; هل اكتملت عوامل الانتفاضة الشعبية في إريتريا؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل اكتملت عوامل الانتفاضة الشعبية في إريتريا؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012

مشاهدات 52

نشر في العدد 1983

نشر في الصفحة 32

الجمعة 06-يناير-2012

استطلاع ميداني من إريتريا يكتبه باسم القروي

تعالَ نذهب إلى إريتريا، «أرض الجمال الخلاب، والخلق الحضاري الجذاب».. تعبير لطيف، وصادق كذلك، يقنع به العرسان أنفسهم لقضاء شهر العسل في أسمرا، وتسجيل زيارات سياحية لأهم موانيها، مصوع، وبين أسمرا ومصوع تجد

-من المناظر الطبيعية وما تقع عليه عيناك من حياة الناس وأخلاقهم وعلاقتهم بالسلطة- ما يلخص لك الشعب والأرض والتاريخ والحاضر والاقتصاد والسياسة والمعاناة غير الخافية على إنسان هذه البلاد التي جاهدت من أجل الحرية والاستقلال مدة تزيد على نصف قرن.

من طرف الحدود تبدأ معك مشاهد القسوة الأليمة تصحبك مثل جلبابك إلى عمق البلاد.

فجمال الطبيعة مسلوب حاليًا بسلطان العباد، والأخلاق مشوهة، والرزق محتكر، والمأساة تبدو وكأن بأساء القيامة تعجلت إلى أريتريا، لتجعل المواطنين يلوذون بالنداء الهارب: نفسي نفسي.. ولا أحد يهمه أن ينقذ أحدًا أو يخفف البلاء على أحد، وهو يحصدهم واحدًا واحدًا.. فمتى يتشكل الموقف الجماعي للقيام بالانتفاضة الشعبية العارمة التي تبذل الأرواح وتضحي بكل غال في سبيل التمكين لدولة العدل والدين والحرمات والحقوق ويتعايش المواطنون فيها بأمن وسلام؟ إن من سنن التغيير الإيجابي أن يكون هناك تسلط سلطاني جبار على الأمة يذيقها البؤس والألم، ويكبت حريتها ويدمر اقتصادها ويكتم أنفاسها ويقهر حركتها، ويقيد جهدها عن العمل والإنتاج، ويعرض حرماتها وأعراضها للخطر، فتبدأ الأمة تتململ من شدة العناء، وتُتَمتم بأنينها ثم لا يلبث أن يرتفع الصوت بالألم، ليتطور إلى مجاهرة بطلب الحقوق، فينمو إلى اتخاذ مواقف فردية ضد النظام.. ومن الأفراد المتضايقين المتوجعين يتشكل الموقف الجماعي.. فإلى أي حد يعاني المواطن الإريتري من المرارات؟ وهل يمكن أن تحمل هذه المرارات بوادر الثورة الشعبية ضد النظام؟

فيما يلي تقرير عن مشاهدات وصور تعبر عما يعايشه الناس هناك في أرض الهجرتين من مرارات وآلام الحياة صالحة لتتنامى حتى تكون ظاهرة إيجابية تقوم بواجبها الثوري المرتقب:

 

إشكالية المواصلات

من طرف الحدود تبدأ معك مشاهد القسوة الأليمة، وتصحبك مثل جلبابك إلى عمق البلاد، ومن أكبر مظاهرها إشكالية المواصلات، فمن مدينة إلى أخرى ومن إقليم إلى آخر، لا يوجد ما يمكن التنقل به غير المواصلات البرية، وهي تنحصر في المركبات الخاصة وتلك المملوكة للدولة، وتبدأ قصة العذاب من هنا لتفرس بذرة الثورة.

المواصلات العامة تتمثل في شركة «حرات» الرسمية، وهي تمتلك أسطولًا ضخمًا يدار مركزيًا، وتتولى الإشراف على محطاتها وركابها إدارة رسمية تعرف بــــ «قطنا» وهي شرطة مسلطة، توكل إليها مهمة تنظيم الناس وتتعامل مع المواطنين بصورة قاسية وفجة.

 

تسهيلات:

تتلقى الشركة تسهيلات كبيرة من الحكومة:

1- فسواد موظفيها رسميون ومن طلاب الخدمة الإلزامية، يتقاضون أجورًا متدنية.

2- تحظى بدعم رسمي بالوقود مجانًا.

3- تحتكر سوق المواصلات لصالحها ولا يسمح بمنافستها.

 

مشكلاتها:

1- مركباتها غير كافية العدد بالنظر إلى حاجة المواطنين المزدحمين ليلًا ونهارًا أمام

مكاتبها ومحطاتها.

2- تعاني من تخلف إداري، فلا مواعيد محددة لتحرك المركبات، ولا إعلام يرشد الركاب، موظفون متضجرون من مهنة لا تدر رزقًا كافيًا.

3- كل ذلك يفرض على المسافرين الانتظار الممل في المحطات، فإن أنت مركبة هرعوا إليها حسب الفرصة التي تتيحها الصفوف والحجز، وإن لم تأت الفرصة يبقون رهن الانتظار القاتل، يلزمهم المبيت في الموقف والحجز في الصفوف

الطويلة.

أما كان يكفي المواطن أن يأتي إلى مكتب الشركة لاستلام تذكرة سفره وانتظار موعده مستريحًا؟ هذا فعل الإدارات الرشيدة في العالم، فأين هي من ذلك إدارات الحكومة الإريترية؟

من خلال المعايشة القريبة تحس أن إتعاب الناس غاية يسعى إليها المسؤولون، فهم يستمتعون بالركاب المعذبين في الموقف، المتحلقين في حلقات متضجرة، كلما أحست بأزيز سيارة تدافعت وتزاحمت للحصول على الفرصة فبعد أكثر من عشرين عامًا من الاستقلال لا تزال البلاد تعيش حالة نضال تفرض عليها التقشف والمعيشة القاسية الذليلة.. فإلى متى هذا الصبر الذليل؟ إلى متى؟

 

صور متعددة لمعاناة المواطن الإريتري.. فهل يمكن أن تحمل هذه المرارات بوادر ثورة شعبية ضد النظام؟

 

تشعر أن إتعاب الناس غاية يسعى إليها المسؤولون.. فهم يستمتعون بالركاب المعذبين المتحلقين في حلقات متضجرة وكلما شعرت بأزيز سيارة تدافعت وتزاحمت للحصول على الفرصة.

 

النقل الخاص

لا توجد في عموم الوطن شركات منافسة لشركة «حرات»، وإنما بعض المركبات التي تخص قلة من المواطنين، وهذه تعاني من إجراءات رسمية طاردة ومن مظاهرها:

1- الوقود يصرف لها بالتقتير الشديد، ولهذا فهو غير كافٍ للتحرك المريح في تلبية

حاجة المواطنين.

2- الحصة القليلة من الوقود التي تأخذها هذه المركبات تتطلب التصديق من السلطة «المحضار»، ويلزمها إجراء تحرٍ وتدقيق شديدين ينظر فيه الموظف إلى أوراق المركبة وخط الخدمة وخلو الموقف من مركبات الشركة الرسمية.

3- بعد التدقيق اللازم يُعطى السائق التصريح بالتحرك، ويعطى من الوقود ما يمكنه من السفر لمرة واحدة، وللعودة يقوم بالإجراءات نفسها عند محضار آخر مرابط يحرس الوقود في محطة الوصول.

4- هذه الإدارات لا تعرف سوى التعامل القاسي الممنهج مع مراجعيها، وكأنها تكره أن يأتي إليها أصحاب السيارات يطلبون الوقود أو يقومون بالمساهمة في حل مشكلة العالقين في المواقف ينتظرون «حرات» العاجزة عن تلبية حاجتهم.

ماذا تفعل أيها السائق -غير أن تقف محتارًا عاجزًا- إذا ظهر لك مشوار طوارئ لتشييع جنازة أو إسعاف مريض أو مساعدة ضحايا حادث أو عنت لك فكرة رحلة عائلية أو مشوار لصلة الأرحام؟

 

معالجات غير طبيعية:

كل ضغط يولّد انفجارا، ولهذا أخذ المواطنون يبحثون عن حلول لمشكلة المواصلات غير جائزة قانونًا وغير مرخص بها رسميًا، لكن الواقع فرضها على الناس ومن ذلك:

1- تهريب الوقود إلى السوق السوداء «من مستودعات الحكومة وأحيانًا من دول الجوار عامة والسودان خاصة».

2- شراء الوقود من السوق السوداء بسعر غالٍ، لندرة الوقود المهرب، ولمطاردة الجهات الرسمية للمهربين والمتعاملين معهم.

3- الاتفاق مع الركاب على تسعيرة الركوب بما يتلاءم مع تكلفة وقود السوق السوداء التي تفوق التسعيرة الرسمية بـ 80% تقريبًا․

 

 4- يرضى المواطن بهذه الزيادة الكبيرة في تذكرة السفر لعلمه بعجز الجهات الرسمية عن حل الإشكال.

5- زيادة عدد الركاب على المركبة أضعاف المسموح به.

6- تقبل وتفهم المواطن لهذا الإجراء سهّل من تجاوز الرقابة الرسمية التي تقف

في محطات خاصة لمعاقبة السيارات المخالفة بالشحنة الزائدة، وجعل المواطنين ينقادون لتوجيهات السائق بالنزول من المركبة قبل محطات التفتيش والصعود بعدها، وقد يواصل بعضهم مشيًا على الأقدام مدة ساعة عند الإحساس بوجود متابعة مرورية.

7- ضمن الحلول غير الطبيعية تأتي الاستعانة بعربات نقل التراب والحجارة والعفش، في حالة توقف المركبات العامة أو الخاصة.

 

بعد أكثر من عشرين عامًا من الاستقلال لا تزال البلاد تعيش حالة نضال تفرض عليها التقشف والمعيشة القاسية الذليلة.. فإلى متى هذا الصبر الذليل؟

 

 

 

 

الرشوة

من الطبيعي أن تتولد ظواهر سالبة في المجتمع عندما يوسد الأمر لغير أهله، ولهذا تجد المواطنين يبحثون عن حلول لمشكلاتهم بكل السبل غير المشروعة، ومن ذلك تقديم الرّشى لتجاوز التعقيدات الإدارية.

الرشى يدفعها من يريد فرصة الحصول على مقعد في مركبة السفر، ومن يريد تمرير معاملة رسمية لدي السلطات، ومن يريد....

وأغلاها سعرًا تلك التي يدفعها المهاجرون من البلاد، يدفعونها لرجال في الحكومة

ليغضوا الطرف عن حالات الهروب هذه.

قابلت من المهاجرين من دفع عشرات الآلاف من «النقفة» -وهي العملة المحلية- لتهريب أبنائه وبناته واحدًا واحدًا، ولتهريب زوجته بمفردها، والتهريب قريب له لينجو بجلده من عذاب السلطان الجائر.

وفي المواصلات تكاد الرشوة أن تكون علانية من شدة انتشارها على الرغم من الرقابة الرسمية عليها ملاحقة وعقابًا.. فرجال حركة المرور يأخذونها لتجاوز المخالفات المرورية المتعلقة بالشحنة الزائدة، والضابط المكلف بالتصديق على أوراق المسافرين يقدم زبونًا على زبون، وموظف تنظيم صفوف الركاب أمام بوابة بيع التذاكر والحجز يستلم الرشوة ليقوم بالتوقيع العجيب على راحة يد المسافر للدلالة على أنه يحق له الوقوف في الصف لإتمام عملية الحجز! وعلى الراكب المحافظة على هذا التوقيع وإلا فاتته الفرصة، ومن فاته هذا التوقيع يظل كاسف البال أسيفًا، بل قد يتعرض للقرع بعصا غليظة يسلطها عليه هذا الموظف بدعوى تنظيم الصفوف.

ولأن موعد السفر غير معروف، لجهالة موعد وصول السيارات، يظل الناس في الموقف صفوفًا بائسة تعالج مضار الشمس أو البرد والتعب وطول الوقت بحجز المواقع بالحجارة والكراتين.

ومنظر أكوام المواد الحاجزة يمتد مد البصر، ولأهميته الكبيرة نهض بعض العاطلين لحجز مواقع فيه متقدمة يسبقون إليها غيرهم ليلَا بغرض بيعها للراغبين في السفر والعاجزين عن الوقوف في الصف الطويل أو المتثاقلين عن السهر في الموقف.

هذا الإجراء يستوي فيه المواطنون والأجانب، والمرضى والمعافون، والنساء والرجال، فلا اعتبار الحالة إنسانية تستحق الشفقة والمساعدة والرشوة -قبل سعر التذكرة- تصل ۱۰۰ نقفة من أجل الحصول على التوقيع على راحة يد المسافر المحظوظ في حين أن تذكرة السفر أقل منها بكثير.

 

قابلت من المهاجرين من دفع عشرات الآلاف من «النقفة» -وهي العملة المحلية- لتهريب أبنائه وبناته واحدًا واحدًا ولتهريب زوجته بمفردها ولتهريب قريب له لينجو بجلده من عذاب السلطان الجائر.

 

مقارنة بين أسعار التذاكر:

التسعيرة الرسمية لتذاكر السفر محددة، وينزل عقاب رادع على مخالفيها لكن ظروف الحياة جعلت المواطنين يتجاوزون التسعيرة الرسمية فيدفعون للمواصلات الخاصة تسعيرة أعلى يتم الاتفاق عليها بين الراكب ومالك السيارة وهذه مقارنة بين التسعيرتين لا تتضمن رشى الحجز:

أسمرا – كرن= ٢٦ نقفة، والسوق السوداء في مركبات تعرف بـــ «قلي» أي خطف 50 - ١٠٠ - ١٥٠ نقفة، وهذا «الخطف»، حقيقة وليس مجازًا، لأن المركبات الخاصة تتقاضى تسعيرة غير مرخصة، فهي تخطف وتهرب وتتحايل على الجهات الرسمية باتفاق بين مالكي المركبات الخاصة والركاب، ولها سماسرة يأتون إلى الموقف وإلى حيث يوجد الركاب يحرضونهم على الاستفادة من خدمة «خطف․ ويبرمون الاتفاق على سعر التذكرة وعلى طريقة التحايل على جهات الرقابة الرسمية.

وسيارات الخطف هذه تتحرك منافسة لسيارات الحكومة في مختلف المسارات

متجاوزة الأسعار الرسمية والاحتكار الرسمي وعلى سبيل المثال:

أسمرا – مصوع= ٢٦ نقفة للتسعيرة الرسمية، وفي السوق الموازي من ٥٠ - ١٠٠ نقفة.

کرن – حقات= ۹۰ نقفة، والموازي ٥٠ نقفة.

كرن – تسني= ۸۲ نقفة، والموازي من ١٥٠ - ٢٥٠ نقفة.

بوابات الحبال العسكرية:

يجد الزائر أن البلاد مدارة بسياسة الجبر والقهر، ومن أجل تشديد قبضة السلطة تجد عند مدخل ومخرج كل مدينة حبلًا معلقًا بين ساريتين يغلق به الطريق، ويحرسه عساكر يصل عددهم إلى ثلاثة أشخاص يستظلون بعض من القش متهالك أو شجرة على طرف الطريق، وهم بجوار معسكر للجيش ومهمتهم إيقاف المركبات العابرة وتفتيشها بحثًا عن كل شيء مهرب وقائمة المهربات تشمل الناس والبضاعة والأشياء الثمينة والحقيرة، فكومة فحم أو حزمة حطب تعد صيدًا مهربًا مثل شاب مهاجر إلى خارج الوطن أو بضاعة مهربة إلى داخل الوطن.

حراس البوابة ملابسهم عسكرية رثة متسخة وأقدامهم ترتدي «شدة» -وهي نعل بلاستيكي خفيف، صَاحَب الثورة قبل التحرير ولا يزال ساري المفعول، وله مجسم في أهم الشوارع في أسمرا يتربع شامخًا والمواطنون يمرون من تحته أذلاء، وأجسامهم نحيلة لم تر أثر نعمة الاستقلال.. المعاناة الشديدة بادية على كل الجنود، فالمواطنون ينظرون إليهم ببغضاء كونهم حماة السلطة الجائرة وأدائها

 السيئة، والحكومة لا تقر لهم بفضل ولا تفيض إليهم بخير، ولهذا فمن المألوف أن تجد جنديًا يقف في الطريق ليسافر من مدينة إلى أخرى فلا يجد رحمة من أصحاب المركبات الذين يتركونه وهو يلوح بيده وبماله ليركب كما يركب الآخرون، والحكومة ليست بقادرة -وربما لیست براغبة- لتوفير وسيلة نقل لجنودها إلا

في حالة الحرب.

إذا دخلت إريتريا عن طريق السودان من بوابة كسلا، يبدأ معك «الحبل» من قرية (١٤)، ثم يواصل حتى ينتظرك في مدخل مدينة تسني ومخرجها، وكذلك الحال في منطقة ألبو وكرن - وكان أشد الخيال العسكرية، كونه يطالب بتعبئة استمارة معلومات للركاب بينها عنوان المضيف في محطة الوصول الأخيرة، ويشترط أن يكون شخصية معروفة لدى السلطة يرجع إليها عند الحاجة، وبقية الخطوط والمسارات مثل ذلك، وإن كان قد طرأ عليها التخفيف في الآونة الأخيرة نسبة للاستغلال السيئ لها من قيادات الجيش الذين أتهموا بالاستفادة من الجبايات الظالمة.

 

عند مدخل ومخرج كل مدينة حبل معلق بين ساريتين يغلق به الطريق ويحرسه عساكر يستظلون بعش من القش أو شجرة على طرف الطريق..

 

مهمتهم إيقاف المركبات العابرة وتفتيشها بحثًا عن كل شيء مهرب..

 

«الشّدة».. نعل بلاستيكي خفيف أقيم له مجسم في أهم الشوارع في أسمرا يتربع شامخًا والمواطنون يمرون من تحته أذلاء!

 

 

معاناة الفنادق:

نتيجة للمعاناة الشاملة في البلاد تجد صفات مشتركة في معظم الفنادق الشعبية في إريتريا، من بينها أن ساكنها يسهر من السعات البراغيث - وهي حشرة مؤذية قراصة مصاصة للدم تعرف محليا بـــ «كتان» وتنعدم فيها النظافة، والأسرّة والملاءات قديمة، كما أن الغرفة الواحدة تشتمل على عدد من الأسرّة قد يصل إلى عشرة، فلا خصوصية للزبون، ولغة التعامل فجة وقاسية وشبه صارخة بين الزبون وموظفي الفنادق، فالأول يريد خدمات حقيقية وضرورية من ماء وكهرباء ونظافة وخصوصية مقابل ما يدفعه من أجرة، والآخر لا يجد قدرة على تلبية مطالب الزبون، لأن توفير الكهرباء من واجبات السلطة وهي مقصرة، والمولدات الكهربائية الخاصة تحتاج إلى وقود تحتكره السلطات الرسمية، ويجر كل ذلك إلى جدال بين الطرفين وصراخ وعراك، ولهذا ينعدم في هذه الفنادق التعامل الحضاري الراقي، وتحس أن كل شخص يعتصر معاناة خاصة به، ولهذا يتفجر كل أحد ضد كل أحد، سوى الانفجار ضد الحكومة، وإن هذا ربما قد أقترب أوانه!

 

معاناة الموظفين:

موظف الخدمة المدنية يعاني كغيره من الحياة القاسية، فمعظمهم من طلاب الخدمة الوطنية طويلة الأمد، وهؤلاء مفروض عليهم أن يشتغلوا للحكومة بلا مقابل وأعمارهم بين ١٥ - ٢٠ عامًا، تجدهم في الجوازات والمستشفيات والمدارس والإدارات المختلفة كما تجدهم في الجيش والشرطة والاستخبارات.

لا أحد من بين هؤلاء تجده راضيًا عن حياته، ولا أحد مؤديًا واجبه بإخلاص، بل ليس من بينهم من له القدرة على حلحلة مشكلات المواطنين بقرار ذاتي أو بلوائح إدارية وقوانين توضح الحقوق والواجبات في الخدمة المدنية.

ولهذا تتراكم المشكلات في الإدارات، فالموظف الصغير لا يمتلك سوى تعليمات محدودة مطلوب منه أن يتعامل مع المواطنين من خلالها، فإذا ظهرت للمواطنين مشكلات تتطلب معالجات خارج التعليمات يقف حائرًا، ولهذا يفرض على المعاملة الانتظار حتى يراجع بها الموظف الكبير، المحروس بالحجب من موظفي الخدمة صغار السن والتجربة، ويظل المواطن مترددًا أمام المكاتب ينتظر حل الألغاز بين الموظف المباشر ومديره الأعلى، ولا يوجد قانون يقف مع المواطن، ولا قانون يهتدي به الموظف، غير الإجراءات والتعليمات الصارمة التي ربطت كل معاملات المواطنين بالسلسلة الأمنية والاستخباراتية التي تبدأ من محل إقامة المواطن حتى تصل إلى إدارة الإقليم الذي ينتمي إليه، ويظل المواطن صاحب الحاجة يتردد بين مختلف مستويات الإدارات الأمنية من أجل الحصول على معاملة خدمية، سواء كانت سفرًا للخارج أو مصلحة في الداخل كتر خيص هاتف جوال مثلًا.

ونسبًة للتعقيدات الإدارية والأمنية وما يتطلبه التحري والتدقيق من إجراءات تتباطأ المعاملات، وهذا يسبب زحمة من المواطنين شديدة وأليمة، ومرابطة عند بوابة الإدارات الخدمية، ومما يزيد المعاناة أن الجهات الرسمية ربطت معاملات المواطنين بأجهزة الحاسوب في معظم أنحاء الوطن، والحاسوب لا تتوافر له الكهرباء، فينقطع أيامًا، والمولدات الكهربائية البديلة لا يوجد لها وقود. ولهذا يلزم المواطن أن يتقاسم مع الموظف ألم الانتظار القاتل.

 

معاناة الراتب

يتراوح السواد الأعظم لمرتبات موظفي القطاع العام ما بين ٥٠٠ - ١٢٠٠ نقفة، والآجر اليومي للعامل العادي ما بين 30 - 40 نقفة.. فهل يكفي ذلك لإعالة أسرة، متوسط عددها في إريتريا ثمانية أفراد؟

وبالنظر إلى واقع المعيشة نجد أن الحد الأعلى لراتب الموظف ۱۲۰۰ نقفة يكفي لمدة ستة أيام فقط لأسرة مكونة من ثمانية أفراد تستهلك في اليوم مع التقشف الشديد «وجبة قول واحدة»، فقيمة طلب الفول الواحد في المطعم ٢٦ نقفة، فكيف حال هذه الأسرة إذا أضافت لمصروفاتها ثلاث وجبات فول؟

وهذه قراءة لواقع الأسعار تبين حجم الغلاء:

1- كيلو سكر= ٦٠ - ٧٠ نقفة.

2- ربعية «مكيال محلي» الذرة = ٧٠ نقفة «تكفي لوجبة واحدة لأسرة تضم عشرة

أفراد».

3- ربعية القمح= ١١٠ نقفة.

4- جالون زيت الطعام= ٢٨٠ نقفة.

الأسعار في المطعم:

1- طلب كسرة «زقني»= ٠ ٤٠ نقفة.

2- الفول= ٢٦ نفقة.

 

كومة فحم أو حزمة حطب تعد صيدًا مهربًا مثل شاب مهاجر إلى خارج الوطن أو بضاعة مهربة إلى الداخل

 

تجارة مؤلمة

من المألوف أن تجد زحمة النساء العاريات الكاسيات، النصرانيات خاصة، أعمارهن بين ١٧ - ٥٠ عامًا، في المواصلات والأسواق والمقاهي والمطاعم، خاصة في الخط بين أسمرا – تسني، هؤلاء لسن عناصر إغراء وإغواء، وإنما أجبرهن ضيق المعيشة للعمل في التهريب على الرغم من الحظر الرسمي لهذه التجارة غير المرخصة.

يغلب على هؤلاء النساء والفتيات أنهن مجهدات مرهقات من عناء السفر وكد العمل، فهن يتحركن بالمواصلات بين المدن، نشطات في تجارة كميات مهربة ضئيلة من البضائع لا تستحق أن تشمر السلطات في مطاردتها، في مقدمتها الذرة بأنواعها، وملابس الأطفال وأحذيتهم البلاستيكية، وملابس النساء وأحذيتهن البلاستيكية، والمشروبات الغازية من إنتاج السودان، تتحرك هذه التجارة المهربة بالمواصلات العامة توزيعًا على الركاب بحيث لا تشكل مظهرًا تجاريًا خوفًا من المصادرة، والركاب عادة يتعاونون تقديرًا لظروف النساء المتاجرات، وأصحاب المركبات متعاونون تعاطفًا معهن أو حرصًا على الأجرة المدفوعة.

السلطات الرسمية من جهتها تدرك هذه الحيل، ولهذا تسلب كل بضاعة مشتبه بها، فليس غريبًا أن تجد أكوامًا من حزم الحطب أو أكياس الفحم وبضائع أخرى جمعت من المواطنين عند محطات التفتيش، ويتعرض حاملوها لمؤاخذات رسمية قاسية.

 

تزوير رسمي:

على الرغم من بروز حقيقة معاناة المواطن في إريتريا التي يتحدث عنها هذا التقرير الواقعي، تنكر الجهات الرسمية وجودها، فلا تتعرض لها في الإعلام ولا تصرح بها في المناسبات والاجتماعات، كما تتعالى على التقارير الأجنبية التي تكشف هذه الحقيقة، ومبالغة في التضليل يصرح رئيس الحكومة «أسياس أفورقي» بأنه يمتلك من الإمكانات الفائضة عن حاجة المواطنين ما يقدمه دعمًا للصومال!

 

إدراك المواطنين:

يدرك المواطنون التضليل الرسمي، ولهذا أخذوا يبحثون جادين عن مخرج من الأزمة، وفي الداخل رأي يتشكل بنضج كبير أنتزع من قلبه سلطان الخوف ومن أعناقه إلى التحرر والانعتاق.. ولهذا السبب تجد أغنية «تم» للفنان «حسين محمد علي» يتداولها المواطنون بصورة واسعة عبر الهاتف النقال ويدمنون سماعها، وإذاعة المعارضة الإريترية لها من يتواصل معها من داخل الوطن، وتوجد محلات خاصة للاستماع الباقة قناة «الجزيرة» صوت الثورات الشعبية العربية.

أن الصبر الطويل الذي يتحلى به المواطنون في مواجهة المحنة القاسية التي فرضها عليهم سلطانهم لن يطول حبله لأن الأحوال المعيشية أصبحت فوق الطاقة، ولم يبق أمام المواطنين غير القرار من الموت إلى الحياة عبر الثورة الشعبية.

الرابط المختصر :