العنوان هل تنضم الصين إلى حلف الأطلسي أم تدور في الفلك الأمريكي؟
الكاتب عبدالله الخطيب
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1981
مشاهدات 69
نشر في العدد 545
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 29-سبتمبر-1981
• بداية انفصال الصين عن الشيوعية الروسية كانت عام ١٩٥٩ وبداية الانفصال عن الشيوعية الدولية حدث بعد عشرين عامًا.
• أمريكا استفادت من ضم الصين إلى جانبها في حربها الباردة مع الروس الشيوعيين.
• هل تصبح الصين عضوًاً علنيًا في حلف شمال الأطلسي قريبًا؟
إن المتابع لأحداث الساعة يرى أن الوضع في الصين الشعبية بدأ بالتحول التدريجي وعلى مراحل طويلة؛ لنزع رداء الشيوعية الذي هيمن عليه ماو تسي تونغ الأب الروحي للشيوعية الصينية والانتقال والانفتاح نحو الرأسمالية، وهذا التحول يرجع إلى فترة طويلة تبدأ من سنة ١٩٥٥ حين أنشأ حلف وارسو، وبدأ القلق الأمريكي من جراء ظهور منافس جديد، يمتاز بالعداء الشديد للولايات المتحدة الأمريكية ويتعاون مع الاتحاد السوفيتي بل ويتفق معه بالعقيدة ألا وهي الصين!
واستمر هذا التقرب حتى كان الحدث الأول الذي طربت له أمريكا، حين ألقى نيكيتا خرشوف خطابه أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي سنة ١٩٥٦ وفجر الأزمة مع الصين، حين وجه انتقاداته لستالين وأكد على التحويل الاشتراكي السلمي مخالفًا بذلك حتمية الثورة التي أقرها ماركس ولينين.
فأعلنت الصين سنة ١٩٥٩ - ١٩٦٠ بداية الانفصال عن الشيوعية الروسية، وانفجر الصراع العقائدي بين الدولتين ليتخذ القطيعة سببًا له
- واتهام الصين المباشر لروسيا؛ لأنها انحرفت عن مبادئ لينين وماركس، واتبعت سياسة إمبريالية خاصة.
كل ذلك كان يعهد للكتاب الأحمر والشيوعية الصينية الجديدة وقيادة ماوتسي تونع الذي فجر الثورة الثقافية، حينما أحس بعقدة حب الظهور من ناحية، ومن الناحية الأخرى بروز الصين وسعيها لتكون في صف الدول الكبرى؛ مما عمق انفصاله عن روسيا، وسعيه لنشر مبادئه وانتشار كتابه الأحمر الذي وصل إلى ثوار ظفار، وامتد إلى دول أسيوية كثيرة بل واعتنقه الكثير من ثوار العالم الثالث - واستمرت الصين في شق طريقها، حين فجرت أول قنبلة ذرية لتدخل من باب واسع في صف الدول الكبرى، وتكسب احترام وخوف العالم الذي أخذ يردد كلمة «الويل للعالم إذا خرج المارد الأصفر من القمقم».....
ويعني بذلك تلك العزلة التي فرضها ما وتسي تونغ على الصين، وأخذ يلقن الأطفال حب العداء للعدو الروسي؛ لذلك فالويل للعالم إذا خرج هذا المارد، واستمر تأزم الوضع حتى عام ،١٩٦٦ عندما هاجم جنود من الصين نقطة مراقبة روسية على الحدود قريبة من جزيرة دامانسكي، وأدى إلى مقتل العشرات من الجنود الروس؛ فأدى ذلك بدوره إلى حشد القوات من البلدين على الحدود.
وفي ظل هذه الأوضاع المتربية، سعت أمريكا بكل ثقلها من أجل كسب مودة الصين على المدى القريب وضمها كعامل مساعد في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، حيث أن تحسين الأوضاع الأمريكية الصينية سيؤدي بالتالي إلى كبح جماح الاتحاد السوفيتي الذي كانت المخابرات الأمريكية ترسل تقاريرها عنه محذرة من ازدياد قوة روسيا، الأمر الذي سيؤدي إلى هيمنتها وانتزاع ما تريد بالقوة، كذلك كانت الاتفاقية بين أمريكا والصين أكبر ضربة توجه إلى روسيا.
ولقد كان السياسي الصيني «شوان لاي» عاملًا مساعدًا وفعالًا لتحسين العلاقات مع أمريكا - التي كانت تبحث عن الوسيلة الملائمة المعرفة رأي الصين في تحسين العلاقات - فكان بطل هذه المحاولة الخادم الأمريكي المطيع «ذو الفقار على بوتو» رئيس باكستان السابق البداية، حيث قام بزيارة إلى الصين الشعبية والتقى بـ «شوان لاي» ثم «ماو»، وأبلغهما تحيات الأمريكان، وطلبهما تحسين العلاقة مع الصين ،حيث أبلغوه ترحيبهما بذلك، ولكن بشروط أصر ما وتسي تونغ المتشدد عليها، والتي تتعلق بمشكلة «تايوان» وقضية الدعم الأمريكي لها.
بينما كان شوان لأي «الترمومتر» والساعي بالحكمة من أجل تحديد الطريق للقاء الأمريكي الصيني ولكن على مراحل، حيث أبلغ بوتو أنه يرحب بأية حركة من أمريكا للبداية بتحسين العلاقة - وقد قام بوتو بإبلاغ المسؤولين الأمريكين الذين سارعوا إلى إرسال فريق تنس الطاولة الأمريكي لعلمهم بتقدم الصين بهذه اللعبة الشعبية الأولى ولاشك بأن ذلك سيكون البداية لتغيير وجهة النظر العدائية للأمريكان، وقد كان لهذه الزيارة أثرٌ بالغٌ وترحيبٌ رسمي مهد لزيارة هنري كيسنجر في «١٤ / يوليو ١٩٧١» الذي جعل وجهة النظر الأمريكية تلتقي مع وجهة النظر الصينية مما مهد لزيارة نيكسون الرئيس الأمريكي«سنة ۱۹۷۲»، وكان لابد من أن تبدأ الصين ضرب المعارضين للالتفاف مع أمريكا، فكانت أولها إعلان اكتشاف مؤامرة لقلب نظام الحكم بقيادة «ليان بياو» الذي كان من معارضي الالتقاء مع أمريكا، وقد تم اعتقاله ليكون بذلك كبش الفداء لتحسين العلاقة مع الولايات المتحدة، وتحذيرًا لكل من تسول له نفسه معارضة الالتقاء وتحسين العلاقة.
واستمرت الأوضاع في استقرار مستمر، دعمه زيارة رجال الاقتصاد الأمريكيين لبحث التقارب الاقتصادي بين الدولتين، والسماح للرساميل الأمريكية بحرية التحرك في الصين.
وكانت وفاة «ماو تسي تونع» و «شوان لاي» الحدث الأكبر الذي ساهم بتغلغل الأمريكان إلى قلب النظام الصيني الجديد بقيادة «هوا كوفنغ» الذي بدأ عهده بمتابعة تنفيذ المخطط الأمريكي بتصفية الماوية والكتاب الأحمر في الصين، وكانت المرحلة الثانية حيث بدأ باعتقال أرملة «ماو» ومجموعة من أكبر الموالين «لماو» موجهًا لهم نفس تهمة «لين بياو» بقلب نظام الحكم، كما وجه انتقادات عنيفة إلى ما وتسي تونغ الأمر الذي جعل الشعب الصيني يسير نحو التحلل من الشيوعية وكسر الجدار الحديدي مع العالم الذي فرضه «ماو».
ثم كانت المرحلة الثالثة بالتنفيس عن الحرمان الذي عانى منه الشعب الصيني والكبت؛ مما مهد ولأول مرة لدخول أسطوانات «البيتلز» الإنجليزية إلى الصين، وبيعها علنًا، وتمتع الشباب الصيني بها في الوقت الذي كانت محرمة فيه مثل هذه الأمور في عهد الثروة الثقافية التي حاربت كل علاقة مع الغرب.
ثم كان الحدث الذي تلي ذلك عودة الشعب الصيني إلى تربية الطيور التي صدر في عهد ما وتسي تونغ أمرًا بالقضاء عليها نهائيا؛ نظرًا لأنها تستهلك كمية كبيرة من غذاء الشعب، وإذا بالطيور تملأ الأسواق الصينية من جديد، بجانب سعي الدول الغربية والولايات المتحدة إلى محاولة التنفيس عن الكبت الذي عانى منه أهل الصين، كما يعتقد الغرب عن طريق الانفتاح على هذه الدول الكبرى وإفساد أخلاق شبابها وامتصاص كل آثار الثورة من نفوسهم على المدى القريب بنشر المخدرات من جديد بين الشعب الصيني.
أما على المدى البعيد فقد يشهد المستقبل القريب تحولات أخرى، تنتقل الصين بها من قيادة متشددة إلى أقل منها تشددًا حتى تأتي تلك القيادة التي ستركع أما نفوذ «أمريكا وتتحول الصين إلى ورقة رابحة ضد السوفيات يحتفظ بها الأمريكان لتحريكها أوقات الأزمات لممارسة الضغط على الروس - كما أن ذلك قد يعني أما إتفاقية ثنائية قوية مثل إتفاقية أمريكا مع اليابان، وأما تمهيد المجال لتكون الصين عضوًا فعالًا غير معلن عنه رسميًا مع بقائه سرًا في حلف شمال الأطلسي، حيث لا يستبعد في حالة نشوب حرب عالمية ثالثة أن تتحرك الصين لمساندة أمريكا ضد الاتحاد السوفيتي، وهذا ماستثبته الأيام القادمة مع استمرار معاول الهدم الأمريكية في الكيان الثوري الصيني لإزالة كل إرث لـ«ماو» وثورته الثقافية..