; معالم على الطريق .. هل احتلت فلسطين بانهزام حربي أم بأدوار خيانية؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق .. هل احتلت فلسطين بانهزام حربي أم بأدوار خيانية؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997

مشاهدات 100

نشر في العدد 1247

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 29-أبريل-1997

 

ما زلت للآن كلما تصفحت تاريخ الاحتلال اليهودي لفلسطين تأخذني رعدة من هول الكارثة التي حلت بالمسلمين وحجم الخسارة التي لحقت بهم وبديارهم من العصابات اليهودية التي تسربت إلى فلسطين واستطاع ت  بحقد يهودي، ونذالة صهيونية، ومساعدة استعمار ية وإمداد صليبي، وخيانة عربية أن تتعملق وتتعاظم في ساحة يقطنها قطعان من العزل، وجموع من المسالمين البله، وسلطة من السماسرة المحترفين للخيانة، وأصبح مرارًا من فرط ما بي من ألم وغم أينما كان ساستنا وولاة أمورنا الأكارم، وأينما كان مثقفونا ووطنيونا العظام، وأينما كانت جنر الاتنا وجيوشنا وفرقنا الأشاوس، أكانوا نيامًا والأعداء أيقاظًا وأغرارًا والاستعمار  يبيت بليل، أم كانوا جبناء شهوانيين يتمرغون في الأوحال صباح مساء ولا يفيقون، أم كانت هناك بياعات وأثمان ومقايضات مقابل مناصب كاذبة وكراسي خاوية وعروش فارغة، أم أم .. لم يعد الآن هناك مجالات للأحتمالات او الأستفهامات لأن التاريخ قد كشف كثيرًا ن الحقائق وأظهر العديد من الوثائق والوقائع التي تشير بالأصابع والأيدي، والأرجل إلى أصحاب الكارثة، والمتسببين فيها، والحاملين لكبرها ووزرها، لقد كان يكفي للقضاء على العصابات اليهودية ـأن يمد شباب فلسطين ومجاهدوهم بالسلاح والعتاد، وما كان هذا بالأمر العسير، ولقد كان الشعب المسلم في فلسطين يتحرق شوقا إلى الجهاد وتخليص بلده من المحتلين إنجليز ويهودًا، فهذا سائق سيارة فقير يطلب إليه الإنجليز أن يقود سيارة تحمل عددًا من جنودهم إلى القدس حيث يساهمون في القضاء على أضطرابات وقعت من المسلمين حولها، ولم يكن في وسعه أن يرفض فأستجاب لهم، وقد بيت في نفسه نية القضاء عليهم، فودع أهله، ومضى بهم في طريق القدس، وعلى تلك القمة الشاهقة المطلة على باب الوادي انحرف بسيارته إلى منحدر سحيق فأستقرت في القاع بحمولتها أشلاء ممزقة، وصعدت روحه إلى بارئها بعد أن أدى واجبه، وهذا طفل ريفي في التاسعة من عمره تمر به إحدى الدوريات اليهودية فيعز عليه أن يتركها تمر في أمان فيتناول بندقية أبيه ويترصد لهم في إحدى الحدائق ويصوب إليهم بندقيته فيصيب منهم مقتلًا، فتحاصره الدورية وتصيبه في فخذه، وكم كانت دهشتهم حين وجدوه طفلًا صغيرًا، ولقد حدث صاحب كتاب قتال الفدائيين أن الصحف اليهودية أخذت تجار بالشكوى المرة من عصابات خطرة تغير على اليهود في شركة البوتاس من البحر الميت، وقال: لم تكن تلك العصابات الخطرة في الواقع إلا أعرابيًا واحدًا يدعى سليمان بن خميس من عربان السعديين في وادي عربة ولم تكن لديه إلا بندقية من نوع فرنسي قديم ومالا يزيد على عشرين طلقة من الخراطيش الفارغة، كان يملؤها بيديه من البارود والرصاص ثم يكمن بجانب منبع للمياه يدعى العين البيضاء كان اليهود يأخذون منه ما يحتاجون من مياه الشرب، ويظل في مكمنه حتى إذا أقترب منه الصيد اليهودي، أطلق ما معه من رصاصات فيصيب من يصيب ويقتل من يقتل منهم، ثم يرجع مطمئنًا إلى خيمته حيث يعاود تعبئة الخراطيش من جديد أستعدادًا لمعاودة الصيد، وهكذا إلى أن ظفر به اليهود فأصابوا منه مقتلا، ولكنه أبي أن يستسلم وظل يركض بعيدًا عن المكان مخافة أن يظفر اليهود بجثته، حتى سقط قريبًا من قومه وأستشهد تاركًا زوجة وأطفالًا، وسكتت حينئذ الصحف اليهودية عن الشكوى من تلك العصابات الخطرة!!.

أمثلة كثيرة جددًا ا يمكن حصرها في هذه الصفحة، ولكنك ترى فيها عمق الروح الجهادية في الأفراد وعمق الإيمان والتضحية في القلوب شيبًا وشبانًا، كما ترى تلك الروح في القادة الشباب الذين تصدروا للعمل الجهادي من أمثال البطل عبد القادر الحسيني، القائد العصامي الذي دوخ اليهود وأرعبهم بحوادث النسف والتدمير التي قام بها في وسط الأحياء اليهودية، ولقد بلغ من قوة هذه الأعمال ودقتها أن أعتقد الإنجليز واليهود أنها لا يمكن أن تكون عربية إطلاقا، وأشاعوا أن القائمين بها ليسوا إلا متطوعين من الألمان واليوغسلاف ممن سبق لهم الإشتراك في حروب كبرى ومازال الزمن والأيام تذكر المعركة التي قادها عند كفار عصيون على طريق الخليل –بيت لحم- وكيف استطاع  عبد القادر الحسيني أن يحصر قوة يهودية مصفحة ويصليها نارًا حامية بعد أن ضرب حولها حصارًا لأفكاك منه حتى اضطرت إلى الاستسلام، وكان عبد القادر يتفجر حماسًا وحيوية ويعتقد أن هذه الانتصارات المدوية ستشفع له عند أعضاء اللجنة العسكرية العربية فتعطيه شيئًا ولو قليلًا من المال الذي جمعته من المسلمين الحرب فلسطين، ولكنها وللأسف لأسباب غير معروفة تمنعه ولا تعطيه طيلة حربه سوی ۳۷۰ جنيهًا بعد إلحاح، وتترك له توزيعها على جنوده الثلاثة آلاف الذين معه، أما السلاح فقد نفضوا أيديهم منه، وأشاروا عليه أن يشتري من هذا المبلغ ما شاء من سلاح أيضا، وبعد أن يئس عبد القادر الحسيني قدم تقريرًا إلى الجامعة العربية في 6 إبريل سنة ١٩٤٨م يحملها فيه ضياع فلسطين، وكانه قد شعر أنه أدى واجبه وأن الخيانة أكبر منه، فتقدم إلى الجهاد في معركة القسطل وليس معه إلا بضع بنادق قديمة واستطاع  أن يخرج اليهود من القسطل بعد يومين من كتابة تقريره، ولكنه أستشهد في المعركة بطلًا يشكو إلى ربه عدوان اليهود وعدوان اللجنة العسكرية للجامعة العربية وكان يمكن أن يقوم المتطوعون بقيادتهم الفنية بأعمال رائعة وأن يقولوا كلمتهم في تلك الحرب، وأن يلقنوا اليهود درسًا لن ينسوه ولكن!!

وقد يوضح هذا حديث الشيخ حسن البنا عندما علم نبأ استشهاد بعض إخوانه من المجاهدين في فلسطين دمعت عيناه وقال: لهم الله هؤلاء الأبرار لهم الله في إيمانهم وجهادهم لهم الله فيما هم فيه وفيما ينتظرهم إن معركتهم الكبرى لاتزال أمامهم مع الفجرة من حكامهم الذين يخشونهم أشد من خشيتهم لليهود، ومع تلامذة مناهج الاستعمار  جميعًا، إن هذا الدم العزيز المسفوح لن نجني له ثمرة مادامت هذه الأوضاع الفاسدة، ومادام الإسلام غريبًا في ديار المسلمين، إنهم يبذلون دمهم في سبيل الله في معركة زمامها بأيدي قوم لا يبالون بالإسلام، ولا يبالون أن يتخذوا إلى الله سبيلًا إنهم غرباء غرباء، وأحسب أن غربتهم ستطول.

 إننا نحتسب هذا الدم العزيز المسفوح إعذارًا إلى الله وتذكيرًا لهذه الأمة، إن كانت تنفع الذكرى، فهل ترى يا أخي بعد طول سنين استطاعت  الأنظمة التي أخلت فلسطين من المجاهدين ان تفعل شيئًا؟ وهل ستستطيع الآن أو بعد الآن؟ أم أنها ستظل تهرول وتهرول ولكن إلى ضياع.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل