; هل تقوم حرب جديدة بين روسيا ومسلمي القفقاس | مجلة المجتمع

العنوان هل تقوم حرب جديدة بين روسيا ومسلمي القفقاس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1993

مشاهدات 85

نشر في العدد 1033

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 12-يناير-1993

آسيا الوسطى (القوقاز) وميراث الصراع الروسي

بداية الأطماع الروسية في القوقاز

موسكو: د. ضرار محمد

 

بداية الأطماع الروسية في بلاد القفقاس المسلمة توافقت مع التنافس الأوروبي على استعمار الدول الأسيوية والأفريقية، والذي أدى إلى نشوب حروب طاحنة بين الدول الأوروبية ذاتها شهدتها الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. الاتجاه الروسي لاحتلال واستعمار الدول الأسيوية ومن بينها دول القفقاس بدأ بعد مشاركة روسيا التي كانت تسمى بوليس أوروبا في هزيمة نابليون التي أعقبت غزوه لموسكو سنة 1812، بدعوى العمل على نشر مبادئ الثورة الفرنسية في كل العالم. وأثناء تراجعه خسر نابليون كل جيشه تقريبًا؛ حيث شارك الثلج في هزيمة الجيش الفرنسي.

 

الأفكار المسيطرة على الروس

أثر هذه الانتصارات بدأت تسيطر على روسيا الأفكار القديمة التي ملأت رؤوسهم بعد اعتناقهم المسيحية والتخلي عن الوثنية قبل حوالي الألف عام. هذه الأفكار يمكن تلخيصها في بندين مهمين:

 

الأول: أن الروس هم ورثة الكنيسة الأرثوذكسية في العالم. الثاني: ضرورة الوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأسود وبحر البلطيق.

 

في ذلك الوقت كانت توجد دولتان مسيحيتان فقط في منطقة ما وراء القفقاس هما مملكتا جورجيا وأرمينيا، اللتان كان العثمانيون يضغطون عليهما ويحتلونهما بين فترة وأخرى، مما دفع بمملكة جورجيا إلى توقيع اتفاقية «حماية» مع روسيا، وبدعوى ضرورة تأمين الطريق إلى جورجيا من أجل حمايتها من العثمانيين ونشر المدنية الغربية والدين الصحيح «الأرثوذكسية»، بدأت حملات روسيا لاحتلال شمال القفقاس.

 

وقد استهدفت الحملات الروسية إخراج الأتراك العثمانيين من شواطئ البحر الأسود الشمالية حتى «القرم». خرجت الجيوش الروسية في ثلاث حملات رئيسية:

 

الأولى: استهدفت شواطئ البحر الأسود الشمالية.

 الثانية: استهدفت قفقاسيا الوسطى «بلاد الشركس».

 الثالثة: استهدفت مناطق القفقاس الشرقية إلى بلاد الشيشان والدغستان.

 

مقاومة الإمام منصور وقلعة غروزني

الشيشان تصدوا للقوات الروسية بقيادة الإمام منصور «أوشوما» الذي قاوم قوات الاحتلال الروسي عدة سنوات. وعندما ضعفت مقاومته، انضم إلى الحامية التركية في قلعة «أنابا» على شواطئ البحر الأسود حيث تم أسره وتوفي من بعد ذلك.

 

حتى عام 1818م، لم تكن القوات الروسية المحتلة قد استطاعت الوصول إلى الجبال في بلاد القفقاس، لكنها كانت قد أنشأت مراكز لها في السهول خاصة على ضفاف نهر «ترك» الذي اعتبر الحاجز الطبيعي بين بلاد الشيشان والروس. ومن هذه المراكز كانت تنطلق القوات الروسية في «حملات» ضد قبائل القفقاس من سفوح الجبال تدمر خلالها الديار والقرى وتعود إلى مراكز «انطلاقها».

 

من بين هذه المراكز «غروزني» التي أنشأها الجنرال الذي سبق أن كان حاكمًا عسكريًا في باريس. لقد أنشأ الجنرال الروسي قلعة غروزني لتكون واحدة من القلاع التي تنطلق منها القوات الروسية لمحاربة الثوار «الجبليين». وكلمة غروزني تعني باللغة الروسية «الرعب»، وقد أصبحت هذه القلعة فيما بعد عاصمة جمهورية الشيشان التي تحول اسمها الآن إلى «سلجة غالة» أي مدينة سلجة.. وسلجه هذا هو اسم النهر الذي يخترق المدينة.

 

لقد كان الجنرال الروسي يرمولوف سفاحًا حقيقيًا اتبع سياسة الأرض المحروقة التي شملت تدمير الغابات والقرى. ومع ذلك فإنه لم يستطع أن يحقق نصرًا كاملًا على شعوب القفقاس.

 

ثورة الإمام شامل واستسلامه

في سنة 1825 بدأت الحرب شبه النظامية بين القوات الروسية المحتلة والتجمع الشيشاني الدغستاني بقيادة الإمام شامل وهو داغستاني «من أصل أفاري» كانت أرض المعركة في بلاد الشيشان وقد استمرت حتى عام 1859. وخلال هذه الفترة لم يتلق المقاتلون الشيشان أو الداغستان أي عون مادي أو عسكري من الخلافة العثمانية. المؤازرة الوحيدة التي تلقوها كانت مؤازرة معنوية من قبل قائد المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي الشيخ عبد القادر الجزائري. لقد قدمت هذه المؤازرة من خلال المراسلات المتبادلة بين القائد الجزائري والإمام الشامل الذي أعرب هو الآخر عن مؤازرته المعنوية لنضال الشعب الجزائري. وقد تبادل القائدان الحث على الصمود ومواصلة القتال ضد القوات الاستعمارية الروسية والفرنسية.

 

لم يكن متصورًا أن تستمر مقاومة قوات الإمام شامل إلى ما لانهاية في ظل انعدام أي دعم خارجي لها في مواجهة واحد من أقوى الجيوش الأوروبية. في عام 1859 استسلم الإمام الشامل بعد أن قاد مقاومة بطولية دامت 34 عامًا وتم إخضاع بلاد الشيشان والدغستان للقوات الروسية المحتلة.

 

ويسجل التاريخ أن الإمام شامل رفض مساومة الروس الذين عرضوا عليه إطلاق سراح ابنه جمال الذي وقع في الأسر مقابل إنهاء الثورة لدى وقوعه في الأسر، ونظرًا لمكانته الدينية لدى المسلمين لم يتمكن الروس من محاكمة الإمام شامل، فوضعوه تحت الإقامة الجبرية في موسكو وخيروه بين ذلك أو الخروج من «الأراضي» الروسية. عندها تقدمت الخلافة العثمانية بطلب استضافة الإمام شامل ومن معه من المقاتلين الأسرى لدى الروس. ومن تركيا انتقل الإمام شامل إلى المدينة؛ حيث توفى مجاورًا الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

هكذا انتهت حرب القفقاس الأولى حيث جرت مفاوضات بين الطرف الشيشاني الداغستاني من جهة والطرف الروسي، تمخضت هذه المفاوضات على:

 

·       وقف القتال.

 

·       تعهدت الدولة الروسية بموجبها بالسماح للشيشان والدغستان بحمل «السلاح».

 

·       حرية الشعائر الدينية الإسلامية.

 

·       عدم إخضاع شعوب القفقاس للخدمة الإلزامية العسكرية.

 

·       غير أن هذه الشروط جرى نقضها خلال عشر سنوات!

 

سياسات النفي والتهجير الروسية

وها هو القفقاس مرة أخرى على أعتاب الحرب الثانية والتي يقودها اليوم كل شعوب القفقاس. كلنا نعلم أن واحدة من الأساليب التي استخدمت من قبل السلطات الروسية لضمان عدم نشوب ثورات جديدة في أرض القفقاس هي محاباة بعض الشخصيات وإيجاد نظم عميلة لها في المنطقة، ولكن خاب أملها بعد أن تأكد لها صعوبة وطبيعة شعب القفقاس المسلم. انتهجت السلطات الروسية المحتلة أسلوبًا آخر لإخضاع منطقة القفقاس إبان العهد القيصري والعهد الشيوعي وبخاصة في عهد «ستالين» وهو أسلوب النفي والتهجير.

والمفارقة التي تجدر بالتسجيل هي أن السلطات الروسية التي رفعت راية نشر الحضارة الأوروبية في أرض القفقاس وخاضت حربا ضروسا في هذه المنطقة لم تبن ولا مدرسة واحدة؛ تركوا الناس على فقرهم ومنحوا الأراضي للقوزاق والعملاء وأعطوهم كامل التسهيلات، الشيء الذي زاد من حقد شعوب القفقاس وأشعل نار المقاومة لديهم. كذلك قامت السلطات الروسية في عهد القياصرة وستالين بتعيين الحدود الجغرافية لأراضي القفقاس وفقًا لأهوائهم... فقاموا باقتطاع أجزاء من بلاد الشيشان تقع شمال الضفة الشمالية لنهر ترك وألحقوها بمقاطعة روستوف الروسية. ونظام الإقطاع باء هو أيضًا بالفشل وكان قد أدخله الروس بهدف الرشوة وكسب الأنصار فخلقوا بذرة جديدة للثورة التحررية ضدهم.

 

بعد أربع سنوات من وفاة لينين عام 1924 تولي ستالين السلطة. ظهر عامل جديد أدى إلى العديد من الثورات في بلاد القفقاس.. ففي عام 1928 بدأ العمل بنظام المزارع الجماعية للدولة «الكلخورات» وبدأت مصادرة ممتلكات المواطنين من مزارع ومواشي وضمها للكلخورات.

 

الفوضى التي رافقت هذه العملية أدت إلى انتشار الجوع والفقر واحتجاج الناس، فكان لا بد أن يقدم ستالين «وهو من جورجيا» ضحايا لأخطائه وصفوا بأعداء الثورة. وقد اختير هؤلاء من العناصر المثقفة ورجال الدين كونهم أول من يشعر بآلام الناس وأفضل من يؤثر فيهم. تبع ذلك عمليات تهجير لكل شعوب القفقاس وإهداء أراضيهم إما إلى من ولاهم من العملاء أو ضمها إلى روسيا حتى تصبح واحدة من عوامل الضغط على هذه الشعوب. كان أول شعب تعرض لهذه العملية هو شعب البلقار والأنغوش ثم الشيشان. من بعد ذلك جاء الدور على قبائل القرشاي الشركسية تم نفيهم إلى سيبيريا أو توزيعهم على الجمهوريات الأخرى.

 

سمحوا لهم بالعودة إلى أرضهم خاصة من بقي منهم على قيد الحياة. وها هو شعب الأنغوش يعود إلى أرضه التي سكن فيها أجدادهم إذا به يجد أرضه قد أعطيت من قبل النظام الشيوعي لجمهورية أوسيتيا الشمالية. بدأ الأنغوش في المطالبة بعودة أراضيهم إليهم؛ الشيء الذي وعدت به القيادة الروسية!!

 

السيناريو الروسي القديم يتكرر في جورجيا

«ما أشبه اليوم بالبارحة» روسيا وجورجيا توقعان على اتفاقية صداقة. يتم بموجبها حماية روسيا لجورجيا إذا ما وقع عليها «عدوان» وهذه الاتفاقية تعيد إلى الأذهان تلك التي وقعها القياصرة مع مملكة جورجيا لنشر الحضارة «الأوروبية» في أوائل القرن السابع عشر...

 

عندما جاء غامساخورديا إلى سدة الحكم في جورجيا جاء عن طريق انتخابات حرة اشترك فيها الشعب الجورجي، وشخصية الرئيس الجورجي غامساخورديا لم ترق للمركز في موسكو خاصة ولم يكن هو الرجل الذي يخدم سياسة موسكو في المنطقة. سعت السلطات الروسية لإيجاد شخص مناسب يمكن عبره تمرير الخطط والسياسات الروسية في المنطقة فعملوا على خلق القلاقل والسخط لدى مواطني جورجيا ضد نظام غامساخورديا وجاءوا «بشفرنادزه» سكرتير الحزب الشيوعي الجورجي ووزير خارجية الاتحاد السوفييتي سابقًا ويعتبر هو أنسب العناصر في نظر روسيا. ومنذ توليه رئاسة «مجلس الدولة» في جورجيا بدأ في تطبيق مرحلة السيناريو الذي أعد مسبقًا في موسكو فأوعز بجيشه احتلال «ابخازيا» والتي يقطنها من الجورجيين يقدر بـ 13% والأبخازيين بـ 17.7%. هذا حسب إحصائية عام 1989 علمًا بأن القومية الجورجية في أوسيتيا الجنوبية هي الأكثرية وكذلك الحال في أجاريا المجاورة. وجورجيا تريد باحتلالها لأبخازيا أن يكون لها حدود مع روسيا. وابخازيا هي الجمهورية الوحيدة والتي تشترك في الحدود مع روسيا.

 

ومنذ دخول الجيش الجورجي لأرض ابخازيا هبت شعوب القفقاس تحت لواء اتحاد شعوب القفقاس والذي يتزعمه الأستاذ «موسى شنيبوف» واتحاد شعوب القفقاس لم يكن مسجلًا لدى السلطات الروسية وقد حاولت مرارًا أن توقع قائده في تهم باطلة الشيء الذي لم تقدر عليه؛ جاءت شعوب القفقاس متطوعة لتقف مع شعب ابخازيا الأعزل وتم طرد الجيش الجورجي الغازي وجورجيا ومن يساعدها تجاهلوا أن منطقة القفقاس توجد بها قوة التضامن الإسلامية توحدت من أجل أن تطرد المعتدي الأثيم وتبني دولة القفقاس الحديثة وهي حتمًا قادمة ويكاد نورها يبهر الأبصار. كان قبل هذا قد أسسها الجنرال (تبه) وأعلن نفسه رئيسا لجمهورية شمال القفقاس المسلمة وهي التي اعترفت بها تركيا وبلغاريا وروسيا البلشفية بقيادة لينين وقد أرسلت هذه الجمهورية وفدًا إلى محادثات فرساي التي أعقبت الحرب العالمية الأولى.

 

اعتراف روسيا بقيادة لينين بجمهورية القفقاس تم مقابل الحصول على مساعدتها العسكرية في القضاء على جيش القوزاق الأبيض.. غير أن لينين لم يتردد في القضاء على هذه الجمهورية الوليدة نهائيًا سنة 1922 وكانت «بريطانيا» و«فرنسا» رفضتا الاعتراف بهذه الجمهورية الإسلامية. جورجيا بدخول جيشها في ابخازيا كانت تضع في حسابها فتح حدود مع روسيا التي أبدت استعدادها لمساعدة شيفرنادزة وبعد أن تم طرد جيش جورجيا من ابخازيا قررت روسيا إرسال وحدة من قوات المظلات إلى منطقة جنوب جورجيا وزعم الإعلام الروسي أنها أرسلت لإجلاء رعايا روسيا من المنطقة في الوقت الذي قدمت فيه هذه الوحدة المظلية سلاحًا ومؤنًا للجيش الجورجي لتعاود الكرة بدخولها إلى ابخازيا. وزعم شيفرنادزة أن الجيش الجورجي دخل يبحث عن وزير داخليته المختطف دون مراعاة لحرمة حدود الدول الأخرى ودون اعتبار للقانون الدولي. وجورجيا بفعلتها هذه تنفذ فقط في السيناريو الذي اشترك فيه شيفرنادزة في «موسكو».

 

بجانب أن جورجيا تريد أن يكون لها حدود مع روسيا باحتلالها لأبخازيا فهي تحاول أن تقلل من حجم مقاومة جيش أوسيتيا الشمالية ضدها فأخذ إعلامها يؤجج نار الفتنة التي أشعلها النظام الروسي وهي قضية شعب الأنغوش في حق تقرير مصيره وعودة أرضه إليه. وطالب شعب الأنغوش مرارًا بأرضه التي أعطاها ستالين لأوسيتيا الشمالية وذهبت وعود روسيا لهذا الشعب أدراج الرياح فأوقدت روسيا نارًا بين الإخوة وها هي بدأت في الاشتعال لتجعل منها روسيا مبررًا بأن يكون لجيشها تواجدًا دائمًا بالقرب من جمهورية الشيشان «المزعجة». وكم من مرة طلب فيها الرئيس دوداييف قبل تفاقم الأحداث بالوحدة الاندماجية مع الأنغوش الشيء الذي رفضه عملاء روسيا في المنطقة. ورحب دوداييف بانضمام الأنغوشيا إلى روسيا فهو قد تحدث عن الخداع الذي يمارسه الروس ضد شعب القفقاس. هذا وقد فطن له الأنغوش مؤخرًا بعد تفجير قنابل الاستعمار المؤقتة وهي أرض الأنغوش. النزاع الدائر الآن بين الأنغوشيا وأوسيتيا الشمالية أعطى جورجيا فرصة في أن تسترجع أنفاسها وترتب أمورها خاصة وجيش أوسيتيا الشمالية قد انشغل بأمور «الفتنة» مع الأنغوش. بث التلفزيون الروسي في يوم 11/11/92 وفي نشرته المسائية خبرًا مفاده أن القوات الروسية قد دخلت جمهورية إنغوشيا لقمع «النزاع» الذي نشب بين أوسيتيا وإنغوشيا. ويقول مراقبون سياسيون أن بدخول روسيا إلى هذه المنطقة هذا يعني أن شبح الحرب قد ألقى بظلاله على المنطقة لاسيما وأن هذه الأرض قد حرم منها أهلها الأصليون مدة نصف قرن؛ السياسة الروسية غير مرغوب فيها من جانب شعوب القفقاس وفضلًا عن أنها تتجه صوب الغرب وتتحدث دائمًا عن البيت الأوربي المشترك الذي يضيق بشعوب القفقاس المسلمة ويهمل شأنها فإن القيادة في موسكو منذ سنة 1985 لا تلبي التعامل مع المطالب المشروعة للمسلمين فهي لم توافق على عودة المسلمين الذين شردهم ستالين في أثناء الحرب العالمية الثانية عام 1944 إلى أوطانهم ولا يزالون إلى الآن يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية في الجمهوريات «السوفياتية» الأخرى. ومن هؤلاء ثلاثة ملايين تتار من القرم و800 ألف مسخيتي مسلم من جورجيا التي تقود حربًا شعواء ضد الإسلام في المنطقة ورفضت القيادة في موسكو أيضًا الاستجابة لمسلمي أوسيتيا الجنوبية الذين يريدون التوحد مع أصلهم في أوسيتيا الشمالية فقد ألحق ستالين الأولى بروسيا والثانية بجورجيا وذلك بعد أن قام ستالين «الجورجي الأصل» بوضع حدود مصطنعة بين الجمهوريتين المسلمتين لإضعافهما معًا كما رفضت موسكو الاستجابة لطلب مسلمي أبخازيا وهي الجمهورية المتنازع عليها اليوم من جانب جورجيا ويتعرض الأبخازيون لاضطهاد كبير من قبل الجورجيين المسيحيين.

 

وبينما وافقت «القيادة» في موسكو على إعادة أملاك الكنيسة الأرثوذكسية التي صودرت من سبعين عامًا رفض طلب المسلمين بالمعاملة بالمثل.

 

وروسيا تدخلت بجيوشها في منطقة القفقاس لفض النزاع فيها واضعة أمامها ثلاثة أسباب مدروسة مسبقًا وهي:

 

أولًا: انحياز الجيش الروسي لأوسيتيا الشمالية ضد الأنغوش يعطي فرصة لقيادة أوسيتيا الشمالية في أن تنحاز إلى جانب روسيا وهذا ما يستبعد حدوثه من جانب الأنغوش. ثانيًا: أوسيتيا الشمالية تربطها حدود مع روسيا وممكن فرض نظام فيها موال لموسكو على عكس الأنغوش جارة «جمهورية الشيشان». ثالثًا: دخول جيوش روسيا في منطقة الأنغوش وفرض حالة الطوارئ فيها تريد به روسيا أن تقول للجنرال دوداييف أن روسيا بإمكانها الدخول في المنطقة في أي وقت شاءت وربما هذه مناظر لفيلم طويل أعد السيناريو له منذ قديم الزمان!

 

فالقيادات السياسية في موسكو لم تكن تتصور أن يكون في منطقة القفقاس رجال يقودون شعوبه نحو التحرر والانعتاق؛ إن رهان روسيا في منطقة القفقاس ربما يفشل خاصة وأنها تجابه بقوة مدركة وواعية استفادت من تاريخ المنطقة النضالي الطويل الذي قاده أناس وصفت لهم موسكو ألف حساب، وكم حاولت روسيا القضاء على هذه القوة آخر محاولة لها كانت اعتقالها لزعيم اتحاد شعوب القفقاس موسى شنيبوف في عاصمة كبارديا.

 

بلكار «بالتشك» الشيء الذي أثار حفيظة المواطنين وأشعل غضبهم ضد روسيا وسياستها في المنطقة أمام روسيا خياران لا ثالث لهما إما أن تنسحب من منطقة القفقاس وتترك مصالحها فيها وإما أن تبقى وهذا يعني بداية الحرب التي ستدوم طويلًا وتعود بالخسائر الجسيمة بالنسبة للطرفين وتخطئ روسيا إن فكرت في أنها هي القوة الوحيدة التي تملك «الذرة» وتملك السلاح فمنطقة القفقاس تملك أيضًا السلاح الذري والتي ستلوح به في الوقت المناسب.



 


 

القوقاز: الصراعات الجيواستراتيجية وإشكالية الهوية

 


 


الرابط المختصر :