العنوان هل المرأة شريرة؟
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988
مشاهدات 72
نشر في العدد 861
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 05-أبريل-1988
لا يشك أحد أن
المرأة تعرضت للظلم والاضطهاد والتحقير والازدراء منذ فجر التاريخ، فكانت الفكرة
السائدة عن المرأة أنها ليست إنسانة كاملة، وأنها أدنى من الرجل أخلاقًا ونفسًا
وروحًا ودينًا وأنها سبب الشر في العالم كله.
يقول أرسطو إن
الرجل خُلِقَ للأنشطة النبيلة، والمعرفة الفكرية، أما المرأة فرغم أن لديها روحًا
عاقلة إلا أنها وجدت من أجل الجنس فقط. وتبعه توماس في القرون الوسطى إذ قال:
"إن الأنثى إنسان ناقص، فقد تكونت بسبب حادث وقع للحيوان المنوي الذكري، الذي
هو بالطبيعة يحتوي على إنسان كامل هو الرجل". وقد لخص زكي مبارك نظرة
الفلاسفة عن المرأة بقوله: "المرأة تملك أصول الشهوات، وهي باب الدمار
والخذلان، والمرأة هي الجحيم، هي البلاء يصبه الله على رؤوس العباد، هي الشقاء
المعجل، والكرب الذي يسبق الموت، والمرأة في جميع أحوالها مصدر فساد ولها مداخل
إلى الفتنة يعجز عنها إبليس".
وبعض المسلمين
من جهلهم بالإسلام يظنون أن ما يقرأونه في كتب الغربيين والديانات الأخرى عن آدم
وحواء ينطبق على الإسلام، مثل تلك الكاتبة التي أرادت أن تظهر علمها وذكاءها
بافتعال حوار بينها وبين أبيها، فقالت إنها سألته لماذا ينسب الإثم إلى حواء؟ وأن
أباها قال لها لأنها أغرت آدم. وأنها لما كبرت وقرأت في الكتب وجدت أن الجواب هو
أن الله واجه حواء، وسألها عما فعلت بآدم، حيث إنها أغرته، وجعلته يخالف الله
ويفعل المحرم، وأن حواء أجابت الله قائلة: لقد أغرتني الحية، وأكلت من الفاكهة
المحرمة، ولعن الله الحية، ثم قال لحواء: "سوف أضاعف ألمك في الولادة، ستلدين
في الأسى والألم، ولكن رغبتك ستظل لزوجك، وأن زوجك سوف يحكمك".
وهذه الكاتبة لو
رجعت إلى الإسلام ستجد في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (النساء:1). وقوله تعالى:
﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران:195).
وقوله صلى الله
عليه وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال"، وأنه رفع عنها اللعنة التي كان
يلعنها بها رجال الديانات السابقة والفلاسفة فلم يجعل عقوبة آدم بالخروج من الجنة
ناشئًا منها وحدها، بل منهما معًا، بقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ
عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ﴾ (البقرة:36).
ويقول عن آدم
وحواء: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ
عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا﴾ (الأعراف:20).
ويقول عن
توبتهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا
وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف:23).
بل إن القرآن في
بعض الآيات قد نسب الذنب إلى آدم: ﴿وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ﴾ (طه:121).
إن الإسلام يرفض
ما يقوله الفلاسفة الإغريق والرومان وأهل الديانات السابقة أن الرجل هو الروح
السامية، وأن الأنثى هي الأدنى ذات الجسد والشهوة الجنسية، وأن دورها أن تكون أمًا
فقط، وأن دورها الديني والروحي والفكري مرفوض، فالإسلام يقول كما جاء في القرآن:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ
مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97).
وقوله تعالى:
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران:195).
وقرر الإسلام
مبدأ إعفاء المرأة عن مسؤولية أمها حواء، ورفض الفكرة التي تحمل الإنسان خطيئة آدم
وحواء، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم
مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:141).
ويؤكد القرآن أن
المرأة أهل للتدين، ودخول الجنة إن أحسنت مثل الرجل تمامًا، من تلك الآيات قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:35).
وحرم الإسلام
التشاؤم بها، والحزن لولادتها كما هو شأن أهل الجاهلية وبعض الأمم، بل وبعض
الغربيين إلى اليوم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ
وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا
بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (النحل:58-59).
نعرف من كل ذلك
أن الإسلام يرفض رفضًا باتًا فكرة احتقار المرأة وازدرائها، وأنها في نظره مكرمة
باعتبارها من بني آدم مثل الرجل تمامًا. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي
آدَمَ﴾ (الإسراء:70).
وأنها ليست
شريرة كما تعتقد ذلك الأمم السابقة، وأهل الديانات والفلاسفة. أما لماذا شهادة
امرأتين بشهادة رجل واحد؟ ولماذا كان لها نصف ما للرجل من ميراث؟ فذلك ما سأتناوله
في حديث لاحق إن شاء الله.