العنوان هل الجبة تصنع الشيخ؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الأحد 08-مارس-1992
مشاهدات 76
نشر في العدد 992
نشر في الصفحة 50
الأحد 08-مارس-1992
مما هو معروف أن
الجبة لا تصنع الشيخ ولا الرداء يصنع القسيس ولا الكراسي تصنع الزعماء؛ أمثال تضرب
لنتلفت إلى حقائق الأشياء لا إلى ظواهرها التي ربما تخدع وتضلل وقديمًا قالوا:
ليس الجمال
بمئزر فاعلم وإن رديت بردا
إن الجمال مآثر
ومحاسن أورثن مجدًا
درجات الارتقاء
فأول درجات
الارتقاء: معرفة الأشياء بحقائقها، وقد كان من دعاء الصالحين «اللهم أرنا الأشياء
على حقيقتها».
وثاني تلك
الدرجات: الإقرار بأن النتائج تتبع المقدمات، وأن الأسباب هي التي توصل إلى
الغايات.
وثالث تلك
الدرجات: الإحساس بأن الأعمال المنتجة الصالحة هي لب النهضات وأساس الحضارات.
ورابع تلك
الدرجات: تجهيز الفرد بأسلحة الكفاح ووسائل البناء بالإيمان والعلم والعزيمة
والصبر.
وخامس تلك
الدرجات: تصور واضح للآمال والأهداف والتطلعات ودراستها ووضع الاستراتيجية الفاعلة
لها.
وسادسًا: إحساس
وشعور بنبض الأعمال والأحوال والأزمان والمؤثرات الفاعلة.
سابعًا: سماع
للرأي وتقدير للمشورة وتقبل للنقد وانصياع للحق والرضا به.
ثامنًا: استكشاف
للطاقات وتربية البناة والمبدعين، وبناء الكوادر وإنزالهم منازلهم والقدرة على
توجيههم واستثمارهم في المجال الصحيح.
تاسعًا: إقرار
المناهج الصحيحة الموافقة للفطر والعقول- وليس هناك أفضل من الإسلام. واتباع
الأساليب المنتجة والفاعلة في جعل المناهج حياةً معاشةً.
عاشرًا:
الاهتمام بالمواكبة وأساليب التطوير والتخطيط والسبق واكتشاف المواقع المتقدمة.
واقع الأمة
وإذا كانت هذه
الحقائق معروفة بل وملموسة معروفة تاريخيًا وملموسة واقعيًا، ولكننا رغم هذا لا
ننصاع لأسباب الرقي بل نعمل على معاكستها ومعاداتها ونحن موقنون بصحتها لنستثمر
ضياع الهوية وفقدان الذات، وننعم بالقهر والعوز والاستجداء والترهل والكسل ونسعد
بالتسفل والتدني وأحلام اليقظة والانتعاش الكاذب.
والمراقب لأمتنا
اليوم يراها قد أدمنت على الهوان إدمانًا مروعًا، فهي تشرب كأسها بنهم حتى
الثمالة. تشرب كأس المظالم داخليًا وخارجيًا، وكأس الفرقة وكأس العداوة التي تبلغ
فيها المدى فلا ثمن للدماء ولا حرمة لأعراض ولا رحمة لصغير أو شيخ أو مقدس تشرب
كأس الاستعباد، الاستعباد بشتى أنواعه، فلا حرية لفكر ولا سماع لرأي، ولا مسامحة
لتصرف متفلت، تسقي الاستعباد الثقافي والفكري ويفرض عليها دعاة العمالة حراسًا على
سجون الرأي وزبانية لتأديب الصحوة واليقظة.
الأمة اليوم
يُطلب منها أن تصم الآذان فلا تسمع أي خطاب إلا ما يقال لها ولو كان خطاب الله وأن
تغمض العين فلا ترى إلا ما يراد لها ولو كان ملء البصر والبصيرة، أو كالشمس في
رابعة النهار، وأن تُلغي العقل، فلا تفهم إلا ما يملى عليها، أو تلقنه من كهنة
الأصنام وسدنة الطغاة الفراعنة وصدق الله ﴿قَالَ
فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ
الرَّشَادِ﴾
الأمة اليوم
يُصنع الكثيرون فيها ليكونوا على مقاس الجبب، وينحت العديدون منها ليكونوا على
مقاس الكراسي، وأظن اليوم أن الجبب كثيرة ولكن الكراسي قد تكون محدودة. فهل من
مولى أو متولي؟!