; هل صحيح أن الدول العربية لا تريد دولة فلسطينية حقيقية | مجلة المجتمع

العنوان هل صحيح أن الدول العربية لا تريد دولة فلسطينية حقيقية

الكاتب عبدالله ابو الهدى

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990

مشاهدات 63

نشر في العدد 959

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 20-مارس-1990

● المرد للحالة الانشطارية في الواقع الحالي لعبة سياسية قذرة.
● الروس والأمريكان ذراع متوارية للقمع بغية الإتيان على العنق الإسلامية.

هناك دعاة صادقون مخلصون يعيشون على ثرى عالمنا الإسلامي الواسع الأرجاء، يبتغون هداية الأمة إلى دروب السماحة والنور، دونما كلل أو ملل، يبذلون الغالي والنفيس، وأظن هؤلاء يدخلون في نطاق الآية الكريمة: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب:23).

● رأي للندوي:

من هؤلاء الدعاة الذين نحبهم في الله أستاذنا الفاضل الشيخ أبو الحسن الندوي -حفظه الله- هذا الشيخ المتواضع تحدث في جزء من كتابه الذي أصدره حديثًا تحت عنوان "المسلمون اتجاه الحضارة الغربية"، تحدث عن عملاء يعيشون بيننا ويجعلون لُبَّ كفاحهم فصل الدين عن الدولة، ويصابون بالفالج عندما يسمعون بأن الدستور سينص على أن دين الدولة هو الإسلام. ولما كان كلام الشيخ يأتي في سياق تسجيله بعض النقاط الأساسية التي قامت عليها دولة إسرائيل التوراتية، والتي ما زالت تؤازرها جهارًا نهارًا إمبراطورية أمريكا الإنجيلية، فقد طرق أستاذنا زمام الحقيقة وتحدث بجرأة وشجاعة عن سبب تذوب عنده الأسباب من مجموع صور العجز، وجسَّد عمق الجروح النازفة من جسد الأمة. ونحن هنا لا نريد سوى رسم خطوط مساعدة تعيننا على الفهم الواقعي لقضية اليوم في سبيل عودة وعينا الحضاري وشخصيتنا المُنقِذة التي رفع شأنها شامخًا إسلامنا العظيم فجعلنا في ظلالها خير أمة.

إن العالم كله الآن يتحدث عن ثورة فلسطين "المسلمة"، ولقد أبصرتُ كثيرًا من أحوال أمتنا منذ ما قبل الانتفاضة وحتى الآن. بعد ذلك نظرتُ بعين الشك والريبة إلى فصل جديد من فصول المؤامرة البشعة للقضاء نهائيًّا على مستقبل الإسلام في فلسطين. يحدث هذا وسط فرحة الأعداء وشماتة الحلفاء وتخاذل الأشقاء؟

إن مدن فلسطين تشتعل، وتخرج المظاهرات هادرة من ساحات الأقصى، ويسقط جرحى وشهداء وتُنتهك حرمات وتُهدم منازل، والحق المقدسي ينتحب، ونحن كلنا حول فلسطين سهر وسمر ونوم وقوت، فيا لأمة ضحكت من جهلها الأمم. لقد راودتني آمال طفولية في أن يتجه الإعلام العربي اتجاهًا صحيحًا لفرض الضرورة، كأن يتحدث عن سفينة العودة، وعن الاتجاهات الأصولية، وعن تصريحات ديفيد ميلر الإنسانية، بالمناسبة لم تعترف بريطانيا بتصريحاته. كل ذلك وبقيت المؤامرة تسير في خطها المرسوم. ففي واشنطن العاصمة الأمريكية كان قد حدث لقاء كشف الكثير والكثير وذلك بعد زيارة شامير المشؤومة، فقد استقبل وزير الخارجية الأسبق جورج شولتز كلًّا من إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد عضوي المجلس الوطني الفلسطيني، والأول عضو سابق في مجلس الشيوخ الأمريكي، وذلك بتاريخ السبت 25/آذار مارس/1988م. لقد تحدث وزير الخارجية الأمريكي في هذا اللقاء "نقلًا عن قيادي فلسطيني التقت معه راديو مونت كارلو مساء الجمعة 1/نيسان أبريل/1988م"، تحدث عن المشروع الأمريكي لإعادة السلام إلى منطقة الشرق الأوسط. وعندما جرت مطالبة الوزير الأمريكي بدولة فلسطينية قال: "إن الدول العربية التي زرتها -وهي المعنية بالمشكلة- لا تريد إنشاء دولة فلسطينية حقيقية". وعندما أطلعه عضوا المجلس الفلسطيني -وهما أستاذان جامعيان- على بعض التصريحات العربية المعلنة، قال الوزير الأمريكي بالحرف: "هذه فقط للاستهلاك المحلي". هذا قبيل إعلان الدولة في 20 نوفمبر الماضي. وسكت الإعلام العربي ونحن لا نطمع منه أن يتحدث، ونحن أيضًا لا نريد أن نحدد أسماء ولا أن نكشف أوراقًا، ولكن نريد أن نهاجم اتجاهًا لا نخرج من خلاله على أدب الإسلام في تقرير حال أو تحرير مقال؛ لأن الجرثومة التي فصلت ما بين البرامج الإسلامية والواقع وخلقت تلك الحالة الانشطارية مردُّها إلى الفيصل بين منهج أخلاقي عفيف وبين لعبة سياسية قذرة، والأخلاق بذاتها -يقول نابليون- عدوة السياسة. ولكن هل نترك بلادنا وتراثنا ومستقبلنا ونهاجر إلى كندا؟

● ضغائن الدول الكبرى

إن مُوجِّهي القرار في أمريكا وأوروبا وغيرهما يحملون ما يحملون من ضغائن متوارثة ضد هذا الدين، وهم يريدون تحت شعار المؤتمر الدولي أن يُنفِّذوا فصلًا سمجًا متشابك الخيوط، وأن يعملوا على تمكين يهود بشرعية دولية جبانة ومزورة، ويعرف المواطن العربي أن لهؤلاء ذراعًا طويلة وأذرعًا أخرى متوارية تستطيع أن تقمع أي عقل إسلامي بغية الإتيان على العنق الإسلامية، وتستطيع أيضًا أن تلاحق الجماعات الفلسطينية من بيروت إلى البقاع إلى طرابلس إلى دمشق حتى تشريدها في كل صقع وبقع. إن هناك أسماء ستظل أعلامًا خافقة في سماء الأمة، وليس آخر هؤلاء ولا أولهم الشهيد السعيد سيد قطب -رحمه الله-. لقد كان سيد صاحب منهاج وتصور، وهذا ما يفتقده كثير من دعاة الإسلام، ولذلك قتلوه، فعندما أرسل رسالته من داخل السجن إلى قيادة الإخوان المسلمين في سورية أواخر عام 1965، وهي التي يقول فيها: "أرجو أن تكونوا وسطاء للتفاوض بيننا وبين جمال عبد الناصر، ونحن على استعداد لأن نعطي عهدًا بأن لا نتصدى له وأن لا نقاومه بشيء، وكل ما نُسِب إلينا في هذا الشأن باطل وملفق، ونطلب من عبد الناصر مقابل ذلك شيئًا واحدًا وهو أن يُخلي سبيلنا وأن لا يُعوق أعمالنا في تتبع النشاط الشيوعي في اختطاف أبناء وشباب البلد ومركستهم، وكل ما عدا ذلك فليس لنا وقت له؛ لأننا عندما ننتهي من مهمتنا يكون هو قد انتهى بطبيعة الحال، ويكون الذين يعمل لهم قد صعدوا على كتفه ورفسوه بأرجلهم وانتهوا منه، ونحن على ثقة بأنه سينتهي تلقائيًّا، ونحن لا نريد أن يُحال بيننا وبين العمل على إنقاذ شباب هذه الأمة من الشيوعية". وهذا الكلام أتى في سياق شهادة الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري التي أدلى بها لمجلة "المجتمع" في العدد 858 - 15/3/1988م). ولقد كان سيد يتحدث بفراسة المؤمن.

● حلقات للمؤامرة:

... هذه حلقات من حلقات المؤامرة، ولعل نظرة متأنية لتاريخ الصراع الإسلامي اليهودي الحديث تنقلنا خطوات أسرع لرسم صورة أقرب إلى الحقيقة، وشرح كُنه هذا التخاذل العربي والإسلامي. كل ذلك على سبيل توضيح حدث متعلق بشريحة واحدة فقط توافرت البراهين والأدلة على إدانتها.

في عام 1948م دخلت الجيوش العربية فلسطين، ويومها كانت كتائب الحركة الإسلامية تدك أوكار العدو ببطولة وفدائية منقطعة النظير، واستطاعت هذه الكتائب الخضراء تحرير مناطق شاسعة من فلسطين. ثم جاء دخول هذه الجيوش بالأخص الجيش المصري وبالًا على طموح فلسطين، ويجب أن لا ننسى أنه دخل بأسلحة فاسدة. بعد أن فشلت الهدنة الأولى تحركت الدوائر العالمية في سبيل إبرام هدنة ثانية، فتم لهم ما أرادوه عن طريق الملك فاروق. وعندما انعقد آنذاك مؤتمر لوزراء الخارجية العرب في مصيف عالية- لبنان- طرح النقراشي عرضًا أمريكيًّا بطلب الهدنة مقابل وعود معسولة، وعندما أعرب الوزراء عن شكوكهم في هذه الوعود، فوجئ المؤتمر بإنذار حاسم يُقدمه النقراشي وملخصه أن على العرب أن يقبلوا بالهدنة أو انسحاب المملكة المصرية من صفهم، وهكذا استطاع قتلة البنا فرض استسلامهم.

● السفير الأمريكي وضباط عبد الناصر:

وتحركت الدوائر العالمية مرة ثانية وهذه المرة أمريكا بالذات التي تسلمت الراية من بريطانيا العظمى، فعملت على تقويض حكم فاروق بعد كل هذه الفضائح وأسهمت مساهمة فعالة في تجنيد الشاب المستهتر جمال عبد الناصر -الخطيب المُفوه- داخل صفوف السي آي إيه. وحدثت بعدها ثورة 22 يوليو 1952، وُضعت صورة نجيب كمرحلة انتقالية وكصورة طيبة لحقيقة خبيثة. ويتحدث أنور السادات في الصفحة 95 من كتابه "يا ولدي هذا عمك جمال" طبع الدار القومية برقم 312 بتاريخ 11/8/1965م، يتحدث عن علاقات حميمة جدًّا وسهرات مشتركة وعزائم متبادلة بين بعض الضباط الأحرار وبين السفير الأمريكي المستر جيفرسون كافري، وكذلك يؤكد صاحب كتاب "الدبلوماسية والميكيافيلية في العلاقات بين العرب وأمريكا"، وهو في معرض تعليقه على كتاب "لعبة الأمم"، أن جمال عبد الناصر أخطر رجل في العرب. وهكذا عمل جمال عبد الناصر على استئصال جذور الحركة الإسلامية فقتل وسجن ونفى وغيَّب في أقبية المعتقلات خيرة شباب البلد سنين طوالًا وبعد ذلك قاد الأمة إلى الفشل والإحباط. وجاء بعده السادات الذي اختار طريق العلن مغرورًا بنصر أحرزه الجيش المصري المسلم وهو نصر لم يكتمل "حرب 1973م"، وهكذا بعض النماذج التي ربما تقل أو تكثر تبعًا لحسابات نحن لا نطلع عليها.

● العمالة والعملاء:

أعود لأقول إن إطلاق التهم جُزافًا يجر إلى أحكام غير عادلة أساسًا، وهذا لا ينفعنا في محاولاتنا المتواضعة لتشخيص أمراضنا أملًا في الوصول إلى بر الأمان. وأمامنا أشكال مختلفة جسَّد بعضها الملك فيصل بن عبد العزيز -رحمه الله-، لذلك كان من الموضوعية أن نحدد مقصودنا بكلمة العمالة أو العملاء، فنحن نريد معنى مجازيًّا لا اصطلاحيًّا. فليس كل جاهل عميل، وليس كل اشتراكي في الجامعة يقبض من السفارة السوفيتية، وهذا ما أعتقده من خلال وصف فضيلة الشيخ الندوي -أمد الله في عمره-. إنما هؤلاء العملاء في أي ثغر كانوا يقفون ضد ركائز الرشد التي نحاول زرعها على طريق التحرير، وليكن مفهومًا أن كل من يقف ضد الإسلام بجوهره الأصيل إنما يقف مع الجهل والرجعية والتخلف، وكل من يُعادي دعاته ظلمًا إنما يريد من الأمة أن تنتحر!!؟ إن كفة الصراع بين الأصالة والعمالة ستكون عاقبتها حتمًا لأتباع محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأن الإسلام العظيم الذي نسعى لإدخاله معركة المصير مع أهل الكتاب وسماسرتهم هو الرسالة الفريدة والوحيدة التي تستحق بذل الروح والدم في سبيل عودتها ثانية غياثًا من أحكم الحاكمين. وعلى الرغم من سباق الزمن الذي يمارسه جنود الشيطان في معاركهم الوهمية والحقيقية، فإنه يكفي أن نرفع رأسنا عاليًا وننطق بالبِشر والأمل ونحن نرى إرادة التحدي التي صرح بها طفل يحمل حجرًا تطلق صرخة تصل إلى أعماق كل حر في كل مكان ويكفي أن نرى تقهقرًا لجيش شرير وجبان.

إذا الشعب يومًا أراد الحياة ** فلا بد أن يستجيب القدر

إننا نستطيع القول بأن تحديد حجم هؤلاء العملاء الذين يقفون ضد هذا الدين والذين يعملون على تكريس الاحتلال الغادر بشكل مباشر وغير مباشر وهم يسيرون في الخط المعادي لإرادة الشعوب، أنه لن يتم أو لا يتم إلا وفق خطة شاملة تستهدف التثقيف الفكري والتربوي طويل الأجل لتبصير أفراد الأمة بماهية الصراع، هذا الصراع الذي يعكس واقعًا مرًّا تحياه الأمة ومرحلة مفترضة على طريق إحياء الجامعة الإسلامية، وهذا الذي نعيشه لم يسبق أن مرت به الأمة لا زمن التتار ولا زمن الصليبيين. واليوم ليس هناك من قادر في المسير باتجاه الصح إلا هذه الصحوة الإسلامية التي ما نزال بحاجة إلى ترشيد وترشيد وهي تريد رشد الأمة.

ولن يكون هناك سلام بين مسلم يشهد أن محمدًا رسول الله وبين يهودي علج أنانا من كل فج عميق، ولن تكون هناك حلول يؤيدها فلان وفلان؛ لأن تلك الحلول تريد القفز على إرادة الله وعلى قدر الله، والإسلاميون في كل أرض هم قدر الله وقدر الله غالب.

الرابط المختصر :