; هل تحذر الأمة سلاح الفتن والتشرذم؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تحذر الأمة سلاح الفتن والتشرذم؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000

مشاهدات 59

نشر في العدد 1389

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 22-فبراير-2000

إدارة الفتن أصبحت الآن فنًا من الفنون، وعلمًا يدرس من العلوم، مثله مثل الفساد الذي أصبحت له برامج وقواعد وأصول ووسائل لتخريب الأفراد والأمم، بل وأصبحت له قنوات تلفازية وفضائية وإدارات ومؤسسات، وكل هذا يقوم به بعض القوى التي فقدت الضمير والخلق وكل معاني الإنسانية، وقد برز ذلك كسلاح بتار وفاعل في هدم الأمم ونسف مقدراتها وإحراق شبابها وسحق شعوبها، وجُرِّب كرواجم وصواعق للإبادة والتخريب وكانت نتائجه باهرة ومباشرة وخاصة في الأمم غير الناضجة أو الجاهلية واللاهية قليلة الإدراك شحيحة الإحساس كثيرة الهرج والمرج، وصدق رسول الله ﷺ إذ يقول: «يتقارب الزمان ويقبض العلم وتظهر الفتن ويلقى الشح ويكثر الهرج والمرج، قالوا وما الهرج والمرج، قال: القتل» (رواه مسلم).

وأمتنا اليوم أضحت عندها قابلية للفتن وسماع وساوس الشياطين وزمزمة الكهان، وإيحاءات الأبالسة، وصارت مجهزة نفسيًا وسياسيًا لسماع نعيق البوم والغربان، وقد تعرضت الأمة لدراسات على مستوى القمة والقاعدة وأُيِّدت هذه الدراسات بكثير من الأمثلة والشواهد وأظهرت هذه البحوث أنها- وبنسبة عالية- تموج بتأثرات خارجية ضد مصالحها وتتقبلها، من فتن داخلية ونزاعات عربية وتوجهات عُدوانية، ولا يكاد يردها عن ذلك ظروفها الدقيقة ولا مصالحها العليا، ولا حاجتها إلى التنمية والنهضة، والغريب المحير أنها تنفذ تلك التأثرات الضارة، بإخلاص وتفانٍ منقطع النظير، قد تهلك فيه كثيرًا من مقدراتها ورجالها المخلصين، وتهدم به أعمالًا وأفعالًا قام بها عباقرتها الموهوبون.

 وهذه الظاهرة قد استدعت كثيرًا من أعداء الأمة، وأغرت فصيلًا من المتربصين باستغلالها والتركيز عليها، وفي ضرب قوانا وتفتيت وحدتنا في الحاضر وفي المستقبل فإسرائيل مثلًا تبني استراتيجيتها على تزكية الصراع في الأمة، وأصبحت تفصح عن هذا بلا مواربة أو خجل فيقول شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل الأسبق ووزير التعاون الإقليمي في الحكومة الصهيونية الآن إن إسرائيل مهما فعلت وجمعت  اليهود، فإن العدد لن يتجاوز ۲۰ مليونًا في نهاية القرن، وبالتالي ستكون محاصرة بين عدد سكان عرب ضخم، فهل يضمن الدفاع المستمر بما يمثل من نفقات من جانب الولايات المتحدة الأمن الإسرائيلي؟ أم أن على إسرائيل أن تخلق إطار دفاعها الذاتي، ولذلك يجب عليها أن تعمل جاهدة على أن تحيل المنطقة إلى دويلات صغيرة، وتلهي هذه الدول بالفتن، وبصراعات الحدود والخلافات القبلية، وهذا يحقق لإسرائيل ثلاثة أهداف:

1- أن تصير إسرائيل الدولة القوية باقتصادها وتقدمها التكنولوجي.

2- أن تتوسع وتغزو اقتصاديًا.

3- أن تصبغ المنطقة بصبغة فوضوية وطائفية وهمجية.

وبذلك يعتبر بيريز أن التجزئة والفتنة أحد العناصر الضرورية للأمن الإسرائيلي، ولتحقيق ذلك ينتج سياسة تقوم على: خلق مسالك اتصال مباشرة مع القوى الفكرية والقيادية في مجتمعنا، لتضليلها وتغذيتها بالنعرات والأفكار الهدامة، وتحريض كل على الآخر، كما تعنى سياسته بضرب العناصر الوطنية والإسلامية، وخلق صراعات بينها وبين السلطات وتلويث القيادات بما يعني فقدان الثقة بالذات الوطنية، وضرب المقاومة والأهداف المحركة في الأمة من عقائد وأخلاقيات وهويات تحت دعوى ضرب الإرهاب، ومما يعني إحلال الهزيمة النفسية وبالتالي الهزيمة العسكرية بالعرب، وهذا يجري ويتزامن مع مخطط آخر، وهو إضعاف مصر، لأنها الحلقة الأقوى في الصف العربي لو عرفت طريقها الصحيح، ولكنه يجب أن يعمل وبكل الطرق على إشغال مصر بنفسها وخلق صراعات داخلها لبداية فتنة نعم أرجاءها تؤدي إلى اقتتال داخلي، وكراهية للنظام، وظهور نموذج مصري جديد، على غرار الجزائر، أو البوسنة والهرسك، ثم يدُّعون أن هذا هو ما تحدثت عنه التوراة وكتب اليهود الدينية. ويقولون: قد ورد في الإصحاح ١٩ من سفر أشعيا النبوءة التالية «وأُهَيِّج مصريين على مصريين فيحارب كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه، مدينة مدينة، ومملكة مملكة، وتهراق روح مصر داخلها»، ولهذا تحاول إسرائيل اللعب على عدة ملفات داخل مصر:

أولًا: ملف الجماعات الإسلامية، ولا فرق عندها بين من يتبنى العنف وبين غيره، وقد يكون العقلاء من الإسلاميين أكثر استهدافًا من غيرهم. لأنهم يكونون دائمًا ملكًا لبلدهم وأمتهم ويضحون في سبيل عزتها ونصرتها ويتمنون ذلك ولو على يد غيرهم، حيث يكونون جنداً مخلصين من جنودهم.

ثانيًا: ملف الفتنة الطائفية، بين المسلمين والأقباط، وهي تلعبه الآن في لبنان وفي مصر، أما في لبنان فقد أوعزت إلى عميل من عملائها أن يقذف بأصبع من المفرقعات على كنيسة، فكان من سوء طالعها أن أمسك بالفاعل فإذا به غير مسلم ثم حرضت عميلًا آخر ليضرب النار من بندقيته على كنيسة وكان ملتحيًا، فإذا بالشرطة تلاحقه وفي أثناء هروبه وإمساك الشرطة به سقطت لحيته على الأرض، واتضح أنه غير مسلم. وهي تحاول مثل ذلك في مصر الآن.

ثالثًا: ورقة الإيذاء والإفساد الذي يتمثل في أشياء كثيرة منها: صرعات الشباب المختلفة والأفلام الجنسية وقنواتها، والمخدرات التي تسرب إلى داخل البلاد، وإرسال الجواسيس لتنفيذ مخططات الإفساد وتسريب الأسلحة والأموال، ونشر الإيدز، والدعارة، واجتذاب العملاء وشراء الضمائر وتكوين طبقة معينة ترود هذا الطريق.

رابعًا: الوقيعة بين مصر وبين الدول العربية، فكلما انطفأت فتنة سربت فتنة أخرى، وكلما اكتشفت وقيعة سارعت وألحقتها بأختها، وزرع التنافر بين الدول العربية بعضها مع بعض والعمل على إحياء النعرات وضرب التوجهات الخيرة، والتشكيك في النوايا والتخويف من الأنظمة، والتفريق بين الشعوب وزرع الكراهية بين أفراد الأمة.

وبعد: فما أظن أن إسرائيل وحدها هي التي تريد أن تتمزق الأمة وتذهب ريحها، وإنما يساعدها على ذلك الغرب الحاقد الذي يقرر ساسته في مجلة شؤون دولية البريطانية عام ۱۹۹۰م فيقولون: «إن الإسلام هو الهدف المباشر للحملة الغربية الجديدة، ليس لسبب سوى أنه الثقافة الوحيدة القادرة على توجيه تحدٍّ فعلي وحقيقي للغرب»، فهل نستطيع بعد ذلك الحفاظ على أمتنا من الفتن ومن الصراعات الداخلية؟ وهل يتدارك ذلك عقلاء الأمة؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان