العنوان هل نسي العالم القضية الفلسطينية.. في خضم الحملة على العراق؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1540
نشر في الصفحة 9
السبت 01-مارس-2003
وسط انشغال العالم بالحملة الأمريكية على العراق يشدد العدو الصهيوني من حملته العسكرية الإجرامية الشرسة ضد الشعب الفلسطيني، مستبيحًا دياره وأطفاله ونساءه، ويشيع القتل والدمار والرعب في المدن والقرى الفلسطينية.
فلا يمر يوم واحد دون أن نشاهد مذبحة جديدة في خضم الاجتياحات الواسعة المخطط لها سلفًا للإجهاز على مقومات الحياة لدى أهلنا في فلسطين. ففي خلال الأيام المعدودة الماضية شنت القوات الصهيونية أعنف اجتياح لبلدة بيت حانون نفذته أربعون دبابة وطائرات الأباتشي، وذلك في سابع اجتياح خلال أسابيع للبلدة التي تعد نقطة انطلاق صواريخ القسام. وقد تزامن ذلك مع اجتياح مماثل لمدينة نابلس التاريخية التي تعرضت أكثر من مرة لعمليات تدمير مبرمجة أتت على مبانيها، وقد خلفت هذه الاجتياحات عشرات الشهداء والجرحى صحبها تمثيل بالجثث وتشريد للأسر.
وفي الوقت الذي يعيش فيه الشعب الفلسطيني تحت حصار إجرامي شامل منذ أكثر من عامين يعاني فيه كل الويلات يعيش أكثر من ستة آلاف أسير داخل المعتقلات الصهيونية مأساة إنسانية تهدد حياتهم بالموت قهرًا ومرضًا وإهمالًا وحرمانًا من مقومات الحياة والعلاج.
وقد ذكرت مؤسسة «مانديلا» لرعاية شؤون المعتقلين في أحدث تقرير لها أن هناك ٤٠٠ معتقل من أصل ستة آلاف يعانون من أمراض خطيرة بما فيها السرطان وإصابات بالرصاص وهم بحاجة ماسة للعلاج، غير أن سلطات السجن ترفض المتابعة الصحية لحالاتهم.
وأشارت مؤسسة نادي الأسير الفلسطيني، إلى أن من بين الأسرى ٥٦ امرأة فلسطينية يتعرضن لاعتداءات وحشية تحاول النيل من شرفهن، وقد كشفت رسالة منهن للعالم عن الوضع الخطير الذي يحدق بهن، وجاء في الرسالة: « نحن الأسيرات القابعات في سجون الاحتلال وزنازينه نخاطبكم من وراء القضبان لوضعكم في صورة المحن والابتلاءات التي نعيشها يوميًا من قبل جلاوزة الاحتلال الصهيوني وجلاديه، آملين منكم أن تهبوا لنجدتنا وفضح الكيان الصهيوني الذي يتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان…»
وعلى صعيد مواز تتسارع الخطط الصهيونية للاستعداد لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، كما تتسارع مخططات التهويد والتدمير المتعمد لهوية الأراضي الفلسطينية. وليس أدل على ذلك من تلك النشرات الإعلامية والإعلانات الصحفية واللافتات والملصقات التي يروج لها اليوم على أوسع نطاق، داعية لهدم الأقصى الشريف.
كل ذلك يدور على الأراضي الفلسطينية بحق أهلنا ومقدساتنا دون أن يحرك شيئًا في العالم شرقه وغربه، ولم يجد له بندًا ولو صغيرًا في سجل الأجندة الأمريكية الغربية، مادامت الجرائم ترتكب بأيد صهيونية بحق شعب مسلم متضعف وأرض محتلة، بل إن التصريحات التي كانت تطلق بين الحين والآخر، ذرًا للرماد في العيون لم يعد لها مجال أو مكان في عالم السياسة الغربية.
كما أن منظمات حقوق الإنسان الدولية الكبرى صارت تغمض عيونها عما يجري، وأصبح دورها ينصب على إصدار تقارير روتينية لا تنصف المظلوم ولا تنتصر له فالتقرير السنوي لعام ۲۰۰۳ الصادر مؤخرًا عن «منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأمريكية هيومان رايتس ووتش» حول ما يجري في الأراضي الفلسطينية جاء هذه المرة غير منصف؛ إذ تقول مقدمته: « استمرت أحداث العنف التي تفجرت في سبتمبر من عام ۲۰۰۰ وازدادت كثافتها عام ۲۰۰۲ وازدادت أعداد المدنيين الذين يدفعون ثمن الانتهاكات الصارخةللقانون الإنساني الدولي والتي ارتكبتها قوات الجيش الإسرائيلي والجماعات الفلسطينية المسلحة....» وهكذا سار التقرير على هذا المنوال الذي يساوي بين الجلاد والضحية والغاصب والمغتصب، متناسيًا أن الحالة التي يتناولها حالة وطن محتل وشعب واقع تحت قهر الاحتلال.
إن الغرب يبدو وكأنه قد أطلق العنان لشارون وعصابته ليجهزوا على القضية الفلسطينية ويقضوا على الشعب الفلسطيني وهو موقف متواطئ ومنحاز يكشف عواره وسقوط دعاواه في مناصرة قضايا الشعوب وتحريرها، وكان الأولى بالولايات المتحدة وهي ترفع شعار «تحرير الشعب العراقي» من نظام صدام حسين-وهي تغطي على أهداف وأبعاد أخرى خطيرة - أن ترفع على الأقل إلى جواره شعار تحرير الشعب الفلسطيني من جيش شارون وزبانيته، لكن كل شيء صار واضحًا للعيان، بعد أن تكشفت المواقف على حقيقتها وانكشفت المخططات التي دبرت بليل.. والغريب في كل ذلك.. الموقف العربي الإسلامي الذي أصيب بالشلل والتخبط حيال القضية الفلسطينية، بعد أن غابت الاستراتيجيات التي توحد الصف وتجمع الكلمة والقوة في مواجهة العدو واضحت معظم الشعوب تعيش حالة من التمزق والإحباط وهي واقعة تحت قبضة حكوماتها الحديدية التي تمنعها من مجرد التعبير بالكلمة عن نصرة إخوانهم في فلسطين.
والأشد غرابة أن نسمع وسط كل هذه المخططات والمجازر والاعتداءات أصواتًا من مصر أكبر الدول العربية وأكثرها ارتباطًا بالقضية مع بعض الدول التي مات حسها وإحساسها أيضًا تجاه قتل المسلمين الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ وتهديم بيوتهم عليهم، تدعو فصائل المقاومة الفلسطينية إلى التوقيع على موافقة خطية على هدنة لمدة عام مع العدو الصهيوني، بل وتلوح بفرض هذه الهدنة بالقوة على الجميع، والأولى بمصر أن تتحرك في الاتجاه الصحيح لنصرة المقاومة وتقوية كيانها، ولو تحركت مصر لحركت ولتحرك معها الوضع العربي في أغلبه.
وأن الأمل دائمًا ينبعث من بين المحن وأملنا يظل دائمًا -كما قلنا مرارًا- في الله سبحانه وتعالى ناصر المستضعفين ومذل المتكبرين، ثم في أولئك الفتية الذين آمنوا بربهم داخل فلسطين. الذين أبوا ألا يضعوا سلاح المقاومة أو ينكسوا راية الجهاد رغم عدم التكافؤ في الإمكانات بينهم وبين عدوهم مقدمين أرواحهم رخيصة في ساحة الفداء حتى صاروا يزلزلون كيان العدو ويلحقون به أفدح الخسائر البشرية والمادية التي وصلت إلى تدمير الدبابات وإسقاط الطائرات، وهو ما يخجل المنهزمين ويفزع المتواطئين ويزلزل كيان الغاصبين ويشفي صدور قوم مؤمنين.
إن المكائد والمخططات البشرية مهما تزايدت ضد فلسطين وحاصرت أبناءها لن تهز عقيدة المؤمنين بأن النصر الذي وعد به الله عباده على أرض الإسراء سيتحقق - بإذن الله- لا محالة، وأن اليوم الذي سينطق فيه الحجر والشجر آت لا ريب فيه: ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ (المعارج:6) ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (الروم:4). وختامًا نقول لتلك الحكومات التي جاءت للسلطة نتيجة انقلابات عسكرية ورفعت شعارات كاذبة خادعة لنصرة القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين: أين أنتم من تلك الشعارات؟ أما أن الأوان أن تتنحوا عن السلطة -أو تنحوا- وتتركوا المجال لأناس مخلصين بعد أن أتضح كذبكم وخداعكم سنين طويلة وكنتم تلك الشعوب المسلمة التواقة إلى نصرة إخوانهم خنجرًا في صدور في فلسطين؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل