخاف الله ولا يراقبه.

4- عدم وضوح الصورة العملية للحرب وماذا ستكون عليه؟ وهل ستطول أم تحسم عاجلًا، وكيف سيكون الوضع الداخلي... فهذه وأمثالها اعتبارات ذات أهمية، وبالتزام شيء من الصبر وضبط النفس قد تنجلي عن نتائج لها تأثير في القرار.

5- ثمة قوى متصارعة متناقضة، وكلها مخوف، ومن نجا من هذه فربما لم ينج من تلك، فالقوات الغازية من جهة، والمعارضة الموالية للغرب من جهة أخرى، وبعض القوى المحلية الطائفية أو العرقية، وبعض الجيران المتربصين، وبعض الأطراف المرتبطة بالنظام..... 

والذاهب يسير بين هذه القوى وكأنما هو في حقل ألغام، إن أخطأه هذا أصابه ذاك، وقد يجد نفسه في طريق لم يقصد إليه ولم يرده. 

6- من الصدق أن نقول لإخواننا: على رغم المرارة والهزيمة النفسية إلا أن الأمة يجب الا توقف مشاريعها المستقبلية الفردية والجماعية بسبب الأزمة، بل يجب أن نجتهد في صناعة المستقبل وأداء الأفعال المثمرة المنتجة، ولو لم تكن ذات ارتباط مباشر بالحدث.

7- وهذا لا يعارض أن نعطي الأزمة المتفاقمة مزيدًا من جهدنا ومتابعتنا واهتمامنا وكلماتنا ومواقفنا ودعواتنا ومشاعرنا..

8- سيكون إخواننا بأمس الحاجة إلينا فيما نملك تقديمه لهم وإعانتهم به بحسب ما يتطلبه المقام، فهذه الحرب الظالمة ستخلف أعدادًا هائلة من الجرحى والمشردين واللاجئين والفقراء والأيتام والأرامل

والمحطمين.... 

فلنصدق الله تعالي في مواساتهم، ومداواة جراحهم، ومشاركتهم بكل ما نملك، والوقوف إلى جانبهم، والتلطف في دعوتهم وتوجيههم.

9- لسنا نعلم بالضبط ما تريد القوات الغازية بهذه الأمة بعد العراق.. وأين تضع عينها.. فلها مطامع في كل بلد، وهي تسير وفق خطة غامضة يشارك في صناعتها اليهود، ومن الخير والحكمة أن يكون لنا من بُعد النظر وطول النفس ورباطة الجأش وحسن التخطيط ما نعلم به جيدًا أين موضع أقدامنا... فإن أي عمل لا يكون مبنيًا على رؤية جيدة ونظرة بعيدة قد لا يعطي النتائج المطلوبة. 

هذا ما أراه اجتهادًا في هذه المسألة الخاصة، المتعلقة بذهاب بعض الشباب وغيرهم للقتال في العراق.

والله يشهد أنني ما قلت الذي قلت إلا محضًا للنصيحة وإعذارًا.

وإذا كان الأمر كذلك فإنني أسأل الله أن يشرح صدور الإخوة المؤمنين لما كان فيه من حق وصواب، وأن يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل، ونسأل الله سبحانه أن يكف بأس الذين كفروا، والله أشد بأسًا وأشد تنكيلًا والعاقبة للمتقين. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل