; هل سيكون لنا مطلع واحد لهلال رمضان هذا العام؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل سيكون لنا مطلع واحد لهلال رمضان هذا العام؟

الكاتب أسامة أبو رشيد

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005

مشاهدات 102

نشر في العدد 1671

نشر في الصفحة 52

السبت 01-أكتوبر-2005

■ بعض أبناء الجالية لا يزال يتبع موطنه الأم في صيام رمضان وكأن البلد الذي يقيم فيه ليس موطنه الفعلي!.

■ لا أفهم كيف نفتعل معركة بين الإسلام والعلم وكأن علم الفلك الذي كنا رواده أصلًا مخطط شيطاني لصرف الناس عن رؤية الهلال.

■ منظمة الاتحاد الإسلامي في شمال أمريكا (إسنا) لم تُوَفَّق في توحيد كلمة المسلمين في أمريكا على رؤية الهلال.

من أسف أنني أفتتح مقالًا عن الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، الذي أهلَّت بشائره على الأمة الإسلامية، بهذا التساؤل المتشائم فتجربة السنين الماضية علمتنا ألَّا نتفاءل كلما اقتربت أشهر الخير القمرية هذه التي ما إن يقترب حينها حتى نسارع إلى الخلاف حول مواقيت دخولها، ثم لا تلبث بعد انقضاء الحج وعيد الأضحى أن نعود إلى رتابتنا ولا مبالاتنا.. فلا أحد يختلف قبل رمضان، ولا أحد يثير قرقعة عن دخول الشهر القمري بعد انقضاء ذي الحجة، وكأن هذين الشهرين العظيمين في الإسلام، إنما قد خلقا خصيصًا لتشتيت كلمة الأمة وإخراج مخزون الخلاف والجدل فيهما، لا أنهما قد خُلقا - كما هو واقع الحال - لتجسيد وحدة الأمة ومصيرها وعلائقية ترابطها! 

ولعله من المفيد قبل أن أستطرد أن أشير هنا باختصار شديد إلى بعض المضامين التي تجسد في هذين الشهرين وحدة هذه الأمة ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢)... أمة الجسد الواحد «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (رواه البخاري). ولتتناول رمضان أولًا: فشهر رمضان هو شهر ميلاد هذه الأمة وانبعاثها بالدين الخاتم حيث إن القرآن تنزل في رمضان ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ (البقرة: ١٨٥)، وتحديدًا في ليلة القدر ﴿أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر (القدر: ١) وبنزول القرآن أضحى الإسلام دين الله في الأرض الذي يرتضي ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (آل عمران: ٢٩)... ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ (آل عمران: ٨٥) وترتب على إعادة بعث هذا الدين العظيم، دين كل الأنبياء والمرسلين من قبل، الذي ضل عنه الناس، أن أصبح المسلمون أمة من دون الناس أمة واحدة، ﴿إِنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً (الأنبياء: ٩٢)  فهو بحق إذن شهر ميلاد هذه الأمة. 

أما شهر ذي الحجة المحرم، شهر مناسك الحج، فيكفي أن فيه فريضة الحج، حيث يجتمع ملايين المسلمين، وتشرئب إليها مئات الملايين من قلوب من لم يستطيعوا إليها سبيلًا، كلها تكبر باسم الله وتلهج بثنائه وتسبح بحمده وتجدد البيعة معه، وذلك على قاعدة التوحيد التي لا تعترف بربوبية مادية أو معنوية، نافعة أو ضارة محسوسة أو روحية لغير الله الواحد القهار. إنه الشهر الذي تلبي فيه ملايين الجموع من المسلمين بنداء أبيهم إبراهيم ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ (الحج: ۷۸)، يلبون فيه نداء المتخطي لحاجزي الزمان والمكان ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (الحج: ٢٧)، ومن ثم فلا يعقل أبدًا، ومن غير المقبول قطعًا، أن يصير هذان الشهران العظيمان -الشهران اللذان تتجسد فيهما وحدة هذه الأمة وارتباط مصيرها أكثر من أي شهر آخر سببًا للفُرقة والخلاف وتشتت الكلمة ببساطة لأن هذا يتصادم مباشرة مع طبيعتهما ومضامينهما. 

الآن، فلنعد إلى شهر رمضان المرتقب، والخلاف المتوقع حدوثه لا قدر الله على موعد دخوله، وذلك قياسًا على تجربة السنين الماضية. وأنا هنا لا يعنيني أبدًا الحديث عن توحد العالم الإسلامي في الاتفاق على يوم واحد لدخول شهر رمضان، فللأسف هذا أمل بعيد المنال والسياسة تفعل فيه فعلها، وأنا لن أنسى ما حييت ما شهدته بنفسي عندما كنت طالبًا في إحدى الدول العربية ودخل شهر رمضان في إحدى السنوات فأعلنت تلك الدولة ثبوت دخول رمضان بعد ثلاثة أيام من ثبوته في معظم العالم الإسلامي الغريب أن المدينة التي كنت أسكن فيها مدينة حدودية، وكانت الدولة المجاورة لنا، والتي تبعد عنّا حدودها بضعة كيلومترات على عكس عاصمة البلد التي أقيم فيها، والتي كانت تبعد مئات الأميال، قد أعلنت الصيام قبل البلد التي أقيم فيها بثلاثة أيام، أما الأغرب من ذلك فإني رأيت الهلال بعيني وقد كبر وبقي في السماء لفترة من الوقت بعد إعلان الدولة التي أدرس فيها دخول شهر رمضان، ولو صح ميقاتها لما لبث الهلال دقائق وربما ثواني، ولما كان رآه إلا ذو حظ عظيم ولكني حزت شرف رؤيته ربما لأكون شاهدًا على فعل السياسة وتلاعبها حتى في فروض الله! 

إذن، وحدة العالم الإسلامي في هذه المسألة، قضية ينبغي نفض اليد منها في الوقت الحاضر، كما أننا نفضنا أيدينا منها في أمور كثيرة، وذلك حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ولكن ماذا عنَّا نحن مُسلمي أمريكا؟ أسنعود إلى اجترار تجاربنا السابقة وخلافنا على موعد دخول شهر رمضان.

المثير للألم أن هذا الخلاف لا ينحصر في اختلاف المدن والولايات ولا حتى داخل المسجد الواحد، بل إنه يتعدى ذلك ليكون حتى داخل الأسرة الواحدة أيعقل هذا؟! أو يقبل الله عز وجل ذلك منَّا؟ نحن نتصور أننا نعيش في قمقم نتعزل بين جدرانه عمن حولنا، ولكن الواقع غير ذلك إن خلافنا في تحديد مواقيت دخول الأشهر القمرية تترتب عليه مسائل كثيرة سواء فيما يتعلق بوظائفنا أم بمدارس الأولاد، أو حتى في استئجار القاعات وتحديد أيام العطل الدينية الخاصة بنا، وهذا كله يجعلنا في موقف لا تحمد عليه في هذا المجتمع الذي يعاني من مشكلة كبيرة في فهم الإسلام والمسلمين، أو على الأقل يعاني من مشكلة مستعصية في مسلميه في توصيل حقيقة دينهم إليه. 

الإسلام والمسلمون يتعرضون لحملة تشويه واسعة من قبل دعاة الكراهية في هذا البلد، ورغم أنهم قلة، إلا أن أصواتهم عالية. ولا أعرف ما الرسالة التي نوصلها لهم في خلافنا على تحديد دخول شهر رمضان الذي نتغنى به ونباهِي به أمامهم بأنه أقدس شهر لدى هذه الأمة، وتجلس مؤسساتنا تنتظر صدور التهنئة من البيت الأبيض للمسلمين هنا بمناسبة دخوله، وذلك كي تقوم بنشره في بيانات صحفية خاصة، وكأنه كان موجهًا للمسلمين الأمريكيين من خلالها هي. 

دعونا تعترف بالحقيقة مهما كانت مُرة. وذلك إذا أردنا فعلًا أن نخرج من عنق الزجاجة. إن منظمة الاتحاد الإسلامي في شمال أمريكا (إسنا)، هي من أنيط بها أصلًا، أو على الأقل بتوافق الغالبية، تحديد مطالع الشهور القمرية. ولكن للأسف فقد فشلت هذه المنظمة في توحيد كلمة المسلمين الأمريكيين، وثمة أبعاد لذلك أهمها كثرة المرجعيات الشرعية في هذا البلد. وأصبح لكل مذهب بل ولكل تيار مرجعيته التي يسعى لفرضها على الآخرين، فما أن يعلن عن تشكل اتحاد للأئمة، أو مجلس للفقه، حتى يتبعه الإعلان عن آخر، كيف لا والتجمع الأول يتبع التيار أو المدرسة الفلانية.

جانب ثالث للمشكلة، هو أن بعض أبناء الجالية لا يزال يتبع موطنه الأم في صيام رمضان، وكأن هذا البلد الذي يقيم فيه ليس موطنه فعليًّا وهذا كله يعني أننا إلى الآن - للأسف - لم نصل إلى مستوى تعريفنا كجالية حيث إننا في الحقيقة جاليات بجمعها دين مشترك، وتفرقها السنة ومذاهب وانتماءات وقناعات شتى شخصيًّا أنا مقتنع أن علم الفلك والحساب وصل مستوى من الدقة إلى درجة أنه يمكننا أن نستغني حتى عن شرط الرؤية الذي يبدو أنه شرط ارتبط بانعدام الوسائل الأخرى زمن رسول الله r طبعًا هذا رأي لم أجتهده أنا فلست أنا بصاحب العلم، بقدر ما أنا ناقل له وأنا إلى الآن مازلت لا أفهم كيف تفتعل معركة ما بين الإسلام والعلم، وكأن علم الفلك الذي كنَّا رواده أصلًا مخطط شيطاني لصرف الناس عن رؤية الهلال. 

ولمن لا يعرف فإن العلم قد وصل من الدقة والتطور أنه قادر على تحديد مواعيد الأشهر القمرية بدقة متناهية لعشرات السنين القادمة أو حتى لمئاتها كما هو عليه الحال في الأشهر الميلادية، وهو ما من شأنه أن يسهل على هذه الأمة كثيرًا من الأمور، ويصبح كل واحد فينا قادرًا على تحديد دخول الأشهر القمرية بالنظر إلى الروزنامة، ومعرفة اليوم بالتحديد الذي سيدخل فيه رمضان أو ستكون فيه وقفة عرفة او دخول العيدين حتى ولو كان الأمر يتعلق بعشر سنوات من الآن أو أكثر.

على أي حال، أنا لا يعنيني هنا أن أنتصر لرؤية فقهية على أخرى فهي قضية تحتمل الخلاف وأصحاب شرط الرؤية لديهم وجهة نظرهم وأدلتهم، وأصحاب شرط الرؤية مع تأكيد. العلم والحساب لها، أيضًا لهم رأيهم وأدلتهم.... ولكن ما يعنيني هنا هو أن تتوافق نحن مسلمي أمريكا على مطلع واحد لنا، مادام أنه معتبر فقهيًّا، فليست القضية هنا انتصار لآراء بقدر ما هي متعلقة بسمعة الإسلام ووحدة الأمة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: ١٨٥)، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، ولست أدري أمن عجب أن تأتي هاتان الأيتان في سياق الحديث عن موضوع المقال هذا وما نفترق عليه افتعالًا، حيث جاءت الأولى في سياق الحديث عن رمضان، في حين جاءت الثانية في سياق الحديث عن الحج. وإن كان لي من اقتراح فهو أن تتكون لجنة من عدد من مؤسساتنا الإسلامية وهيئة ممثلة عن كل المجالس والمجامع الفقهية الموجودة على الساحة، وأئمة ممثلين عن كل ولاية.

الرابط المختصر :