العنوان حفاظًا على مصالحها النفطية وأمن الكيان الصهيوني.. هل تكرر الولايات المتحدة سيناريو العراق في ليبيا؟!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011
مشاهدات 56
نشر في العدد 1943
نشر في الصفحة 14
السبت 12-مارس-2011
- الثوار يرفضون التدخل العسكري الأجنبي ويؤكدون: لا أحد سيسرق ثورتنا.
- «التدخل الأجنبي» خطة واشنطن لإجهاض الثورة، و«القاعدة» فزاعة «القذافي» لطلب دعم الغرب.
- جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا أعلنت معارضتها لأي تدخل دولي ينتقص من سيادة بلادهم.
- خبراء في الشؤون الليبية: يجب دعم الثوار معنويا ومنع أي تدخل خارجي مادي قد يطيل من عمر النظام.
بعد فترة صمت مشبوهة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا على مجازر العقيد «معمر القذافي» ضد شعبه بعدما ثار عليه، بدأت محاولات أمريكية للالتفاف على الثورة الشعبية في ليبيا، مثلما حاولوا مع الثورات العربية في كل من مصر وتونس؛ تستهدف في نهاية المطاف الحفاظ على مصالحها، وهي: ضمان تدفق النفط بسعر رخيص، وحماية الكيان الصهيوني، والحفاظ على تفوقه كفزاعة عسكرية لقمع العرب.
هذه المحاولات فشلت في مصر وتونس حتى الآن؛ لأن الثورة الشعبية فاجأتهم، كما أنها كانت ثورة بلا «رأس» -زعيم- يمكن التفاوض معه، وإنما ثورة كل الشعب، والأهم أن مسؤولين من الأنظمة السابقة لا يزالون يمسكون بزمام السلطة، ولكن التدخل الأمريكي ظهر بوضوح في ليبيا تحديدًا لأنها دولة نفطية.
فالغرب يريد النفط الليبي، ويخشى من صعود قوى إسلامية أو وطنية للسلطة تضع قيودًا على تدفق هذا النفط للغرب أو ترفع سعره، ولا ينسى أن هذا النفط كان الوحيد «ومعه الإيراني» الخارج عن سيطرة «واشنطن» المباشرة، وإدارة شركاتها العابرة للقارات.
ولهذا انتشرت أنباء «مشبوهة» عن اتصالات أمريكية بالثوار في شرق ليبيا، وسربت معلومات عن تواجد عسكري أمريكي وبريطاني وفرنسي في مدن الشرق لتدريب الثوار! فضلًا عن محاولات غربية لسرقة الثورة عبر الحديث عن تدخلات عسكرية غربية في ليبيا؛ بدعاوى «ديمقراطية» و«إنسانية»، وتحت ستار البند السابع للأمم المتحدة المتعلق بإباحة العمل العسكري، من أجل تكريس وجود عسكري أمريكي في هذه المنطقة العربية الحساسة.
سيناريو عسكري
وقد زعمت الولايات المتحدة أنها تتواصل مع ممثلين عن ثوار ليبيا الذين سيطروا على مزيد من المدن، وتوجهوا لتشكيل هيئة تشرف على المرحلة الانتقالية، وقالت وزيرة الخارجية الأمريكية «هيلاري كلينتون»: إن حكومتها «مستعدة لتقديم كل أشكال المساعدة» للمحتجين على نظام «القذافي»، كما هددت أمريكا بعمل عسكري ضد ليبيا، وهناك توقعات بفرض حظر جوي عليها، كما حدث مع العراق قبل احتلاله.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية «بنتاجون» يوم ٢٤ فبراير عن استعدادها الكامل للتدخل العسكري في ليبيا لإعادة الوضع الأمني إلى طبيعته، ووقف حمامات الدم التي تجري في البلاد، بعد تلقيها معلومات عن جرائم إبادة جماعية ترتكب ضد المدنيين الليبيين، ونقلت شبكة CNN عن مسؤول عسكري أمريكي رفيع أن «البنتاجون» تنظر في جميع الخيارات المحتملة.
كما جرى التمهيد للسيناريو الأمريكي بالتدخل والغزو بقرارات من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات ضد نظام «القذافي»، وأحيل الملف الليبي إلى المحكمة الجنائية في «لاهاي»، لإيجاد مبررات قانونية ودولية تبيح التدخل العسكري وتضمن مباركة الأمم المتحدة له!
سرقة الثورة
وكشفت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية يوم الأحد الماضي «٦ مارس»، أن الثوار الليبيين اعتقلوا وحدة مكونة من ثمانية أفراد من القوات البريطانية الخاصة في مدينة «بنغازي» شرقي البلاد، كانت في بعثة دبلوماسية سرية لإجراء اتصالات مع زعماء المعارضة، وأشارت إلى أن المعارضة الليبية تخشى من التدخل العسكري الغربي، وغضبت بشدة من التدخل البريطاني؛ لأن ذلك قد يعطي مبررًا لـ«القذافي» لتخوين المعارضين لحكمه.
وقبل هذا، أعلنت ليبيا اعتقال وحدة عسكرية هولندية دخلت البلاد بصورة غير شرعية في مروحية لإنقاذ ثلاثة من الهولنديين.
وخطورة هذه التحركات الأمريكية والغربية أنها تسعى لسرقة الثورة من شعب ليبيا من جهة، وربما تسند الفضل في انهيار حكم «القذافي» للغرب -كما فعلوا مع صدام حسين- وليس للشعب، والأخطر أنها قد تدفع الليبيين للالتفاف حول «القذافي» الذي قد يستغل هذا التدخل الغربي لإفشال الثورة أو تعزيز مزاعمه عن أن ما يجري ليس ثورة، وإنما تدخلات أجنبية لقلب نظام حكمه!
فبينما يسعى الغرب وأمريكا لإفشال الثورة أو التحكم فيها ضمانًا لمصالحه لا حبًا في الشعوب العربية؛ عبر إشاعة التدخل العسكري ضد ليبيا، والإيحاء لبعض أفراد في المعارضة الليبية بإطلاق تصريحات تطالب الغرب بقصف مناطق «القذافي» كمبرر للتدخل، يسعى «القذافي» بدوره لاستغلال مزاعم «سيطرة تنظيم «القاعدة» على ليبيا؛ ما سيؤدي لعدم تدفق النفط للغرب، كما سيؤدي لموجة هجرة غير شرعية عبر الشواطئ الليبيبة المتسعة لأوروبا»!
صياغة الأوضاع
ويقول خبراء سياسيون وعسكريون: إن الإدارة الأمريكية ربما تسعى إلى إعادة تكرار سيناريو الأحداث في العراق مرة أخرى في ليبيا، وبنفس الأسلوب الذي انتهجته آنذاك، وإنه في الوقت الذي يتميز سلوك الرئيس الليبي فيه بالجنون والعناد، فإن أمريكا تعمل على صياغة الأوضاع في ليبيا وفق الأسلوب الذي تم تنفيذه في العراق إذا ما أصر «القذافي» على عدم التنحي.
ويؤكدون أن توجهات الولايات المتحدة ل«الهيمنة» على ليبيا تنبع من مطامعها في النفط الذي يعد أفضل أنواع النفط الخفيف في العالم، كما أن الهيمنة على ليبيا بعد العراق يضمن لأمريكا والغرب السيطرة الاستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط ككل، ومن ينجح في السيطرة عليها سيكون بإمكانه فرض الهيمنة على جميع أرجاء العالم.
وقد تحركت أطياف من الثوار الليبيين في عدة مدن محررة في الشرق لرفض هذا التدخل العسكري الأمريكي أو الغربي، مؤكدين أنهم كفيلون بإنهاء حكم «القذافي»، ودعوا الغرب -لو أراد المساعدة- إلى أن يقف على الحياد أو يدين مجازر «القذافي»، فيما طالب كتاب ليبيون الغرب بالتشويش على الطائرات الليبية كي لا تضرب المحتجين في المدن المختلفة.
ونفى وزير العدل الليبي المستقيل «مصطفى عبد الجليل»، أحد قادة الحركة الاحتجاجية في ليبيا وجود أي مشاورات مع أي جهة أجنبية بما في ذلك الولايات المتحدة، ردًا على ما ذكرته وزيرة الخارجية الأمريكية عن تواصلها مع المعارضة شرقي البلاد.
ونقلت عنه مواقع إلكترونية ليبية تساند الثورة، ردًا على تصريحات «هيلاري كلينتون» قوله: «لم أسمع بذلك، ونحن لا نقبل أي تدخل عسكري أجنبي، وأي جندي سيلقى نارًا أشد وطأة مما وجدها جنود ومرتزقة القذافي».
وأثنى «عبد الجليل» على شباب الثورة في ليبيا، مؤكدًا أن «لا أحد سيسرق ثورتهم»، وقال: «نحن لن ننسى فضل الثوار والشهداء في تحرير البلاد لاسيما الشباب، فمنهم من سجن ومنهم من قضى نحبه».
كما أعلنت جماعة الإخوان المسلمين
في ليبيا معارضتها لأي تدخل دولي، وقالت في بيان لها: «إن بعض الدول تتحرك لفرض إجراءات دولية لحل هذه الأزمة على طريقتها، تارة بالتهديد بالتدخل العسكري، وتارة أخرى بالخيارات المفتوحة، وإننا نرفض بشدة أي إجراءات من شأنها أن تكون حصارًا للشعب الليبي، أو انتقاصا لسيادته على أرضه، أو تهديدًا لحريته في وطنه».
كما حرص خطباء مساجد «بنغازي» و«الزاوية» و«رأس لانوف» وغيرها من المدن المحررة على التبرؤ من نظام «القذافي»، وتأكيد رفضهم التدخل العسكري من أي دولة عربية أو أجنبية، وقال الشيخ سالم الجابر في خطبة الجمعة: إن «أي دولة ستتدخل عسكريًا؛ سيبعث فينا «عمر المختار» من جديد، ويطيح بالنظام والدول الأجنبية».
فالثوار يتذكرون تجربة العراق جيدًا، ويدركون أن واشنطن وباريس ولندن وروما لا تشغلها الثورة الشعبية أو الحرية والديمقراطية، ويريدون فقط الوصول إلى منابع النفط بنفس السيناريو العراقي، وبعد أن يصلوا ويفرضوا سيطرتهم بذريعة «الديمقراطية وحقوق الإنسان»؛ سيسعون لاستخدام «كرزاي» أو «جلبي» آخر في ليبيا يضمن مصالحهم النفطية!
صادرات النفط
ويؤدي «لوبي» شركات النفط بالولايات المتحدة دورًا مؤثرًا على السياسة الأمريكية؛ حيث يقدر الاحتياطي النفطي الليبي بـ٢.٣٪ من الاحتياطي العالمي واحتياطي الغاز بـ ٤٩ مليار قدم مكعب، وأرباحها ستصل إلى ۲۰۰ مليار دولار، وهو أمر يستحق التدخل والسعي لتحييد الثورة لصالح الغرب.
والمنطقة التي يتواجد فيها موانئ تصدير النفط هي ما يعرف بـ«حوض سرت»، وهي موانئ «الحريقة» و«البريقة» و«الزويدية» و«رأس لانوف» و«السدرة»، أما المناطق الغنية بالنفط، فهي منطقة «بنغازي» و«البيضاء»، وهي المناطق التي شهدت اندلاع الشرارات الأولى للثورة، والتي تشهد معارك ضارية بين الثوار وقوات «القذافي».
وأكثر ما يخشاه الغرب هو حدوث انخفاض في صادرات النفط إلى ما يقرب النصف «ليبيا تنتج ١.٦ مليون برميل يوميًا»، بما يهدد إمدادات النفط والغاز التي تذهب إلى أمريكا وأوروبا، أو ارتفاع أسعاره، الأمر الذي سينسف كل المحاولات المبذولة حاليًا الإخراج الاقتصاد الغربي من حال الركود التي تعيش فيها حاليًا منذ الأزمة المالية العالمية.
الصهاينة يشجعون!
وقد دخل الصهاينة على الخط، وحثوا أمريكا على التدخل العسكري في ليبيا تحقيقًا لمصالحهما معًا، وكتب «غيورا أيلاند» -وهو جنرال احتياط والرئيس الأسبق الشعبة الاستخبارات العسكرية ومجلس الأمن القومي- في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية مقالا تحت عنوان «على الولايات المتحدة و«الناتو» التدخل في ليبيا لتعزيز قوة ردعهما في الشرق الأوسط»، قال فيه: «لا يمكن للولايات المتحدة ودول أوروبا المجازفة بسقوط ليبيا في نهاية المطاف في قبضة عناصر إسلامية متطرفة، وذلك لثلاثة أسباب مهمة هي قرب ليبيا من أوروبا وما تملكه من ثروة نفطية، واحتمال حيازتها ترسانة أسلحة كيماوية».
وأضاف: «إن حلف «الناتو» يمكنه أن يغير الأوضاع في ليبيا رأسًا على عقب في غضون فترة زمنية قصيرة بالسيطرة على الأجواء الليبية بهدف منع «القذافي» من استخدام سلاحه الجوي لمهاجمة المدنيين أو لنقل قواته العسكرية».
وتابع الجنرال الصهيوني قائلًا: إن «قيام الحلف بإرسال قوات تدخل برية لن تكون عملية معقدة، خلافًا لما حدث في السابق إبان التدخل في كل من الصومال وأفغانستان والعراق، لأن هذه القوات لن تعتبر قوات احتلال، وذلك لأن الشعب الليبي نفسه يطلب نجدة كهذه».
وأضاف: «إن هذه الخطوات هي أهم من المساعدة المباشرة في إسقاط نظام «القذافي»، وهي خطوات ضرورية من أجل بناء قوة الردع الأمريكية وحلف «الناتو» في المنطقة، إزاء احتمال تعرض أنظمة أخرى مثل الأردن والبحرين إلى الاهتزاز في المستقبل».
تدخل عسكري عربي
ولهذا، طرح وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير بالجامعة العربية فكرة التدخل العسكري لفرض حظر جوي على ليبيا بدلًا من الغرب، كي لا تتكرر تجربة العراق ولكنهم قالوا: إنه لو حدث هذا فسوف يتم بالتعاون مع الاتحاد الأفريقي!
فسماح دول عربية سابقًا لأمريكا بالتدخل في المنطقة نتج عنه الغزو الأمريكي للعراق في مارس ۲۰۰۳م، ما أدى إلى عدم الاستقرار والفوضى المدنية التي دفع ثمنها ملايين العراقيين، ولكن مشكلة هذا التدخل العسكري العربي لو حدث فقد يؤجج الصراع ويطيله، ولهذا يرى مطلعون على أوضاع ليبيا دعم الثوار معنويًا في ثورتهم، ومنع أي تدخل خارجي مادي قد يطيل من عمر النظام.