العنوان هل تصمت الجدران؟
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1974
مشاهدات 69
نشر في العدد 209
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 16-يوليو-1974
هل تصمت الجدران؟
بقلم: أحمد محمد عبد الله
«سيدي.. المتهم بالباب»! وفي حركة عصبية ثائرة قفز الضابط الكبير « » من على كرسيه وانتصب واقفًا وهو يلهث، ويردد ناظريه في جوانب الغرفة، ثم ركزهما على وسام كبير قد علق عن يساره، ثم صاح بالعسكري الموكل بالباب قائلًا وبلهجة لا تخلو من اهتزاز وبحة.
«ليدخل!».
ظل واقفًا مكانه، امتدت يده إلى مكتبه، راح يقلب أوراقها ويحرك الأدوات الموضوعة أمامه وحركة شفتيه تدل على مدى قلقه وتوجسه، ثم رفع رأسه مصوبًا بصره نحو الداخل وقد ارتفعت قامته وشاع في وجهه سرور وقوة، وحدثته نفسه أن يصرح به لكنه امتنع ضاغطًا على أعصابه.
تقدم الأسير وقد غلت يداه وراء ظهره، وبدأ محياه طلقًا، وعلى ثغره ابتسامة استخفاف وهزء، ثيابه لم تكن رثة كما أنها لم تكون مما يحمل الموسرين على لبسه.
ظل مطرقًا صامتًا، في وقفته إباء وشمم، وفي نظراته جسارة وتحد، أجال عينيه في أركان الغرفة المرفهة، وشد بصره ذلك العدد الكبير من الأوسمة والنياشين التي علقت على الجدران، ألقى عليها نظرة احتقار ثم حول وجهه ناحية الضابط الكبير، فإذا به يتفحصه وجسده الكبير لا يقوى على حمل رأسه المخادع، وبلهجة آمرة صاح به: توجه إلي؟!
لم يلق بالًا إلى صرخته الداوية، بيد أنه تحول إليه ليعرف التهمة الجديدة التي ألصقت به وأجابه بلهجة الواثق المطمئن: نعم!
غلى مرجل الغضب في رأس الضابط وقال له: أتعرف من أنا؟!
زم الأسير شفتيه وقرب ما بين حاجبيه ونظر في وجه الضابط وأجابه بكل هدوء: منذ أن وجدت كنت أنت تتحكم في رقاب الناس وتعلق الأوسمة والنياشين!
طفى الحقد على شفتي الضابط وهاجه قوله وصرخ به: ما دخلك بالأوسمة والنياشين وأنا أسألك سؤالًا محددًا، أطلب منك الإجابة عليه، أن لك أن ترد على أسئلتي لا أن تعلق عليها!
ثم أهوى برأسه قليلًا وركب منظاره على عينيه ثم عبث بأوراق أمامه، أوراق ملونة قد صفت صفًا في مجموعات، ثم حمل بعضًا منـها وقال: أتدري ما هذه الأوراق، وأي شيء فيها؟!
لم يرفع الأسير رأسه – وإنما تحرك لسانه ليرد على سؤال الضابط لا يهمني أن أعرف ما تكون، ولكن أعرف ما بها، أعرف أن كل ورقة تساوي وسامًا معلقًا على هـــــذه الجدران!!
استشاط الضابط حنقًا وألقى بالأوراق وانتصب واقفًا وقال بلهجة حادة: قلت لك أجبني على سؤالي. ثم، ثم ما دخلك بالأوسمة والنياشين؟!!
رفع الأسير كعب حذائه وقرع به الأرض في ضربات متعادلة محسوبة، ثم رفع رأسه إلى الضابط الذي احمرت عيناه وتكاثرت تجاعيد وجهه وتغير لونه، ثم حدجه بنظرة غريبة، ولم يتفوه بشيء.
استدار الضابط ناحية الجدار وأخرج دخينة أشعلها له العسكري، ثم دس يده اليسرى في جيب بنطلونه وراح ينفث الدخان ويتأمل تموجاته، ومرت فترة صامتة لم يتغير فيها الضابط عن موقفه كما لم يتحرك الأسير عن وقفته وفجأة التفت الضابط ناحية الأسير وقال بعد أن أخذ نفسًا طويلًا: أتدري لماذا جئت بك إلى هنا؟!
قال الأسير: وهل هي المرة الأولى التي أقف فيها هذا الموقف!!
قال الضابط: قلت لك، أتعرف سبب وجودك في هذا المكان؟
وتحرك الأسير من مكانه، وخطا خطوة إلى الأمام، ثم وقف أمام الجدار وقال بكل هدوء: نعم! انفرجت شفتا الضابط تعبيرًا عن دهشته الشديدة فمن انبأه عن سبب اعتقاله.
وصر على أسنانه ثم قال له: وهل تظنك تفلت من قبضتي هذه المرة؟!
وضحك الأسير، وبانت في وجهه معالم سرور وثقة وتوجه إلى الضابط قائلًا: نعم، كما قدر لي أن أنجو في المرات السابقة، وما زلت أنت الخسران في هذه العملية، فلن تجدني مهزومًا قط وإذا خيل إليك يومًا أن حديدك ونارك مفخرة لك، فاعلم أنك تحرق نفسك بهذه النار وأنك تشوي بها أتباعك، ثم لا يغرنك الحديد، فإن للحديد ما يفله!
لم يفهم الضابط ما قال، غير أنه عرف المغزى الذي يقصده من خلال تأويله وتفسيره وبعنجهية ظاهرة وقحة قال: وكيف لك أن تعلم بسبب اعتقالك والمجيء بك إلى هنا.
قال الأسير: إن الطغيان يزاول عمله منذ أن وجد وأني أعرفه، فسيماه واضحة، وهل أجهل سمات الطغيان وقد كشفتها للناس
فهم يعرفونها كما يعرفونني!! كانت إجابات الأسير بمثابة قذائف تلجم الضابط وتزيد اشتعال ناره، ولكنه كان يكتم ما يستطيع كتمه ليظهر تماسكه وجلده أمام المتهم والمتهم يدرك حال الطاغية النافخ من صعيد داخلي، فأمال رأسه إليه وسأله:
هل أستطيع أن أعرف وفرة هذه الأوسمة، ومن أين جاءت؟!
امتعض الضابط من سؤال المتهم فقهقه قهقهة فظيعة دلت على حقد جنوني وهم بصفع الأسير، ولكنه جمد نفسه قليلًا ليتفادى حالته الهائجة وقال له بصوت جهوري تجمعت فيه كل نبرات القوة.
ألم أنهك عن العودة إلى السؤال عن الأوسمة والنياشين، لم يكترث المتهم لصراخه، وإنما تفرس في وجهه، ثم في الجدران، ثم أعاد بصره إلى كتفي الضابط وصدره ورأى ما علق عليهما، ثم قال بصوت خفيض: وهذه نياشين جديدة، تدل فخامتها على... ولم يكمل الأسير جملته إذ كانت الصفعة أسرع من حديثه، ولكنه لم يتحرك من مكانه وقال له: لا أدري إلى متى تبقى هذه الجدر صامتة تنظر إليك وأنت تعلق عليها ثيابك وأوسمتك، ثم لا تبدي حراكًا.
وانفجر الضابط هادرًا، وقد تقلصت عضلات جسمه، وبرزت عروق رقبته، وبدت أسنانه وكأنها تمضغ صخرًا من شدة الحنـق والضيق، وهاج في الغرفة وماج ثم انثنى ناحية الأسير وهو يضرب قبضة يده اليمنى براحة يده اليسرى.
ثم وقف مقابل الأسير وقال:
-أيها الغبي، هل لي أن أعرف متى كانت الجدران تتكلم؟ ومتى كنت مسئولًا عن أعمالي؟!
رماه بنظرة احتقار طويلة أُفرغت صبره وجعلته يكرر أسئلته، وينفخ نفخ المكبوت ومن قد كم فمه عـــــن الحديث، فلما أن بلغت حالته من السوء ما بلغت، نطق الأسير، وكعادته بلهجته الرزينة الهادئة:
إن عماك وجبروتك، خيلا إليك أن الجدران لا تتكلم لا يوجد شيء لا يتكلم غير أني أتعجب من صمتها وهي تحمل أثقالك مع أثقالها، تحمل جرائمك وآثامك، وأنت فرح مسرور.
ثم هل تظن أن الحياة تبقى لك؟! وإذا بقيت، فهل تبقى الجدران على حالها أم تتصدع؟! إن أمرك لغريب وإنك لنمط عجيب، إنكم معاشر الطغاة تنامون على وسادة من حرير وقلوبكم واجفة، لا يقر لكم قرار حتى ليظن المخدوع أنكم ترفلون في أثياب العز والمخدوعون يرتجفون فرقًا، من فرقكم،
وبانفعال شديد، ضرب الضابط على المكتب وكرر الضرب بيدين قاسيتين ثم صرخ في العسكري، وساد صمت لمدة قصيرة، ظل فيها الأسير يحدق في الجدران وفي الأوسمة والضابط قد مال رأسه بين يديه وقد تهالك حتى كان استناده على مكتبه هو العاصمة له من الوقوع استدار نحو الباب، وهمهم العسكري:
«نعم، سيدي!»
خذ هذا المجرم إلى.. خذه إلى... لكن قل لي هل تريد السجن الآن أم المشنقة فإني أرى أنها الطريق الأقصر، نحو، القضاء على كل من تسول نفسه العبث بالأمن، ما تقول أجب، بسرعة!!
حرك الأسير رأسه وقال: أيها المغرور، المشنقة طريقها طويل، لأن الموت هناك والموت يفضي إلـى حياة طويلة، طويلة، والسجن تخوفون به الناس لأنهم يبغون الحياة والعيش، ولست بخائف من هذا ولا ذاك، ففي كليهما لي حياة، وقبل أن أنتقل من هنا، أذكرك، أن هذه الجدران سوف تتحرك يومًا وأن هذه النياشين والأوسمة سوف تعلق في ساحة كبيرة وسوف تتفرج عليها كل ذرة في الجدران وآنئذ لن تجد لك منها من حام يردعها عنك، أما أنا فلن يقهرني إعدامك لي، لأنني لا أتأثر بالموت ولا ينال مني السجن الرهيب، لكن هل تستطيع أن تجيب أولًا وقبل أن أخرج من أين لك هذه الأوسمـة والنياشين؟!
وبغيظ متدفق قال: من كل الذين يشاركوني حقدك وعداوتك!! أعرفتهم أعرفتهم، إنهم أصحاب الأعلام الملوثة في كل بقاع الأرض، هل أرتاح بالك الآن؟
ضحك الأسير ضحكة خفيفة، ثم قال: أعرف هذا جيدًا، لأنني دخلت مسارب التاريخ ووقفت مواقف كثيرة، بل أشد من موقفك هذا، ماتوا وبقيت هزموا وانتصرت وكما مضوا سوف تمضي، فهل لك من رأي تقوله؟
كان الضابط مستغرقًا في صمته، غارقًا في هموم مديدة يتجاذب بعضها أطراف بعض حتى إذا أفاق صرخ كالملدوغ:
خذوه، خذوه!!!
تقدم العسكري نحو الأسير يشده إليه.
رفع المتهم رأسه نحو الجدار ثانية، تفرس في الأوسمة المعلقة وركز بصره على عدد منها ثم نظر إلى الأرض، أراد أن يبصق على الجدار والأرض، لكنه اكتفى بنظرة احتقار وزراية، ثم تقـدم أمام العسكري، وهو يدفعه، ويردد، سوف تحدث الأوسمة الجدران يومًا بما كان!
الرابط المختصر :