العنوان هل من جديد في السياسة الأمريكية بعد كارتر؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980
مشاهدات 103
نشر في العدد 504
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 11-نوفمبر-1980
عندما قال الشعب لكارتر «لا»، سقط سيد البيت الأبيض دون أن تنبس شفتاه بأية كلمة! ثم تقدم على رسله مهنئًا خلفه ومنافسه الجمهوري «ريغان» الذي سيحتل مكانه في البيت الأبيض!!
وهنا يطرح سؤال نفسه:
إن هذه الطريقة في اختيار الرؤساء في أمريكا طريقة تقنع الشعب الأمريكي وتشبع رغبته وتحقق له ذاته، فلماذا لا تتم هذه لطريقة في بلا العالم الآخر الذي يطلق عليها تجاوزًا العالم الثالث؟ ترى هل يتنحى القذافي مثلًا لو قال له الشعب «لا»؟ وهل يتخلى حافظ أسد عن كرسي الحكم وشعب سوريا يقول له منذ سنوات «ألف لا» وللإجابة نقول: إن من فرضه انقلاب عسكري لا ينحيه إلا انقلاب عسكري مماثل!! اللهم إلا إذا قبض الله روحه، أو أصابته رصاصة شعبية غير طائشة لتصيب منه مقتلًا،
هل من جديد في السياسة الأمريكية بعد كارتر؟
- من هو الأفضل لشعوب العالم الثالث، كارتر أم ريغان؟
- هل تختلف أهداف الحزب الجمهوري عن أهداف الحزب الديمقراطي فيما يخص العالم الإسلامي؟
بين كارتر وريغان:
من هو الأفضل للعرب والمسلمين وشعوب العالم الثالث؟ هذا هو السؤال الذي تلوكه الألسن بكل سذاجة!!
وإذا كان كارتر هو الذي وصل عبر أربع سنوات إلى فرض إسرائيل كواقع شرعي على الأنظمة العربية، فإن أسلافه الجمهوريين الذين سيسير «ريغان على خطهم» لم يكونوا أفضل من كارتر بالنسبة لقضايا العالم الضعيف أبدًا، ونحن نعتقد أنه ليس ثمة فرق بين كارتر وريغان، وإذا كان مقياس المفاضلة بين الرجلين يكون من زاوية النظر التي ننظر منها، هي الزاوية التي توضح تأثير مصالح العالم الإسلامي بهذا أو ذاك، فإننا لا بد أن نخرج بنتيجة تذكرنا بالمثل القديم «شهاب الدين، من أخيه» والأصل مأخوذ من بيت من الشعر العربي:
كلا الأخوين، ولكن شهاب الدين، من أخيه؟!!
إن ريغان ليس بأفضل من كارتر، إن لم يكن أسوأ منه بالنسبة لما يبيته للعالم الإسلامي، فنحن جميعًا - وأنظمة عالما هذا - لسنا جميعًا أكثر من أحجار شطرنج، فلقد لُدغنا من أسلافهما كثيرًا، وسوف نُلدغ من اللاحقين أيضًا، إذا ظلت أنظمتنا بعيدة عن ملاك زمام الأمر والأخذ بالمبادرة التي تقول لأمريكا والقوى الدولية الأخرى «لا».
أهداف واحدة للحزبين:
الحزب الديمقراطي، والحزب الجمهوري ومن يرشح منهما في أمريكا يحملان إستراتيجية هي محصلة للقوى الأساسية الفاعلة والمترسخة في البنيان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للولايات المتحدة، هذا ما ذهب إليه واحد من أساتذة العلوم السياسية العرب، وهو مذهب صحيح، ذلك أن تغير الرئيس الأمريكي كل أربع سنوات لا يعني تغييرًا في إستراتيجية الولايات المتحدة بالضرورة، ولا يعني ذلك تغيرًا دراميًا كما لو تغير نظام السنوسي ليحل محله القذاف،ي أو انقشعت غمامة صلاح جديد ليحل محل الأسد في سورية، لا، فالأمر في الولايات المتحدة جد مختلف .
ولعل المراقب السياسي لأهداف الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، لا بد وأن يلاحظ أن البرامج الساعية لتنفيذها تسير منذ أكثر من ربع قرن باتجاه التلاقي، بحيث لم تعد ثمة فوارق نوعية حقيقية بين الحزبين، وإذا كانت هذه الفوارق تبرز بوضوح أكثر بفعل التنافس الانتخابي خلال الحملة الانتخابية، فإنها سرعان ما تستقر على وضعها السابق المتلاقي وغير المتنافر الذي كان سائدًا قبل الانتخابات.
ولكن أين تقع أهداف البرنامج الأمريكي الجدية بالنسبة لعالمنا الإسلامي (فلسطين- أفغانستان- الخليج والنفط- الحرب العراقية الإيرانية- الثورة الإسلامية في سورية، إلخ)؟
على ضوء ما تقدم يمكن أن يسير الحزب الجمهوري ومعه سيد البيت الأبيض الجديد في سياسة موازية للخط الذي كان يسير عليه كارتر، دون أن يكون هناك أي اعوجاج في السياسة الأمريكية الجديدة عن استقامة الخط الكارتري الديمقراطي السابق، اللهم إلا إذا كانت بعض التفريعات الجزئية قد تخرج عن المنظور السابق، هذا في الأحوال الطبيعية، وهنا نذكر أن كارتر لم يحد عن طريق سلفه بالنسبة للطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة مع عالمنا الإسلامي، وإنما ازداد عمقًا في الطريق نفسه، فحقق صلحًا جزئيًا بين العرب وإسرائيل، وذلك إكمالًا للمشوار الذي بدأه وزير خارجية الجمهوريين «كيسنجر» في عهد الرئيس الأسبق فورد.
لكن؛ قد تظهر بعض العوامل الحاسمة التي قد تؤدي إلى تغيير في الخط النوعي للاستراتيجية الأمريكية بالنسبة للعالم الإسلامي، وذلك متعلق بإرادة شعوب المنطقة وحكامها!! فلو قالت الأنظمة العربية لأمريكا: لا لمصالحك، فإن سيد البيت الأبيض الجديد لا بد وأن يقف ليبحث ماذا سيكون الجواب، وكيف ستكون الاستراتيجية الجديدة، وهذا يعني أن الأمريكان (جمهوريين وديمقراطيين) لن يغيروا من إستراتيجيتهم نحونا، إلا إذا شعروا بأن مصالحهم سوف تتأثر لسبب من الأسباب، وبعبارة أخرى إذا لم تشعر القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الولايات المتحدة بتهديد مصالحها، فلن يحدث تغيير يذكر في سياستها، بغض النظر عما إذا كان اسم الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض كارتر أو ريغان.
الرهان العربي:
بعض العرب، وهم من رجال الأنظمة كانوا يراهنون على فوز كارتر في الانتخابات الأمريكية، إلا أن رهانهم قد عصف به الواقع، ولا شك فإن من يسيء التقديرات الخاصة ببلده، ضمن باب أولى ألا يعرف كيف تسير الأمور في بلاد العالم الآخر.
لكن، على الرغم من أن التحذيرات قد بدأت تصدر من أمريكا للعرب فإن بعض العرب بدأوا يرددون نغمة تظهر (ريغان) بالقوة، حتى إن أحدهم كتب مقالًا بعد فوز ريغان عنوانه (ريغان يستطيع أن يقول (لا) لإسرائيل!! فما رأي القارئ الكريم بهذا؟ وماذا يأمل هؤلاء العرب من ريغان؟ وهل هناك من يعتقد -وهو جاد بما يعتقد- أن ريغان سوف يسحق إسرائيل ويرمي باليهود في البحر كما كان يقول عبد الناصر؟؟
لا... إن ريغان سوف ينفذ السياسة الأمريكية الثابتة في المنطقة، وهي سياسة ترمي -كما دلت تصرفات الأمريكان بعد كنيدي المقتول- على الرغبة في شرذمة ديار المسلمين ومجتمعاتهم على طريقة شرذمة المجتمع اللبناني. وقد نوه أحد أساتذة الاجتماع في جامعة الكويت إلى هذه الرغبة الأمريكية الثابتة، والتي سوف تجعل من الحرائق في المنطقة ظاهرة أساسية تشمل كثيرًا من مواقع العالم الإسلامي. أما المخرج الذي تأمل به الشعوب فهو لن يكون إلا بالتحام الحكام مع الشعوب، وهل هناك غير الإسلام شريعة وعقيدة من رابط يمنع رياح الأعداء وعواصفهم من المساس بالمنطقة؟
نعم، إن الإسلام- والإسلام وحده- هو القادر على حماية أمتنا من نزوة كارتر ورغبة (ريغان) وحاجات الشعب الأمريكي ومصالح بيوته المالية الاحتكارية، كما أننا بالإسلام- وبالإسلام وحده- نحمي أنفسنا من الجنون الشيوعي الذي يقتحم بلاد المسلمين عبر المعاهدات التي وقعها مع حكومات أفغانستان وسورية وعدن. نعم، إن الإسلام وحده هو الذي يحمينا، عن طريق وحدة الشعب، ووحدة الأنظمة، ووحدة الأهداف، ووحدة التصور، ووحدة المعركة، وبغير الإسلام سيظل ريغان يلعب بأنظمتنا ومقدراتنا كما فعل كارتر وأسلافه من قبل!!
ريغان والخليج:
لقد تعهد ريغان بألا تترك الولايات الحبل على الغارب للاتحاد السوفيتي في منطقة الخليج، وقد صرح أنه مستعد للتصدي فيما إذا مس الروس بالمصالح النفطية الأمريكية، وهذا لا يختلف أبدًا عن التصاريح والمقولات التي كان يردها كارتر من قبل، وإذا كان (ريغان) يقول:
إن الولايات المتحدة يجب أن تعزز من قدرتها على استعراض عضلاتها العسكرية في المناطق الحيوية فإن كارتر وفورد، ونيكسون، وجونسون، مارسوا هذه السياسة من قبل. وإلا فما معنى شحن الخليج بالعسكرية الأمريكية في آخر عام من أعوام الحكم الديمقراطي في أيام كارتر؟
• إن ريغان مرتبط بالمصالح الأمريكية!!
• والمصالح الأمريكية مرتبطة بالطاقة والنفط!!
• والطاقة والنفط مرتبطان في المنظور العالمي بالخليج والعرب!!
• وعلى العرب إذًا -في منظور ريغان- أن يظلوا مرتبطين بأمريكا!! وعلى أمريكا أن تظل صاحبة النفوذ في المنطقة!!
أما نحن، أما الشعوب المغلوبة، فإنها تقف أمام أحداث العالم بعين، وإلى حكامها وأنظمتها بالعين الأخرى، وهي تدعو الله قائلة:
«اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا» والحول والقوة لله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل