; هل الصوم عذاب.. يا معلم التاريخ؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل الصوم عذاب.. يا معلم التاريخ؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

مشاهدات 57

نشر في العدد 37

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

قال لي ولدي

هل الصوم عذاب.. يا معلم التاريخ؟!

قال لي ولدي:

كنا ضيوفًا على الله -عز وجل.

- نحن مستعدون الآن.. لنكون في شرف الاستماع إلى حديثك، استكمالًا لمناقشتك آراء أستاذ التاريخ ..!!

- التفت نحوه قائلًا: مرحبًا بك يا فؤاد، وبأخوتك الذين معك..

لكن وجدتني أتوقف عن المسير فجأة..!!؛ لأصحح له فهمًا جرى على لسانه..!!

 يا فؤاد: إنها ليست آراء.. فالرأي خلاصة علم وتجربة.. وصاحب الرأي فقيه وعالم.. فليس كل رنين لمنطوق اللسان.. إثر ذبذبات هالعة ملسوعة.. بالوخز الخفي الكائن في ضمير الإنسان.. يعتبر رأيًا..!!.

- ولا كل تجمع لأصوات نشاز.. من آلات رعناء.. يُعتبر لحنًا موسيقيًا..!!

- ولا كل التقاط لسواقط الأفكار الهابطة.. من معاطن الدخلاء علينا.. تُعتبر علمًا..!!

- ولا كل صيحات تنطلق دفاعًا عن موقف ساقط مزري.. تُعتبر رأيًا..!!

لذلك أرجو أن يقر في أذهانكم أننا حينما تناقش هذه الأفكار.. لا تناقشها على أنها آراء.. بل على أنها صرخات من طبول مقروعة.. قد يحدث دويها الناتج من تكرار ضرباتها أثرًا.. في الأعصاب المكدودة والأدمغة المرهقة أو الفارغة.. أو تشويشًا متداخلًا في محطات الإرسال للحق لذوي الأسماع السليمة ..!!

- ودلفنا إلى المنزل؛ حيث انعقدت جلستنا..

قال ولدي:

وقفنا في الجلسة الماضية عند هذا السؤال:

- هل الصوم تعذيب للبشر؟! كما أراد أن يصوره لنا أستاذ التاريخ..!!

قلت له:

أولًا: من علم التاريخ الذي لم يدرس لكم جهلًا أو عمدًا ..!! وتقليب لصفحاته الأولى التي خط بها الله وجودنا على هذه الأرض.. نستطيع أن نمسك الخيط الأول في حديث الإجابة:

- فلقد عاش أبو البشر «آدم» -عليه السلام- في الجنة ما شاء الله له.. حيث لا كدح ولا عمل بل حياة في ظل قانون الله فيها ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (سورة طه: 118-119).

- ثم كان هبوطه إلى الأرض تحت قانون الكدح والعمل الذي عناه الله بقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ﴾ (سورة طه: 117).

﴿فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِ﴾ (سورة الملك: 15)، ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ﴾ (سورة التوبة: 105).

 - فمن هذا المنطلق.. كان الجهد الذي يجعل من فلاح الأرض إنسانًا ينحني ظهره ويعتدل بالفأس التي يضربها في التربة؛ استنباتًا لخيراتها.. إنفاذًا لهذا القانون.

- وكذلك الذي يغوص في البحر مخاطرًا أو يعلو في السماء مجازفًا، أو يعمل في ظلام المناجم مكافحًا، أو في ميدان الحرب مجاهدًا، أو الذي يقف أمام الأفران في مختلف درجات حرارتها.. كل هؤلاء يسيرهم قانون «الشقاء»، لا قانون «العذاب»..!!

- وكذلك الذي ينتظم في صلوات.. خمس مرات في اليوم والليلة.. أو يرحل حاجًّا ومعتمرًا.. أو يُنفق من ماله الحق المعلوم للسائل والمحروم.. كل هذا عمل تحت سياج نفس القانون.. لأن هذا كله في الإسلام يُسمى «عبادة» فلماذا يخص الجاهلون الصوم بهذا الوصف؟!

ثانيًا: إن العبادات كلها عذاب عند من لم يتذوقوا حلاوة الطاعة، وسعادة الطمأنينة، ولم ينعموا براحة الرضى، وسكينة الرحمة.. ولم يشعروا بلذة المحبة المتبادلة بين الخالق -جل وعلا- وبين عباده المؤمنين «يحبهم ويحبونه»، -رضي عنهم ورضوا عنه. .

ثالثًا: إن الطالب الذي تجفو عيناه عن المنام.. ويأسر نفسه في الدار.. حبيس المذاكرة.. من أجل النجاح.. هل هو معذب لنفسه أولى به أن يفك إسارها؟!

وهناك استأذن «فؤاد» ليقول:

- لو أنصفت الحقيقة من هؤلاء المزورين لقالوا: إن الرياضة البدنية بأنواعها من جري إلى سباحة إلى ما سواها.. رغم الجهد الشاق المبذول فيها لا تُسمي تعذيبًا.. لأن نتاجها صحة الأجسام، وقوة الأبدان ..!!، وإن النظام الخاص «الرجيم» الذي يتبعه اللاعبون.. سواء من حيث الكم أو الكيف أو المواعيد.. إنما هو الطريق للقوة الغالية المنتصرة ..!!، وما الصوم إلا نوع من هذا النظام.. قصد به -فضلًا عن طاعة الله- قوة الجسم وسلامته مادةً وروحًا..!!

ورفع يده «ولاء» ليقول:

- لقد قرأت أنَّ الصوم يُعتبر علاجًا من بعض الأمراض، فيقول الدكتور «روبرت بارتولو»: إن الصوم من الوسائل الفعالة في التخلص من میكروب بعض الأمراض الجلدية بما يسببه من إتلاف الخلايا المريضة.. إلى هذا أيضًا ذهب الدكتور الظواهري وأثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن الصوم يُعتبر وقاية في بعض الحالات مثل منعه تكون الحصوات والرواسب الجيرية.. وفي إنقاصه للوزن الذي يُعتبر وقاية من الإصابة بمرض البول السكري.. وأنه يُفيد كذلك في علاج اضطرابات المعدة وزيادة ضغط الدم وأمراض القلب..!!

واستأذن ولدي ليقول:

- لو أن أستاذي -سامحه الله- أدرك علاجه من عادة التدخين التي يتنفسها سمومًا في بدنه.. وسرطانًا في جسده في الصوم.. وأن فرصته الذهبية لأخذ الصوم وصفة طيبة.. هي شهر رمضان..

قلت له: يا بني: إن هذا كله لم يغب عن علم الأستاذ وذهنه..  ولم يفته السماع إن فاته الاطلاع، ولكن المشكلة تكمن في النفس المنطلقة وراء أهوائها وشهواتها، لا ترضى بالقيود على ما تبغي أو تريد...!!

هذه النفس التي تعبدتها اللذة الوقتية، والنهمة الشهوانية، فانحدرت من منزلتها التي كرمها بها الله إلى حضيض السائمة.. حيث نزل في مثلهم قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (محمد:12).

وكان بيانه تعالى للهدى سبلاً (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس:9-10).

يا بني: نحن أمة الجهاد لا يجوز في شرعنا أن نعطل فريضته، أو نوقف كتائبه، أو ننزل رايته.

لأن نبينا وقائدنا حذرنا العاقبة في قوله عليه الصلاة والسلام: (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من نفاق) وفي مفهوم ديننا (ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا) وشعارها (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60). 

فاستعدادنا دائم.. حماية للثغور والبيضة.. وانطلاقاً للفتح تبشيراً بالدعوة إذا ما حال دون الوصول إلى التبليغ حائل من قهر وسلطان..

وبصوت مبحوح من التأثر قال "فؤاد":

عجيب أن يذهب الشطط بأستاذنا للتاريخ إلى المقارنة برهبان الهنود من أتباع "بوذا".. مع أنه لا توحد في الغاية، ولا تشابه في النسك، ولا تقارب في التعاليم، فشتان ما بين أرض وسماء...!

قال ولدي:

إن أروع ما أدركته من أحكام الصوم أولاً:

أنه ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب.. بل أخذ النفس بكل وسائل "الضبط والربط" بلغة العسكريين...!

"والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ".

إنه تدريب على قول الحق والتجافي عن الباطل.. "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة، في أن يدع طعامه وشرابه"

قلت لهم: إن الصوم في حقيقته:

مجموعة من الركائز العملية لمنهج تربوي رائع.. يصنع الرجال الأبطال من المؤمنين.. لو رعته دولة وأخذت به سياسة، ودعت أجهزة إعلام.. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

239

الثلاثاء 24-مارس-1970

كلمة عن إعلانات التدخين!!

نشر في العدد 15

81

الثلاثاء 23-يونيو-1970

مع القراء - 15

نشر في العدد 20

100

الثلاثاء 28-يوليو-1970

هذا الأسبوع - العدد 20