العنوان هل تحقق الحلم؟
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الأحد 23-فبراير-1992
مشاهدات 58
نشر في العدد 990
نشر في الصفحة 10
الأحد 23-فبراير-1992
عندما كانت أحدث المعدات والأسلحة العسكرية تقذف حممها إيذانًا ببدء تحرير الكويت اختلطت دعوات القانتين في المساجد من أهل الكويت المرابطين ببكاء أبنائهم الفُزّع من أصوات القصف، بتلك الأصوات القميئة المنبعثة من إذاعة نظام الشقاق والنفاق البعثي العراقي، وأقبحها صوت كبيرهم الذي هتف من فرط خيبته «يا محلا النصر بعون الله» وكأن الله سبحانه قد أراده أن يبشر أهل الكويت بقرب انفراج محنتهم، وصدورهم عنها أعزاء كرامًا أحرارًا.
وبينما صفحات الأيام تُطوى وعقارب الساعة
تقترب من موعد النصر والتحرير والفرج القريب، كانت في أذهان الكويتيين ممن قاسوا
آلام ومعاناة الاحتلال في الداخل والخارج، صور كويت ما قبل الغزو، وما بعد
الاحتلال ثم ما بعد التحرير وإذا كانت الفترتين الأوليين أضحتا واقعًا ماضيًا، فإن
كويت ما بعد التحرير كانت حلمًا لا يزال يتشكل في رحم الآمال، فهل صادف الواقع ذلك
الحلم الجميل؟!
كويت ما قبل الغزو
عندما نذكر سلبيات مجتمعنا ما قبل الغزو،
فإننا لا نقف في صف من يرى أن الفساد يغلب على الصلاح في هذا البلد، وإنما على
العكس من ذلك، فنحن نعتقد أن هذا البلد كان ولا يزال موطنًا لأبواب كثيرة من
الخير، ونبعًا غنيًّا بتصدير أفعال المعروف وأنواع الإحسان إلى هذا العالم، كما أن
شعبه يحتفظ بطبيعة طيبة القلب يندر أن تجدها في كثير من شعوب العالم.
إلا أن صدق المواجهة مع النفس والحرص على
الحق وإن كان مرًّا يقتضيان منا أن نضع العدسة المكبرة حتى نرى واقعنا كما هو دون
أن نخادع أنفسنا، وحتى يمكن أن نعالج عيوبنا ونتلافى نواقصنا.
لقد كانت أوضاعنا قبل الغزو على المستوى
العام صورة مضطربة وغير مطمئنة، فقد رأت الحكومة تشكيل المجلس الوطني لمدة أربع
سنوات، وشرعت في عقد جلساته، دون أن ترى في ذلك أي مخالفة للدستور، ودون أن تستمع
لأصوات الغالبية من أفراد هذا الشعب، التي كانت ترى ضرورة عودة مجلس الأمة، مما
خلق مناخًا من الانقسام انعكس على كثير من أوضاعنا السياسية.
ويزيد من هذا الوضع السيئ وجود الرقابة
المسبقة من الحكومة على الصحافة، وعدم السماح للرأي الآخر بأن يعبر عن وجهة نظره
بحرية، وكانت هذه السمات السلبية كفيلة بخلق جو من الاضطراب، قرب للنظام العراقي
المهزوم فكرة الاحتلال في مثل هذا الظرف غير العادي.
وعلى المستوى الفردي، كانت الرفاهية سمة
المواطن الكويتي، الذي كان يأنف أن يعمل بيديه في أي عمل يدوي متعب، فلم يكن يخطر
بباله عندها أنه يمكن أن يصنع خبزه بيده أو يصلح جدارًا في بيته بيده، أو يعمل على
إصلاح عطل سيارته بنفسه، نظرًا لوجود المادة الكفيلة بجلب العمالة المتوفرة سلفًا
للقيام بتلك الأعمال.
هذه الصور السلبية كانت تضرب أوتادها على
أرض مجتمع ما قبل الغزو بشدة، فإذا أضيف لها ما توّلد من أمراض اجتماعية خلقية
وتربوية من جراء العيش المرفه واللامنتج، انعكس أيضًا على تعطيل قدرات هائلة لدى
الشباب الكويتي تصبح الصورة أكثر قتامة، وآثرنا هنا إيراد بعض السمات السلبية في
فترة ما قبل الغزو، حتى تسهل المقارنة.
الكويت تحت الاحتلال
نعتقد أن الرأي الأدبي القائل إن «المحنة»
مشتقة لفظًا ومعنى من كلمة «الامتحان» هو قول يصادف مصداقية كبيرة، فقد كانت محنة
احتلال الكويت، امتحانًا رهيبًا لقدرات وإمكانيات الشعب الكويتي.
فقد وجد هذا الشعب نفسه خلال ساعات ينزل
من تصنيف أحد أغنى الشعوب في العالم إلى شعب بلا دولة، وبلا موارد عيش، وأصبح
الكويتيون في الداخل مثلًا يعتاشون على ما تصنعه أيديهم من خبز وصاروا يعرفون معنى
«التقشف» في استهلاك الغذاء والماء والحاجيات الضرورية، خصوصًا عندما شحّت في كثير
من الأحيان، وذاق الكويتيون لأول مرة ما ذاقه أجدادهم من اعتماد على الذات في كل
شيء، حتى خياطة ملبسهم وتنظيف شوارعهم بأنفسهم، وإذا لم يكن من إيجابيات المحنة
سوى هذا الاكتشاف الحقيقي للذات لكفى.
فإذا أضفنا إليه الإحساس العام الواحد لدى
الشعب الكويتي بأكمله بضرورة مقاطعة ومحاربة المحتل الغاشم، وعدم التعاون معه بأي
شكل من الأشكال وإعلان العصيان العسكري والمدني له، والالتفاف حول النظام الكويتي
الذي ارتضاه هذا الشعب لنفسه، على مدى تاريخ يتعدى القرنين من الزمان، كل ذلك كان
انصهارًا لمعدن أصيل في هذا الشعب الذي أثبت لحكومته أنها لم تكن تقدره حق قدره،
وأنه لن يغير النظام الذي ارتضاه، وإن كانت حكومته قد انتقصت من حقوقه السياسية
كثيرًا قبل الغزو، وقد ترصع هذا الالتفاف الشعبي بمؤتمر جدة.
الكويت المحررة
مع هطول الرحمة الربانية بتحرير الكويت
وطرد المعتدين البغاة، احتل موضوع إعادة الخدمات الأساسية المرتبة الأولى لدى
أولويات الحكومة، ورأت الحكومة تأجيل الحديث عن إعادة الحياة البرلمانية، رغم
إلحاج الشعب الكويتي وقواه السياسية على إعلان الالتزام بإعادة مجلس الأمة تنفيذًا
لمقررات مؤتمر جدة، إلا أن الحكومة استدركت هذا التراخي لتعلن على لسان سمو الأمير
إعادة الحياة البرلمانية في أكتوبر القادم.
ونعتقد أن الآمال والأحلام التي كنا
نعيشها لكل ما بعد التحرير، كانت أضخم بكثير مما تحقق على أرض الواقع، وليس ذلك
لصعوبة تحقيق هذا الحلم، وإنما لأنه-وللأسف الشديد- هناك عقليات كثيرة من أصحاب
القرار لم تستفد كثيرًا من دروس الكارثة، ولم تغير كثيرًا من أسلوب تفكيرها ووزنها
الخاطئ للأمور، وكأن عقارب الزمان عندها وقفت عند تاريخ 2/ 8/ 1990 وما لم تستفق
تلك العقليات من غفلتها عن دروس الزمان، فإن مجتمعنا سيظل يعاني من الصور السلبية
السابقة ولن نكون جديرين بأن نورث لأبنائنا مجتمعًا حضاريًّا تنتصر فيه كلمة الحق
وتعلو فيه قيم العدالة والحرية ويستشعر فيه كل فرد من أفراد المجتمع مسؤولية تجاه
الآخرين وتجاه هذا البلد، وحين يكافأ المجتهد ويحاسب المقصر سوف يكون للعمل قيمة
ومعنى ويكون الإنتاج سمة رئيسية من سمات هذا المجتمع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل