; هل تعود العلاقات بين طهران وواشنطن؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تعود العلاقات بين طهران وواشنطن؟

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1988

مشاهدات 81

نشر في العدد 885

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 04-أكتوبر-1988

الولايات المتحدة كدولة عظمى تضع هدفها الاستراتيجي في مجال السياسة الخارجية الهيمنة على أكبر قدر من الكرة الأرضية- ناهيك عن مجال الفضاء الخارجي- سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا بغض النظر عن تغير هذا النظام، أو ذاك، أو زحزحة هذه الحدود، أو تلك وهذا يتطلب تقليم أظافر من ينافسها في هذا المجال من الدول الكبرى كالاتحاد السوفياتي وتأديب من يحاول الوقوف في وجهها من الدول الصغرى لأسباب وطنية أو قومية أو دينية.

وهي لا تتورع عن إحداث المشاكل والمتاعب وافتعال الحروب الإقليمية والأزمات الداخلية والانقلابات العسكرية وغير العسكرية أو استغلالها لتحقيق هدفها الاستراتيجي مهما كانت التضحيات البشرية والتكاليف الاقتصادية التي تصيب الشعوب الأخرى، ما دام الهدف النهائي للولايات المتحدة هو تحقيق هدفها الاستراتيجي في السيطرة والهيمنة.

نجد مصداقًا لهذا القول في عالمنا العربي والإسلامي فيما جنته الولايات المتحدة من وراء حرب أكتوبر «رمضان» ۱۹۷۳ وفيما تحاول أن تجنيه من وراء حرب لبنان وفي محاولاتها اليائسة مع الجهاد الأفغاني.

وإذا كانت حرب رمضان قد أفرزت اتفاقيات كامب ديفيد بدل أن تنتهي بتحرير فلسطين، وإذا كانت حرب لبنان قد أفرزت حتى الآن حكومتين في لبنان بدل أن تعيد لبنان إلى وجهه العربي الإسلامي فإن حرب الخليج استثمرتها الولايات المتحدة لاستنزاف موارد المنطقة في أتون الحرب ومنع أي دولة عربية أو إسلامية من ملء الفراغ الناتج عن خروج مصر من ساحة الصراع العسكري مع الكيان الصهيوني وإجهاض حركة المد الإسلامي المتنامية في السنوات الأخيرة ونشر أساطيلها قرب منابع النفط.

ولذلك فتحت أبواب مخازن أسلحتها لتصل إلى أطراف الصراع المباشرين وغير المباشرين، وبطريق مباشرة وغير مباشرة لتأخذ الحرب مداها الذي تريده الولايات المتحدة وكلما كانت كفة الحرب ترجح في جهة ما كانت الولايات المتحدة تلقي بثقلها في الجهة الأخرى إلى أن وافقت إيران في ٢٠ أغسطس (آب) الماضي على إيقاف الحرب والبدء في المفاوضات في الوقت الذي كانت فيه كفة العراق العسكرية قد رجحت، ولم تكن الولايات المتحدة تتوقع هذه النتيجة وفي هذا الوقت بالذات.

وهنا افتعلت الولايات المتحدة مع العراق أزمة بسبب ما يقال عن استخدام العراق الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد، وكان في إمكان الولايات المتحدة- كعادتها- أن تغض النظر عن هذا الأمر- إن صح- لو كان في غض النظر مصلحة لها. أما لماذا أشارت هذه القضية الآن، وهددت بالعقوبات الاقتصادية ولمحت برفع الحظر عن تسليح إيران؟ فذلك حتى تحد من عنفوان العراق وحتى تستعيد إيران قوتها ليعود التوازن بحيث لا يمكن لأحد الطرفين أن يكون سيد الموقف حتى لا يكون هناك خطر على النفوذ الأمريكي في المنطقة أو على الكيان الإسرائيلي.

مد الجسور في اتجاه إيران: ولهذا بدأت الولايات المتحدة تمد الجسور في اتجاه إيران بدعوى الإفراج عن أموالها المجمدة مقابل الإفراج عن الرهائن الأمريكيين كورقة رابحة في لعبة الانتخابات الأمريكية لصالح جورج بوش والحزب الجمهوري. وقد وجدت هذه الدعوى لدى بعض الأوساط الإيرانية مثل هاشمي رافسنجاني قبولًا سيما وإن نجاح دوكاكيس الديمقراطي سيجعل الأمور أكثر تعقيدًا، وهو الذي استغل فضيحة إيران غيت المتعلقة بالاتصالات الأمريكية الإيرانية أبشع استغلال في الدعاية الانتخابية ضد خصمه بوش.

والحقيقة أن الاتصالات الأمريكية الإيرانية لم تتوقف، ولقد كثر الحديث عن صفقة إيرانية أمريكية  لإيقاف الحرب، فقد كتبت صحيفة الأوبزرفر البريطانية الصادرة في ٢٩ يوليو «تموز» الماضي تقول: أن قبول إيران السهل وغير المتوقع لقرار الأمم المتحدة رقم ٥٩٨ بوقف إطلاق النار إنما كان نتيجة ضغوط داخلية واتفاق سري مع الأمريكيين أما عن تفاصيل هذا الاتفاق فتقول الصحيفة: إن اللجنة التي ستقوم  قرار الأمم المتحدة بالتحقيق في مسألة المسؤول من بدء الحرب ستعلن بأن العراق هو المسؤول وتم الاتفاق أيضًا على مغادرة السفن الحربية للولايات المتحدة الخليج، وأن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران ستغدو طبيعية.

أما صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية الصادرة في 10/9/88 فقد حللت أسباب الميل الأمريكي إلى إيران بأن العراق أصبح يملك جيشًا ضخمًا عركته المعارك، ويملك من الدبابات ضعف ما تملكه بريطانيا وفرنسا معًا، وهو جيش مستعد في أي وقت وفي أي اتجاه يريده الرئيس العراقي صدام حسين، وأن إيران القوة الوحيدة في المنطقة القادرة على موازنة العراق.

فالولايات المتحدة لا تدعم أي طرف من أطراف الصراع ليقوى، بل ليحد من قوة الطرف الآخر حتى يظل جميع الأطراف في النهاية في حاجة إليها، وحتى التفوق في الشرق الأوسط قاصرًا على كيان دخيل غريب هو الكيان الصهيوني باعتباره الممثل الاستراتيجي الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة.

فالولايات المتحدة وهي تسعى لاستعادة إيران لا تريد أن تخسر العراق، ولكن العقل الأمريكي المهيمن البراجماتي يصعب عليه أن يتصور أن «العقول الصغيرة» تستطيع أن تلعب معه نفس اللعبة البراجماتية تتملص من هيمنته في الوقت الذي تصبح فيه قادرة على ذلك ولهذا ينشأ التوتر في العقل الأمريكي يظهر عليه حالة من عدم متبادلة.

تیاران في الولايات المتحدة:

ولهذا- تقول التقارير الواردة من الولايات المتحدة- انقسم أصحاب القرار في البنتاجون إلى فريقين: فريق يتجه نحو العراق لرسم أبعاد العلاقة المستقبلية على ضوء الحقائق الجديدة التي أفرزتها المعارك العسكرية الأخيرة في الخليج وبروز العراق كقوة إقليمية تستطيع أن تلعب دورها المؤثر في تحديد المسار السياسي للمنطقة برمتها، وفريق ينادي بتكريس النظرية الأمريكية المعتمدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والقائلة بأن أهمية إيران الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة تفوق أهمية أي دولة موجودة في هذا المحيط؛ ولذلك يجب العمل على استعادة إيران مهما كلف الأمر ولو جاء ذلك على حساب دول المنطقة مجتمعة.

وهنا يقفز أصحاب الفريق الثاني على كل المتغيرات التي حدثت في إيران بعد الثورة ويحاولون إيجاد ركائز يمكن الاعتماد عليها داخل إيران بينما يتخوف أصحاب الفريق الأول من بروز العراق كقوة مؤثرة على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط.

وهاجس العقل الأمريكي هو الخوف من أن يفلت الزمام وأن يتأثر الكيان الصهيوني سلبًا ببروز إحدى القوتين العراقية أو الإيرانية أو كليهما ولهذا يعود التخطيط لاحتواء القوتين وتدجينهما ولو اقتضى ذلك إثارة الحرب بينهما من جديد.

ولعل إعلان العراق الأخير عن تمكنه من اختراع سلاح بما يجعله أحد ثلاث دول في العالم تمتلك هذا السلاح، لعل هذا الأمر يدفع بالولايات المتحدة أكثر في اتجاه إيران من منطلق إحداث التوازن ودفع الخطر المحتمل عن ربيبتها «إسرائيل».

الكيان الصهيوني قلق:

الكيان الصهيوني من جهته قلق من إيقاف الحرب وهو الذي أسهم بشكل أو بآخر في تأجيجها فيما مضى ليس حبًا في هذا الطرف أو ذاك، ولكن من أجل تدمير الطرفين معًا انطلاقًا من الاستراتيجية الصهيونية الأمريكية الهادفة إلى أن تكون «إسرائيل» هي المتفوقة في المنطقة إلى الأبد.

واليهود من جهة أخرى قلقون من هذا التوجه الأمريكي الذي قد يعني بشكل أو بآخر أن الولايات المتحدة يمكن أن تعتمد على جهة أخرى غير الكيان الإسرائيلي في المنطقة، وإذا كانت إيران الشراء فيما مضى لا تشكل خطرًا على هذا الكيان فإن إيران الثورة التي حركتها العقيدة يمكن أن تشكل خطرًا في المنظور القريب أو البعيد سيما وإن الجماهير الإسلامية هي الأكثر تأهيلًا للتصدي للكيان الصهيوني وكسر شوكته، وهو الذي انطلق في الأساس من عقيدة يهودية حاقدة على الإسلام والمسلمين.

إن هدوء الجبهة العراقية الإيرانية قد يعطي الانتفاضة الفلسطينية قوة دفع جديدة ويعطي للرأي العام العربي والإسلامي والعالمي فرصة للتفكير فيما يمكن عمله لكبح جماح الكيان الصهيوني وإعطاء الفلسطينيين حقوقهم المسلوبة في وطنهم فلسطين، وهذا سبب آخر يجعل اليهود في قلق من إحلال السلام في الخليج ولهذا صعد الصهاينة من وسائل قمعهم للانتفاضة في الوقت الذي وصلت فيه الانتفاضة مرحلة متقدمة من المواجهة والتحدي.

رفسنجاني يتحرك:

في إيران قاد رفسنجاني الهجوم الأخير على العراق والذي لم يكلل بالنجاح وكانت النتيجة هجوم عراقي مضاد وفق إلى حد كبير مما كان عاملًا ضاغطًا على إيران لإيقاف الحرب.

وإذا كان رفسنجاني يمثل التيار المطالب بعلاقات طبيعية مع الولايات المتحدة فقد سبق له الاتصال مع إدارة ريغان عام 1985 اتصالًا سريًا- كشف عنه النقاب فيما بعد- حصل بموجبه على كمية من الأسلحة وهي القضية التي عرفت باسم فضيحة «إيران غيت».

ورفسنجاني الآن كما تقول صحيفة الوول ستريت جورنال الأمريكية: يتحرك بصورة مدروسة وسريعة لتأمين مباركة خميني لعدد من التغييرات في السياسة الخارجية قبل أن يموت، ولا شكَّ أن الوضع الاقتصادي الضاغط في إيران دفعت رفسنجاني لفك عزلة إيران عن العالم الخارجي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

والإتحاد السوفياتي الذي رحب بالثورة الإيرانية من منطلق الخلاص من النفوذ الأمريكي إلى جواره عاد فتخوف من «تصدير الثورة» إلى حوالي خمسين مليون مسلم في الإتحاد السوفياتي سيما بعد فشله الذريع في كبح جماح الجهاد الإسلامي في أفغانستان وقبوله الانسحاب بعد أن تلقى ضربات موجعة من المجاهدين الأفغان وهو الآن متخوف من عودة النفوذ الأمريكي إلى إيران، ولكن يبدو أن سياسة غورباتشوف الجديدة والوفاق الجديد بين الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وضع حدًا للتنافس على مناطق النفوذ وتراجع للولايات المتحدة عن كثير من المناطق الساخنة.

أخيرًا يمكن القول إن هناك متغيرات كثيرة أولها الوفاق الدولي والاتفاق على إنهاء الصراعات الإقليمية وإعطاء دور أكبر للولايات المتحدة في الشرق الأوسط لمنع بروز أي قوة عربية أو إسلامية يمكن أن تقتلع الكيان الصهيوني من جذوره.

ولكن هل يتحقق هدف الولايات المتحدة في استعادة إيران وعدم خسارة العراق وإخماد الانتفاضة الفلسطينية المستمرة؟ أم أن المفاجآت ستقلب كل المخططات الأمريكية رأسًا على عقب؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

205

الثلاثاء 12-مايو-1970

مجتمعنا - العدد 9

نشر في العدد 18

167

الثلاثاء 14-يوليو-1970

هذا الأسبوع - 18